
في البلاد العربية يركز بعضهم على نقد العقل، مشيرين إلى طابعه الأداتي ناقلين نقد هابرماس وبوبر مثلا إلى تربة غير مواتية، بينما لا يزال العقل في غربته غريب، وللاعقلانية ملكة متوجة تفتك بشتى مجالات الحياة.
إن العرب الآن ليسوا ضحايا هيمنة العقلانية حتى نطلب تحررهم من قيدها كما هوالحال في الغرب، العقلانية لدينا لا تزال مشروعا يتطلب بلورة وترسيخا في نسيج الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.
يجب التنسيب والتركيز على المهمة الرئيسية في علاقة بوضع مخصوص هوالوضع العربي تحديدا، وعدم التعامل مع الموضوعات والمفاهيم الفلسفية وكأنها عابرة للحدود، وعلى الفلاسفة كما لوكانوا ملائكة ينزلون من السماء مدججين بالأفكار في انفصال عن زمانهم ومكانهم.
الرئيسي في عقلانية العرب اليوم هونقد المقدس في تمظهراته المختلفة، يجب تبين ما هي العقبة الرئيسية، تلك العقبة التي لم تنزل من السماء وإنما هناك قوى واستراتيجيات ومصالح حتمت وجودها، وإزالة تلك العقبة يعني تعيين من يختبئ وراءها، وكشف أمره على الملأ ، من هنا أهمية النقد والتشريح ولتحليل والتشخيص والاستنطاق والمساءلة.
كان وضع العرب عامة قبل ثلاثين عاما مثلا أفضل من الآن، وقد ساءت الحالة مع اشتداد وقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعصف بهم وما رافقها من اغتراب ديني فأصبحوا في حالة اقتتال طائفي.
إن العقلانية في البلاد العربية لا تزال في وضع جنيني، والمهم إدراك أن لها أجدادها التاريخيون، وعليها أولا فهمهم وهضمهم ثم تجاوزهم، من هنا أهمية التوغل عميقا في التنقيب في ثنايا الموروث العقلاني، وقوفا عند مكتسباته المغدورة، واستشرافا لآفاقه التاريخية، وربط الصلة بينها وبين العقلانية الكونية بوجهيها العلمي والفلسفي، وهنا أيضا علينا القيام بعمل مهم في المساءلة والحفر.
وبرغم وضعها هذا فإنها محور تدور حوله مناظرات وسجالات، وردود الفعل ضدها ترقى إلى مستوى إعلان حرب تكفيرية على العقل ورموزه ومكتسباته، السلاح الأبرز المستعمل فيها التضليل المغلف بالقداسة.
ومن المهم إدراك أنه كلما تطورت العقلانية طردت اللاعقلانية من طريقها وهي التي من علاماتها ترديد أن العقل عاجز أومحدود القدرة الخ، وتطور العقلانية لا نعني به ما ينجز على المستوي النظري فقط، وإنما على مستوى الممارسة أيضا، وبالتالي إدراك التلازم الديالكتيكي بين هذين المجالين.
ومن هنا ارتباط العقلانية عربيا الآن بالتنوير والعلمنة ونقد البنى القدسية وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه المبدع والمستكشف، والقادر بالتالي على فهم الواقع والسيطرة عليه، ورغم كل شئ فإن هذه العقلانية وهي تواجه التكفير والتحريم تتقدم، والمقاومة الشديدة التي تلقاها على يد أعدائها هي شهادة على مدى فعاليتها الراهنة، وقد تجاوز الأمر حدود التكفير إلى الاغتيال فقد أضحى لهذه العقلانية المعاصرة شهداؤها الذين غيبهم الرصاص.
هناك نزعة تلفيقية تحاول تحقيق المصالحة بين العقلانية والنصوص الإسلامية المقدسة، وما نلاحظه أن مفهوم العقل في تلك النصوص يرد في تعارض تام مع العقلانية، فبرغم أن آيات وأحاديث كثيرة تتضمن كلمة عقل ومشتقاتها فإن دلالتها لا صلة لها بما هوفلسفي، فالعقل في القرآن والحديث تابع للقلب الذي يؤدي الوظيفة المعرفية، مستعملا أدوات منها العقل، بمعنى أن القلب هوالذي يعقل الأشياء، حيث نقرأ آيات مثل : " أم لهم قلوب يعقلون بها" / "فتكون لهم قلوب يعقلون بها".
وعلى هذا النحويصبح الوحي / الإلهام / الحدس مصدرا لليقين، فيجري التسليم بما هوخارق لقوانين الطبيعة، بإعتباره معجزات إلهية، وينحط الإنسان إلى مستوى المتقبل والمنفعل الذي ليس أمامه غير التسليم بحقائق تأتيته نفحاتها وأنوارها القدسية من عل، وهذه ذروة اللاعقلانية، إذ تتم التضحية بالعقل بمعناه الفلسفي على عتبة الإيمان.
وما نجده في القرآن نعثر على صداه في الحديث حيث نقرأ :" إن الله تعالى لما خلق العقل قال له قم فقام، ثم قال له أقعد فقعد، ثم قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر إلى أن قال له : وعزتي وجلالي وعظمتي وسلطاني وارتفاع مكاني واستوائي على عرشي وقدرتي على خلقي ما خلقت خلقا هوأكرم على منك ولا أحسن عندي منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أعرف وبك أعبد وبك أثيب وبك أعاقب "، فالعقل هنا منفعل يتقبل الأوامر دون حول ولا قوة، أي إنه متحكم به من طرف إرادة متعالية، هي التي خلقته وهي التي يتوجب عليه الانصياع لها، حتى لوتعلق الأمر بالتسليم بما يخالف النواميس التي وضعتها تلك القوة ذاتها.
وعلى هذا الصعيد فإن العقلانية معنية بنقد المقدس الديني، ومن المهم ربط الصلة بين هذا النقد وصنوه الذي نجده سواء لدى الفلاسفة العرب الأوائل أولدى الفلاسفة الغربيين، الذي نظفوا البيت الثقافي الأوربي من هيمنة المقدس على الفكر والحياة، فأطلقوا بذلك موجة من العقلنة لا تزال تفاعلاتها تعتمل لحد اليوم في مشارق الأرض ومغاربها.
تحيلالعقلانية كمفهوم فلسفي إلى منزع فلسفي، ينظر إلى الواقع في تمظهراته المختلفة باعتباره محكوما بقوانين موضوعية، وأن بإمكان البشر إدراكها، ومتى تم لهم ذلك أصبحوا قادرين على التحكم فيها، فالحرية تفترض هنا وعي الضرورة بحسب عبارة فريدريك أنجلس.
وفضلا على ذلك فإن العقلانية كمنزع في التعامل مع الواقع ترتبط بمجالاتها المتنوعة، سواء منها الطبيعية أوالفكرية والإنسانية، كما إنها تقترن بالممارسة والتطبيق فالعقل يتجسد عقلانية في هذا المجال أوذاك من مجالات النشاط الإنساني، كأن نتحدث عن عقلانية علمية وعقلانية سياسية، فالعقل هنا يتدخل في مجريات النشاط الإنساني نقدا وتشريحا وتحليلا، بما يفضي إلى تجاوز أوهام سابقة، وتأسيس مقاربات جديدة، هدفها حسن السيطرة على الوقائع والإبداع في توظيفها بما يؤدي إلى تجديد في فهم الإنسان لذاته وللكـــون وتملكه له.
لقد نشأت العقلانية الكلاسيكية مع فلاسفة اليونان وهي في تضاد مع الأسطورة وسواء تعلق الأمر بالفلاسفة ما قبل السقراطيين أوبسقراط وأفلاطون وأرسطوفإن الفلسفة القديمة قد قامت على التناقض بين الإيمان بأشكاله الدغمائية المختلفة والمعرفة العقلية، حتى أن سقراط قد قضى بعد اتهامه بإنكار وجود الآلهة . ولدي العرب عرفت الفلسفة في لحظتها الوسيطية أوجها مع فلاسفة أمثال الكندي والفارابي وابن باجة وابن رشد، وهي تنقض اللاعقلانية الإيمانية خاصة من خلال نقد علم الكلام والتصوف، وهوما يتجلي على سبيل الذكر في رفض ابن باجة للإلهامات الصوفية ودحض ابن رشد لأطروحات الغزالي وكشفه عما في الأقاويل الكلامية من جدل ومغالطة، وني عن البيان أن العقلانية الحديثة في أوربا قد نشأت مع فلاسفة مثل ديكارت وسبينوزا وهي تعيد للإنسان المفكر اعتباره، من حيث هومالك الطبيعة وسيدها.
وإذا كان العقل تاريخي وليس جوهرا ثابتا ومعطى ميتافزيقيا، فإن ذلك يفرض وجوب النظر إليه في ديناميكيته المرتبطة بسياقه التاريخي والابستمولوجي، وهوما يصح على العقلانية أيضا، ومن هنا ضرورة تمثلها في تطورها وتبدلها، كما يتوجب فهمها ضمن مجالاتها المخصوصة.
وبرغم أن العقلانية تاريخية ومتغيرة، فإنها في مختلف مراحلها كانت منشدة إلى البرهنة على ما تقدمه من أفكار، ساعية إلى التمايز مع الذهنيات الرائجة المستندة إلى التسليم والتقليد والإيمانية، حتى لوكلفها ذلك تحطيم الأسس القدسية التي تقوم عليها، فالعقلانية اكتسبت على الدوام ماهيتها من المحاجة العقلية، فهي تحيل إلى الاستدلال والتعليل والاستقراء والاستنباط ، والقطع مع الأوهام التي تستند إلى سلطة العادة والتكرار والمقدس والوحي.
ومن تلك العقلانيات الكلاسيكية والوسيطية والحديثة تتغذى اليوم العقلانية المعاصرة بما تعنية من إطلاق يد الفكر لكي يمارس مهمة النقد دون تحريم أومنع، مهما كانت مبرراته الدينية والسياسية والأخلاقية، فالفلسفة والعلم هنا لا يستنكفان من القيام بنقد ذاتي متواصل، غايته التعلم من الخطأ الذي غدا بذلك أمرا مرحبا به ، وكف عن أن يكون خطيئة ولعنة تلاحقنا، فقد أضحى دافعا لتصليب عود معارفنا بمعنى أن فيه دائما إفادة ما، وأصبح العقل معنيا بالعودة المستمرة إلى ذاته مسائلا قدراته ومكاسبه السابقة، وعلى هذا النحوفإن العقلانيين لا تحمر وجوهم خجلا كلما تعلق الأمر بالاعتراف بأخطائهم والتعلم من دروسها، إذ بذلك فقط يمكنهم تجاوزها، وكما يقول فرنان فإن " الجدال والمحاجة التي تقبل باختلاف الآراء وتضاربها، يشكلان شرطا أساسا للعقلانية فلا عقلانية إلا إذا قبلنا أن جميع الأسئلة والقضايا يمكن أن تكون موضع جدال مفتوح ومتناقض، فليس هناك مطلق يمكننا أن نزعم بإسمه إيقاف الجدال في لحظة معينة ".
تنموالعقلانية وتترسخ وهي تواجه أخطاءها السابقة، فضلا عن مواجهة اللاعقلانية التي تحيط بها من كل جانب، مما يعني أنها في حركة دائبة في اتجاهين، فهي من ناحية تتجه نقديا إلى الداخل، منظفة بيتها ومن ناحية ثانية تواجه بآليات الدحض ما يعد خارجها نقيضا لها، ونعني اللاعقلانية التي تزرع في طريقها العقبات وتحاول لجمها، وقد تسجل على هذا الصعيد أوذاك تراجعات مؤقتة، وتشهد انكسارات، ولكنها بالمعنى التاريخي تتطور قدما وتمكننا إطلالة سريعة على تاريخها من إدراك ذلك.
وعلى هذا النحوفان العقلانية موسومة بطابعها المفتوح، ومن الوهم الاعتقاد في اكتمالها، فهي ابعد عن أن تكون بنيانا مغلقا لا يأتيه الباطل من خلفه أومن بين يديه فهي مسار وتمشي ، يغتني على الدوام بالجديد والمتجدد مثلما يبينه تاريخ الأفكار
وإذا نظرنا إليها في نسبيتها وتغيرها وتقدمها وتحولها، فإن الأزمات التي تعرفها ليست إلا عنوانا جديدا لتجددها فالأزمة هنا دليل حياة ونمـــومطردين. وفي المقابل فان اللاعقلانية يتم من خلالها الرجوع إلى كل ما هومتعارض مع العقل، أي إلى ما لا يخضع لقوانين موضوعية، فيسود الانبهار هنا بالغيب والغامض وغير القابل للشرح والسحري والخرافة والخارق ، وقد يصل الأمر إلى حدود تحطيم العقل تحت دواعي تبدوفي ظاهرها مقبولة فلسفيا مثلما يبينه جورج لوكاتش.
ومن المهم الإشارة إلى أن النزوع إلى اللاعقلانية يشتد مع ركود الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، وانسداد آفاق التغير الاجتماعي وسيادة الاستبداد السياسي والقمع الفكري، فتنتشر الشعوذة والخرافة و الغيبيات وينعدم التعويل على الذات، وتوضع القضايا الكبرى للبشر على كاهل القدر.