
عاش المصلح المستنير الطاهر الحداد 36 سنة فقط ( 1899-1935) وكانت حياته القصيرة حبلى بالعطاء والنضال الفكريّ والمعرفيّ بل إنّ إقدامه الجامح على ترويج أفكار الانعتاق والاستنارة وتحرير المرأة هو الذي جلب له العزلة والانكسار فكان الكمد المؤذن بالنهاية.
بادر الطاهر الحدّاد منذ شبابه الأوّل إلى إسماع صوته والمجاهرة بآرائه رغم خروجها عن المألوف الاعتياديّ والسائر الانضباطيّ، فقد واجه أساتذته المحافظين علنا ونال عقابهم وثأرهم في نتائج الامتحان، وجابه ظلم المستعمر الفرنسي بمناصرته للشغيلة ومجاهرته بوطنيته فنال ما نال من الإيقاف والتهديد. ولم تعجبه مواقف حزبه سنة 1924 فانتقده علنا وانسلخ عنه. وعندما فرغ من كتابه الأوّل سنة 1927 ” العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية” انكبّ طيلة ثلاث سنوات لإنجاز مدوّنته حول المرأة من خلال مقاربة سوسيولوجية للمجتمع الإسلاميّ التقليديّ ورغم ما واجهه من حصار واستعداء فقد ثابر على الكتابة الصحفية والمجاهرة بآرائه وكان مصرّا على المواجهة والتبليغ ولم يثنه الوعيد والتهديد عن القول والتبليغ.
مات الطاهر الحداد في 7 ديسمبر 1935 بعد صراع مع مرض القلب وخطّ خواطره التي نحن بصددها في صيف 1933 وتحديدا في أشهر ماي وجوان وجويلية وقد حبّر خواطره هذه على كنّشات محاسبات لشركة من شركات صنع الشاشية بتونس كانت قد أجبرته البطالة القسرية على الاشتغال بها عرضيا.
سلّم العروسي الحدّاد منذ الأسبوع الأوّل لوفاة شقيقه مسوّدات الخواطر لأحمد الدرعي صديق الطاهر الحدّاد ونصيره الوفي ( صاحب كتاب : دفاعا عن الحدّاد) وظلت تلك الخواطر ” مطوية” في دروب النسيان حتى سنة 1975 تاريخ نشرها في كتاب لمحمد أنور بوسنينة بعنوان ” خواطر” عن الدار العربية للكتاب وأسهم المؤرّخ نورالدين سريب في ترجمتها إلى الفرنسية والتعمّق في تحليلها في كتاب صدر له سنة 1984 حول فكر الطاهر الحداد كما تعهّد الصحفيّ الهادي البالغ أيضا بالترجمة الكاملة لهذه الخواطر الى الفرنسية على أعمدة الصحف في النصف الثاني من السبعينات ثم نشرها في كتيب سنة 1993.
ويعرض مبحثنا لفترة انقطع فيها الطاهر الحدّاد عن الجدل والمبارزة الفكرية واستنكف فيها – طوعا- عن الكتابة للجمهورالواسع.
طيلة ثلاثة أشهر خيّرالطاهر الحدّاد أن يعزف لنفسه وينهل بمفرده من أنهاره الفكرية واختلاجاته الحسيّة.
كانت خواطره – التي لم ينشرها – مثل بقية تركات الموتى عرضة لكل المصائر الممكنة ومن حسن المصادفات أنّها ظلّت بين أيادٍ أمينة فتمّ – ولو بشيء من التأخير- نشرها للجمهور الواسع بأكثر من لغة وقد تمحورت الخواطر الثلاث وستّون حول أفكار الاستنارة وكانت فكرتها الأولى والقوية هي الحرية وتحرّر العقل والعلم والمرأة واللغة والحكم والماضي والحاضر .
ولا أعرف تحديدا – ولكني استشعر- لماذا اخترت في هذه الورقة بالذات وفي هذا الظرف تحديدا ( أقصد أحداث غزّة) أن أعرّج على ثلاثية ” الهمج والعنت والعجز ” في خواطر الحدّاد وسأكتفي بتقديمها دون زيادة ولا تعليق لاقتناعي ببلاغة الحدّاد رغم أنّه هذه المرّة وعلى خلاف عادته عكف عن التبليغ فلم يكن له ما أراد.
الخاطرة عدد 63: ( والأخيرة في التسلسل الزمني لخواطر الحدّاد):
الشرق العربي وخصومه الأقوياء ( جويلية 1933)
” الاقتصاد والسياسة والجند المنظم بأركان حرب يقومون عليه هذه القوات الظاهرة في نظام الأمم المستقلة وهي وسيلة كل شعب يريد الحياة في هذا العالم المتسلح وهذا ما فهم اليابان والأتراك والفرس والروس والأفغان وشيّدوه في بلادهم وأقاموا به الدليل على حياتهم ولم يبق معتمدا على سياسة الاحتجاج بالمنطق وقوة الحقّ المجرّد أمام خصومه ”!! الأقوياء إلاّ الشرق العربيّ فما أبعد الغاية وما أطول الطريق على العاجزين.
الخاطرة عدد 49: نحن والاستعمار الأوروبي ( جوان 1933)
” لقد قمنا برحلات عديدة الى أوروبا لإفهام أحرارها المنصفين ما نعاني في بلادنا من ضروب العسف وألوان العذاب النازل علينا من الاستعمار الأوروبي ويظهر اننا حتى الآن مازلنا نرى الحاجة إلى الرحيل لإعادة أحاديثنا المتكررة عليهم لعلهم يفهمون، وهكذا تمرّ السنون وعشرات السنين وهؤلاء الأحرار المنصفون مازالوا في حاجة إلى الى إفهامنا فما أقدرنا على البيان وما أعجزهم عن الفهم “.
الخاطرة عدد 56: التضحية بدون عوض( جوان 1933)
“خير للانسان أن يحترف عملا مباحا يكتسب منه العيش أو الثروة كما يفعل سواد الناس من أن يحترف زعامة الشعب التي تقتضي التضحية بدون عوض فيظل يعصرها بحذاقة لتدر عليه من رزق الشعب الفقير، ولكن أين الضمير ؟ ”
الخاطرة عدد 57: التفكير والتكفير( جوان 1933)
“التفكير بدء الحياة ولكننا نضع في وجهه سلاح التكفير لنثير عليه الشعب فمن أين نبدأ الحياة التي نطلبها للشعب ؟ ”
الخاطرة عدد 36: العمل والعجز( جوان 1933)
“عندما يأتي عمل شاق نحبه أو انتقام وحشي يقف من ثورة غضبنا نتم عملنا بشجاعة بالغة نفتخر بها، والسجون العامّة ملآنة بالقدرة من هذا النوع، ولكن تخوننا هذه القدرة عندما نشعر بالخيبة العامة في حياتنا فنفوض الأمر للاقدار الالهية وليس بعاجز من يعترف لله بالعجز”.
الخاطرة عدد 31: نصائح العاجزين ( ماي 1933)
“نصائح العاجزين هي التي تأمرنا بالسير على مهل في الطريق المحفوف بالمهالك ثم ترسم لنا خطة النجاة فنرى فيها جبلا يسير فوق جمل”.
هكذا كتب الحدّاد لنفسه قبل 75 سنة .