
يكتسي كتاب تحصيل السعادة أهمية بالغة في متن الفارابي، بالنظر إلى الغرض الذي ألف من أجله، و هو توضيح الطريق لمن يريد أن يتعلم الفلسفة و يحصل السعادة. وتعتبر الفلسفة في تقليد الفارابي العلم التام من حيث هي علم بالموجودات بما هي موجودة، وبتحصيلها يتشبه الإنسان بالإله. إنها العلم الذي يمكن من تحصيل صورة شاملة للكون. و إذا كان الفارابي قد عرف السعادة و وقف عند حدها في كتابه ” التنبيه على سبيل السعادة”[1] فإنه في ” تحصيل لسعادة” يبرز أن جودة التمييز التي تتأتى بتعلم الفضائل النظرية هي الأداة الضرورية التي بها يسير المرء نحو السعادة التامة، غير أن هذا التمييز إنما يقوم بالعلم دون غيره. فما هو العلم الذي يعتبره الفارابي الوسيلة الضرورية لتحصيل السعادة؟ ما طبيعته و ما علاقته بالسعادة؟ و ما هي منزلته في تحصيلها؟
ينهض كتاب “تحصيل السعادة”[2] على تدليل الصعاب التي تواجه الإنسان الفرد أو الجماعة على حد سواء في تحقيق الوسائل التي تنال بها سعادة الإنسان الكاملة. وقبل الحديث عن دور العلم في تحصيل السعادة عند الفارابي، حري بنا أن نصرح أولا أن هذا الكتاب لا يقوم على نوع من تصنيف العلوم تصنيفا إبستمولوجيا، لأن ذلك موجود في كتب أخرى مثل إحصاء العلوم و غيرها، بل إننا ننطلق من فرضية مفادها أن كتاب ” تحصيل السعادة” يقوم عل دعوى: أن الوصول إلى الغاية الأسمى للوجود الإنساني التي هي السعادة لا يتأتى إلا بالعلم. و العلم حسب الفارابي لا يحصل دفعة واحدة، بل لا بد من تعلمه و التدرج في أخذه.
لهذا نجد الفارابي يصرح منذ بداية الكتاب أن: “…الأشياء الإنسانية التي إذا حصلت في الأمم و في أهل المدن حصلت لهم بها السعادة الدنيا في الحياة الأولى و السعادة القصوى في الحياة الأخرى، أربعة أجناس: الفضائل النظرية و الفضائل الفكرية و الفضائل الخلقية و الصناعات العملية”[3]. فأما الفضائل الثلاثة فهي العلم الذي ينبغي على طالبه الجد في تحصيله.
وبما أنه لا أساس لأي علم بدون عمل، فإنه لابد بعد ذلك من الصناعات العملية. أما الفضائل النظرية فهي العلوم التي تهدف إلى تحصيل الموجودات و منها ما يحصل للإنسان منذ أول أمره من حيث لا يشعر، و لا يدري كيف و من أين حصلت، و هي العلوم الأول أو المعارف الفطرية التي يولد الإنسان و ذهنه مزود بها، وما عليه إلا أن يكشفها عن طريق التعليم، و منها: المبادئ الرياضية و قوانين الفكر[4].
يعتبر الفارابي هذه العلوم الأول بمثابة المقدمات الأول التي يصير الإنسان المتعلم منها إلى نوع آخر من الفضائل النظرية و هي العلوم التي تحصل عن فحص و استنباط و تعليم و تعلم. وتكون هذه العلوم في أول الأمر مجهولة بالنسبة للمتعلم الذي يقبل على تعلمها، لكنه يحصلها بالتعليم و التعلم و الفحص عبر جهد عقلي شاق. فكلما استطاع هذا المتعلم أن يستنبط من مقدمات هذه العلوم اعتقادا أو رأيا، فإنه يكون في هذه الحالة قد توصل إلى نتائج جديدة من تلك العلوم. يقول الفارابي: ” و الأشياء التي يلتمس علمها بفحص أو تعليم هي التي تكون أول الأمر مجهولة، فإذا فحص عنها و التمس علمها صارت مطلوبة. فإذا حصل للإنسان فيما بعد ذلك عن استنباط أو تعلم، اعتقاد أو رأي أو علم صارت نتائج”[5].
إذن فالغرض من هذه العلوم هو القدرة على استنباط ما به يقدر الإنسان التوصل به إلى نتائج أخرى جديدة تكون صحيحة و تامة و يقينا، لأن اليقين لا بد منه في العلم. فإذا توفرت شروط و أحوال التعليم أو طبقت على المعلومات الأول كانت هذه المعلومات الأولى هي مبادئ التعليم في ذلك الجنس. أما إذا تضمنت مبادئ التعليم في جنس ما اسباب وجود أنواعه سميت بمبادئ الوجود في ذلك الجنس. وإذا لم تتضمن مبادئ التعليم في جنس ما أي سبب من أسباب وجود أنواعه فلا يصح تسميتها بمبادئ الوجود لأنواع ذلك الجنس. لأنه إذا كانت بالأنواع التي يحتوي عليها ذلك الجنس أو لكثير منها أسباب لها، أو عنها، أو لها وجود تلك الأنواع التي يحتوي عليها ذلك الجنس، فهي مبادئ الوجود؛ لأن الجنس حسب الفارابي يشمل النوع المراد معرفته، و هنا تكون المبادئ التعليمية في هذا النوع هي بعينها مبادئ للوجود[6].
وتسمى البراهين الدالة على تلك المعلومات الأول عند الفارابي براهين اللُمية، بمعنى لم الشيء و لم هو موجود. أما إذا كانت المعلومات التي فيها تلك الأحوال و الشرائط في جنس ما من الموجودات أسبابا لعلمنا بوجود ما يحتوي عليه ذلك الجنس من غير أن تكون أسبابا لوجود شيء منها، كانت مبادئ التعليم في ذلك الجنس غير مبادئ الوجود، رغم أنها السبيل إلى معرفة مبادئ الوجود[7]. هنا تتحول البراهين الموجودة عن تلك المعلومات إلى براهين الإنية، أي إن الشيء، لا براهين لمَ الشيء.
ويكون قصد كل علم من العلوم التي يلتمس بها أن تحصل الموجودات أولا اليقين بوجود جميع ما يحتوي عليه جنس الوجود من أنواع، حتى أن يبلغ استيفاء عدد المبادئ الموجودة فيه. فإذا وجدها أربعة استوفاها كلها، و لم يقتصر على بعضها دون بعض، و إن لم يكن فيه الأربعة كلها، و قف على مقدار ما يجده من المبادئ. وإذا أقصى مبدأ في ذلك الجنس مبدأ آخر و لم يكن منه، بل وإذا كانت توجد في الجنس الذي به ينظر مبادئ التعليم وهي بعينها مبادئ وجود ما يحتوي عليه ذلك الجنس، استعمل تلك المبادئ و سلك إلى ما بين يديه حتى يأتي على ما يحتوي عليه ذلك الجنس، “فيحصل له في كل مطلوب على هل الشيء، و لما هو الشيء معا إلى أن ينتهي إلى أقصى ما سبيله أن يبلغ في ذلك الجنس من الوجود”[8].
يؤكد هنا الفارابي أولوية برهان الوجود على حساب برهان السبب، إذ يتوجب معرفة وجود الشيء أولا بعد ذلك يمكن أن نمر معرفيا من اليقين بوجود الشيء إلى البحث عن أسباب وجوده ومبادئه. وهكذا نمر من المقدمات الأول إلى براهين الوجود والسبب، لنحصل على وسائط نصل بها إلى علة الشيء ومعلوله، وكذلك يجوز العكس، إذ يمكن أن يصار إلى علم مبادئ الوجود إذا ابتدئنا من علم مبادئ التعليم فتكون عندئذ مبادئ التعليم أسبابا لعلمنا بمبادئ الوجود.
ويبرز الفارابي هنا أن أولى و أسهل مبادئ التعليم على الإنسان: الأعداد و الأعظام، أو ما يسمى بعلم التعاليم؛ من حيث كونه لا يوقع الإنسان في الحيرة و لا يؤدي إلى اضطراب الذهن و تبلده. يقول:” أول أجناس الموجودات التي ينظر فيها كما كان أسهل على الإنسان، و أحرى أن لا تقع فيه حيرة و اضطراب الذهن، هو الأعداد و الأعظام، و الأعظام هو علم التعاليم”[9].
فهذا العلم هو الذي يمد الإنسان المتعلم بالمقادير و الأشكال و الأوضاع و جودة الترتيب، و إتقان التأليف و حسن النظام. و هكذا يستمر في تحصيل هذه الأمور إلى أن يأتي على جميع الموجودات التي يمكن أن توجد فيها هذه الأشياء من جهة الأعداد و الأعظام. فالمتعلم يبتدئ أولا بالأعداد ثم يرتقي إلى الأعظام، ثم إلى سائر الأشياء التي تلحقها الأعداد و الأعظام بالذات، مثل المناظر و الأعظام المتحركة التي هي الأجسام السماوية، ثم الموسيقى و الأثقال و الحيل و هكذا؛ “ليضطر بعد ذلك إلى استعمال الأشياء التي يمكن أن توجد في المواد، و عندها نضطر إلى إدخال مبادئ أخرى غير مبادئ ماذا و بماذا و كيف و لماذا، و حينئذ تلوح له المبادئ الطبيعية ثم هنا ينبغي له أن يشرع في علم الموجودات التي توجد لها مبادئ الوجود الأربعة، و هو جنس الموجودات التي لا يمكن أن تصير معقولة إلا في مواد، فإن المواد تسمى حينئذ الطبيعة”[10].
يقتضي هذا المنهج عند الفارابي أن يجمع الباحث أو المتعلم بين السبيلين السابقين: برهان الإنية و برهان اللمية. و في مرحلة كهذه لايزال المتعلم يتعامل مع ما هو مجرد عن المادة؛ لكن في خطوة أخرى يفرضها المنهج عليه، سيتعامل مع ما هو شبه مادي ثم ما هو مادي حقيقة. أما عندما تلوح صور المبادئ الطبيعية التي تمتزج بها المادة امتزاجا واضحا، فإنه عند ذلك سينظر في الأجسام الطبيعية، و في أجناسها، أو بمعنى آخر يبدأ التعامل مع ما هو محسوس مثل الأجسام السماوية و الأرض و الماء و النار و الهواء، و من ثم الحجر و لمعادن و النبات، ثم يرتفع إلى الحيوان، فالحيوان الناطق[11].
وهكذا يعرف المتعلم أنه بذلك إذا أراد دراسة العلوم الطبيعية و ما بعد العلم الطبيعي يلزمه أن يرتاض على تصحيح أحكامه و تسديدها نحو الصواب، الأمر الذي لا يتأتى إلا بالوقوف على مبادئ العقل و على الغايات التي من أجلها وجد الإنسان، فيعلم حينها أنه في حاجة إلى مبادئ نطقية تقوده إلى اليقين و الكمال[12].
يسمح هذا المنهج إذن بأن يبدأ الإنسان في معرفته لعالم الخلق فيرى امارات الصنعة ثم يستنتج لذلك وجود مبدأ عام له؛ أو العكس، بأن ينظر في عالم الوجود المحض ويعلم أنه لا بد من وجود بالذات، فيعلم كيف ينبغي أن تكون طبيعة الموجودات بالذات. بعبارة أخرى، يمكن أن يمر من الجدل الصاعد إلى الجدل النازل. ولهذا يجب على طالب السعادة وهو على درب تعلم الفضائل النظرية أن يعرف السبيلين معا، فيقدر على التقلب بينهما في إطار تصور واضح للعلم يضع قي الحسبان أهمية التيقن من المبادئ وصرامة المنهج (البرهان)، وبذلك تكون طبيعة العلم أو المعنى الذي يعطيه الفارابي للعلم هنا هو العلم البرهاني.
غير أنه لكي يحقق الإنسان كمال علمه يلزمه أن يعلم أن هذا الكمال لا يتم إلا إذا تيسرت له مجاورة الناس و الاجتماع بهم. و هنا تظهر أهمية العلم المدني الذي هو كما يقول الفارابي: ” علم الأشياء التي بها المدن بالاجتماع المدني ينال السعادة كل واحد بمقدار ما أعد له بالفطرة”[13].
يساعد تدرج الإنسان في تعلم هذه العلوم و إدراك مكانتها في وجوده على فهم وادراك حقيقة وجوده و العالم الذي يعيش فيه، فيستطيع أن يفهم بواسطتها وجود الموجودات في مبادئها و عللها ثم يدرك طبيعة و حقيقة الاجتماع الذي يعيش فيه و الذي يشبه تركيب العالم الذي يعيش فيه، لأنه كما يوجد في العالم مبدأ أول ثم مبادئ أخر على ترتيب، ثم موجودات تتبع تلك المبادئ و الموجودات، فكذلك يوجد في المدينة مبدأ أول هو رئيسها، ثم مبادئ أخرى تتلوه و مدنيون آخرون يكونون تلك المبادئ[14].
بعد هذا يأتي دور الفضائل الفكرية و الأخلاقية التي بها يقوم الإنسان بإدراك السبل التي بها يتم تجنب الأعمال السيئة و طرق الإسترشاد بالحسنة منها. فبموجب هذه الفضائل يصبح من الضروري للأعمال أن تكون معقولة قبل صدورها عن الإنسان ليتم تعقلها[15]. فإذا كانت الأفعال الإرادية تختلف باختلاف المكان و الزمان و الأمم و الأفراد، فإن القوة الفكرية هي التي “من شأنها أن نستنبط بواسطتها و نميز الأعراض التي شأنها أن تتبدل على المعقولات التي شأن جزئيتها أن توجد بالإرادة عندما يلتمس إيجادها بالفعل عن الإرادة زمان و مكان محدود و عند وارد محدود، طال الزمن أو قصر، عظم المكان أو صغر”[16].
يحقق إذن كل هذا للإنسان كماله الخلقي و السلوكي، فيواصل بالصناعات العملية استكمال هذا الكمال إلى أن يصل إلى مرتبة الفيلسوف، “الذي يكون فهمه جيدا و طبعه صادقا و عادلا، غير جموح و لا لجوج فيما يهواه. كما يكون كبير النفس عما يشين عند الناس، ورعا، سهل الانقياد للخير، عسر الانقياد للشر و الجور، قوي العزيمة على الصواب، صحيح الاعتقاد”[17]. ثم أكثر من ذلك يكون قادرا على ترأس و حكم المدينة بما له من فضائل نظرية و فكرية و خلقية، اجتمعت له بتعلم العلوم الفلسفية و الصناعات العملية.
إن كل هذه لمواصفات التي يتصف بها هذا الفيلسوف لا يمكن التحلي بها ،حسب الفارابي، إلا بالعلم الفلسفي في تمامه و كماله؛ و أكمل العلم ما كان منتهيا بالعمل. فعندما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة يكون في الحقيقة سعيدا في الأولى و مهيئا للسعادة القصوى في الآخرة.
وهكذا يتضح إذن أن مكانة العلم و علاقته بالسعادة أساسية ووثيقة في كتاب “تحصيل السعادة”. فإذا كانت السعادة هي ما يطلب لذاته لا لغيره، فإن الوصول إليها يحتم على الإنسان أن يجد الوسيلة الضرورية لإستحصالها وهي العلم الفلسفي. وقد رأينا كيف أن العلم الحقيقي هو ما كان بالبرهان واستوفى شروطه، وهذا هو العلم النظري الذي تكون المعرفة به كاملة وتامة.
وإذا كانت السعادة بمثابة الخير الأسمى، فإن أساسها هو الفضيلة الإنسانية من حيث الخلق الجميل وجودة التمييز. لذلك لا يحصل الإنسان هذا الخير الأسمى إلا إذا شرع في تعلم الفضائل الأربعة مجتمعة والتي تحدث عنها الفارابي سابقا، و هي تجسد قدرة الإنسان على شق طريق الفلسفة و تعلم علومها و التأدب بها ثم العمل و الانخراط بها في الحياة المدنية و السياسية.
[1] الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، الأعمال الكاملة، تحقيق و إعداد جعفر آل ياسين، الجزء الأول. دار المناهل، بيروت، ط1، 1992
[2] الفارابي، تحصيل السعادة، تحقيق و تغليق جعفر آل ياسين، دار الأندلس، بدون تاريخ.
[3] المصدر نفسه، ص 49.
[4] المصدر نفسه، ص 49
[5] المصدر نفسه، ص 50
[6] المصدر نفسه، ص ص 51-52
[7] المصدر نفسه، ص ص 52-53
[8] المصدر نفسه، ص ص 54-55
[9] المصدر نفسه، ص 55
[10] المصدر نفسه، ص ص ص 56-57-58
[11] المصدر نفسه، ص ص59-60
[12] المصدر نفسه، ص ص 61-62
[13] المصدر نفسه، ص 63
[14] المصدر نفسه، ص 64
[15] المصدر نفسه، ص ص 66-67
[16] المصدر نفسه، ص ص ص 67-68-69
[17] المصدر نفسه، ص ص 94-95
————–
مواضيع مرتبطة:
– الخطّة الفلسفية للبحث عن السعادة عند الفارابي
– الفلسفة والنبوة عند الفارابي
– الطبع في كتاب تحصيل السعادة للفارابي فيما بين الورود والحدود