من العدميّة إلى التّكبير

صبيحة يوم التاسع من أبريل من عام 1951، ارتدى بدلته الأنيقة، وأغلق عليه باب ونوافذ البيت الذي كان يقطنه في وسط العاصمة الفرنسية باريس، ثمّ أدار مفتاح الغاز وجلس بهدوء يستنشق رائحة الموت الكريهة؛ هكذا شاء الروائي الإيراني صادق هدايت، أن يضع حدّاً لحياته، وقد أضناه البحث عن المعنى والجدوى من الوجود، وكان قد أصدر رائعته الشهيرة، البومة العمياء، والتي تقول كلّ جملة فيها بأنّ الحياة مجرّد عنف لا مبرّر له.

مصادفة أولى: أنّه في نفس العام الذي انتحر فيه صادق هدايت، أصدر ألبير كامي مؤلّفه الشهير: الإنسان المتمرّد، والذي كتب فيه اعترافاً، غير مسبوقٍ في تاريخ الفلسفة، حيث أقرّ بأنّ الانتحار يظلّ المشكلة الفلسفية الأكثر جدّية في عصر العدمية.

مصادفة ثانية: أنّه في نفس العام، وصل مفكّر إيرانيّ آخر هو علي شريعتي إلى العاصمة الفرنسية باريس، وبعد بضع سنوات من الدراسة الجامعية، عاد إلى بلاده عام 1964 منظّراً شرساً لأوّل ثورة دينية في العصر الحديث، وقد اقتنع بأنّه لا مَلاذ من العدمية الجاثمة على أنفاس الحضارة المعاصرة، سوى أن تعلو صيحات التكبير.

تانك المصادفتان تأذنان لنا بالسؤال: هل يكون التطرّف الديني هو الأفق الأخير والمتبقّي أمام العدمية، أم أنّه مُجرّد قناع لهذه العدمية؟

تندلع الثورة الدينية المحافظة وتعلن عن حضورها في كل مكان، تطرح نفسها بديلاً قادراً على أن يُعيد المعنى للحياة، وأن يَردّ للوجود جدواه وللسياسة فحواها، ويظنّ الكثير من المسؤولين والمُراقبين بأنّ الحركات الدينية، والتي ساهمت البارحة في هزيمة الشيوعية، هي اليوم أمام مهمّة جديدة، تتعلق بهزيمة النزعة العدميّة، ولذلك فإنهم يعتقدون بأنّ الزعامات الدينية، من الدّلاي لاما إلى القرضاوي، الأبي بيير، وبات روبرتسون…مهما اختلفت الآن، ومهما بلغ خلافنا مع بعضها حول بعض القضايا، إلاّ أنها تظلّ، في كلّ أحوالها، داخل خندق واحد أمام مواجهة خندق العدمية.

لقد سبق للفيلسوف الأمريكي ليو شتراوس أن أكّد بأنّه يُعول كثيراً على الدين للخروج من العدمية، وهو نفس رهان كلّ من برنارد هنري ليفي، موريس كلافيل وفلاسفة آخرين.

أمّا الفيلسوف ووزير التربية الفرنسي السابق لوك فيري Luc Ferry، فإنّه يراهن على صيرورة تأليه الإنسان وأنسة الإله، أملاً في تحرير الإنسان المعاصر من العدمية.

ويقترح الأنثروبولوجي الفرنسي جلبير ديران ردّ الاعتبار للبنيات الأسطورية القديمة من أجل إنقاذ شبابنا من ورطة العدمية.

أمّا الرّئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي فإنه يُحرّض النّاس على العودة إلى الدين لحماية المواطنين ممّا يسمّيه بـ”التصحّر الرّوحي”، وهو تعبير يُذكّرنا بعبارة “الجوع الرّوحي” التي كان القسّ الأمريكي الشهير بيلي غراهام، ومن خلال موقعه على شبكة الانترنيت، يصف بها الوضع في العراق قبل الغزو الأمريكي.

ويدعو الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، اليوم إلى إحياء قيم المسيحية لمواجهة “أزمة الحضارة”.

وكذلك يقود بابا الفاتكان حملة صليبية ضدّ قيم النسبية والعدميّة، مدعوماً من طرف العديد من المنظمات الدينية التي تمكنت من اختراق مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وإذا كان معظم المفكرين المُعاصرين يُجمعون على أن مرحلتنا الرّاهنة تتسم بانتصار العدميّة وانتشار الفكر العدمي، هذا الأخير الذي ينكر القيم بدعوى الموضوعية، يُنكر الحقيقية بدعوى التأويل، وينكر المعنى والهوية تحت طائلة الاختلاف، فهل بوسعنا أن نتوسّل في الدين والفكر الديني طوقاً للنّجاة وملاذاً للانفلات من قبضة العدمية كما يظنّ المُحافظون، المُحافظون الدّينيون والمُحافظون الجُدد؟

هل بإمكان الأديان أن تقدّم لنا ما يكفي من الضمانات للانفلات من براثن العدمية، والتي تبدو هذه المرّة، وكأنها عدميّة شمولية وشاملة؟

في مُقابل من يراهنون على الدين وهم يبتغون الخلاص من آفة العدمية، ثمّة من يعتبرون أن العدمية هي نفسها التي قادت إلى اندلاع الثورة الدينية المحافظة، وهو القول الذي يذهب إليه الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان، وهو نفس الرّأي الذي يَراه الفيلسوف الفرنسي مشيل أونفراي.

والسؤال:

هل انتهى فصل الدين عن السياسة إلى العدميّة السياسية، كما كان يقول الفيلسوف الأمريكي ليو شتراوس، ومن ثمّة يجب أن نبارك اليوم عملية إعادة إقحام الدين في السياسة، كما يردد نيكولاس ساركوزي، أم أن العدمية السياسية هي التي فتحت الباب أمام إعادة إقحام الدين في الحقل السياسي، كما كان يقول الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان، ومن ثمّة يجب أن تكون المعركة مع الخطاب الأصولي معركة مع الخطاب العدمي أيضاً؟

أفلا يكون التطرف الديني هو الحالة القصوى لروح العدمية التي باتت تسري في أوصال العصر؟

فرضيتنا في الموضوع، أنّ العدمية والأصولية وجهان لعملة واحدة، لا بل إنهما نفس الوجه لنفس العملة الواحدة، ولاختبار الفرضية، يكفينا اختيار السؤال التالي:

ألا يُمكننا أن نعتبر قرار الحركة الوهابية بتدمير قبر الرّسول، وتدمير المسكن الذي نشأ فيه قبل استبداله بمكتبة لا يزورها أحد ولا يهتمّ أحد بزيارتها، وذلك تحت طائلة إزالة كل شائبة قد تشوش على وحدانية الذات الإلهية، ألا يُمكننا أن نعتبر ذلك كله وغيره مجرّد تجليات للعدمية الدينية والتي تشير إلى خواء السماء فتقول: هذا كل شيء، وتشير إلى عُمران الأرض فتقول: هذا لا شيء؟

أمّا حين تقول: هذا لا شيء، فلا يختلف الأمر إن كانت تشير إلى قبر الرّسول في مكّة، إلى تماثيل بوذا في أفغانستان، إلى برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، إلى جسد بنظير بوتو في باكستان، أو ربّما إلى مجرّد مستشفى للأطفال أو المجانين في بغداد!