من القارئ الخفيّ إلى القارئ المتخفّي

 

من المصادفات، ربّما، أنني اطّلعت مؤخّراً على نصوص أو تعليقات للقرّاء، تدور حول أخلاقيّات التعليق على نصوص الكتّاب في المواقع الإلكترونيّة أو في النسخة الالكترونيّة لمنابر إعلاميّة ورقيّة. مجمل هذه المشاركات يدور حول الاستياء من الحال الذي تنحدر إليه بعض التعليقات، ويبحث بعضها في آليات ضبطها بحجّة مقنعة هي الفصل بين النصّ والشخص، والفصل بين أخلاقيّات الكتابة والحوار والأخلاقيّات الشخصيّة للمتحاورين، ومن النصوص التي تفنّد ذلك كلمة للأوان بعنوان "المسؤوليّة صنوا للحرّيّة" لاقت ترحيباً غير مشروط من بعض المعلّقين عليها.

 

 إنّنا لا نخاطر، ظاهراً، عندما نتواضع على مقولة أخلاقيّة، بما أنّ أحداً، على الأرجح، لن يعترض عليها علناً. وقد يجد كاتب هذه السطور نفسه مضطرّاً إلى التوضيح، فيعلن مسبقاً موافقته على ضرورة مراعاة أخلاقيات الكتابة والحوار بين طرفي العلاقة "القارئ / الكاتب"، ولكن….!. أزعم أنّ هذه الـ"ولكن…." ضروريّة لكلّ تفكّر نقديّ، بما في ذلك ما قد يبدو للوهلة الأولى من المسلّمات، وأتوقّع، أو آمل، من كلمة كـ"كلمة الأوان" المشار إليها، أن تدعو من تمثّلهم ومن تتوجّه إليهم إلى التفكّر بطبيعة القراءة التفاعليّة، والآفاق التي تلامسها هذه القراءة، أكثر من التفكير بالسلبيّات التي تعترضها، والتي يمكن الموافقة على وجودها بسهولة وراحة بال خالصة.

 

لعلّها فرصة طيبة إذاً أن تفتح "كلمة الأوان" باباً للتحاور والاختلاف، وهذا ما تعلنه هيئة تحرير الموقع دائماً، لذا سأقتبس من الكلمة ما أنطلق منه إلى الاختلاف معها، فالكلمة تحدّد مسؤولية المعلّقين على النحو التالي: "أمّا مسؤوليّة المعلّقين، فتقتضي أن يكونوا أشخاصا محدّدين، يتحمّلون تبعات ما يكتبون. فهذه أبجديّات المسؤوليّة: أن يصدر الفعل عن شخص محدّد غير غفل، وأن يكون صاحب الفعل قابلا لأن "يسأل" عن فعله. ولذلك فسنشترط من الآن فصاعدا أن يكتب المعلّق اسمه كاملا مع إرساله بريده الألكترونيّ".

 

أعتقد أن الاشتراطات الموضوعة في هذه الفقرة تثقل عمليّة التفاعل بين القارئ والنص، والأهمّ من ذلك أنّها تحرف موقع القارئ بما قد يتجاوز على حقوقه، أو على ما قد يعدّ من طبيعة موقعه كقارئ كما سأبيّن تالياً:

الأصل الذي اعتاد عليه القرّاء أن تكون القراءة خفيّة، بخلاف الكتابة التي لا تأخذ مكانها أو مكانتها إلا بالإشهار، فالقارئ شخص غير متعيّن إلا إذا اقتضى الاستثناء، أو اقتضت رغبته، أن يشهر نفسه. ومن حقّ القارئ البقاء في الخفاء، وهذا لا يلغي أحقّيته بتكوين رأي فيما يقرأ ما دامت الكتابة موجّهة إليه، وتبتغي التأثير عليه أو دفعه إلى تبنّي قناعات أو مناهج بعينها. وإذا نظرنا إلى الكتابة الورقية فسنرى أن القراءة تُعرف بأثرها الكمّي، أي بمدى انتشار المطبوعة، وفي مرّات أقلّ تُقاس باستطلاعات للرأي تعتمد بدورها المعيار الكمّي أو "الشرائحيّ" لا الشخصيّ.

 

قد نقول، من جهة أخرى، إنّ القراءة التفاعليّة الالكترونيّة منحت القارئ حقّ الخروج من الظلّ، وإشهار رأيه إن شاء ذلك، أي نقلته إلى موقع الفاعل بعمليّة الكتابة. لكنّ هذا القول يصبح ظرفيّاً عندما تتخلّله اشتراطات تجرّد القراءة من طابعها غير المتعيّن، فالقارئ "المعلّق" إذ يصبح مطالباً بوضع اسمه الكامل وبريده الالكترونيّ فهذا قد يعني دفعه إلى موقع الإشهار الذي لا يريده لنفسه، وربّما يستغني عن إبداء الرأي فتكون النتيجة خسارة رأي لأسباب شكلانيّة لا تدخل في صميم الفعاليّة الثقافيّة؛ إذ ليس مهمّاً ما يكون اسم المعلّق بقدر أهميّة ما قد يضيفه التعليق.

 

أزعم أن من حقّ القارئ أن يتخفّى، وأن يحافظ على حميميّة عمليّة القراءة وخصوصيتها بالنسبة إليه، ومن حقّه في الوقت نفسه أن يتفاعل ويساهم في إبداء رأيه دون أن تكون مساهمته مشروطة باختراق خصوصيّته، فالحرّيّة التي تمنحها القراءة التفاعليّة الالكترونيّة لا ينبغي أن تكون مشروطة بتجريده من "مكتسبات" سابقة له بوصفه قارئاً لا على التعيين. وفي هذه الحالة من الغبن أن ننظر إلى التخفّي وراء اسم مستعار على أنّه تحايل من القارئ، بل إنّ استخدام الاسم المستعار في التعليقات يكاد يكون القاعدة التي علينا القبول بها، وإذا كنّا لا نعدم عبر تاريخ الكتابة وجود كتّاب استخدموا أسماء مستعارة في التوقيع على مؤلّفاتهم فمن باب أولى أن نقرّ بذلك الحقّ للقرّاء.

 

وقد لا يكون من باب المغالاة أيضاً ألاّ ننظر إلى استخدام أسماء مستعارة عديدة من قبل القارئ ذاته على أنّه استخدام عشوائيّ، ولا نستبعد أن يوقّع قارئ على تعليق باسم ما ثم يوقّع على تعليق يحمل رأياً مغايراً في النصّ المقروء نفسه؛ آية ذلك ألا نطلب من القارئ أن يكون إطلاقيّاً ووثوقيّاً، وألا يصبح ظهور المحدّد الرقمي حجّة على القارئ تمنعه من خدش قناعاته، أو حتى التلاعب بها إن راق له ذلك. بل إن تعدّد الأسماء قد يدلّ على سعة مخيال القارئ، أو تعدّديته التي تتيح له اختراع سياق ومسار خاصّ بكلّ اسم من أسمائه المستعارة. وربّما يخترع القارئ لنفسه اسماً يعلّق تعليقات رصينة واسماً آخر يعلّق تعليقات ساخرة.

ولا بأس من الإشارة، هنا، إلى أنّ السخرية نوع أصيل من أنواع المعرفة، ونعني بها السخرية على محمل النصّ لا على محمل الشخص. إنّ مثل هذا القارئ، إن وجد، قد تمدّنا تعليقاته بآفاق أرحب لأنّه اجتهد في تقليب وجهة نظره على أكثر من وجه واحتمال.

 

"أشكر الكاتب على مقالته الرائعة، وقد عوّدنا دائماً على رؤيته الثاقبة… إلخ" هذا نمط من التعليقات قد نجده في كثير من المواقع وقد يطرب له الكاتب المعنيّ به. ولن يحذفه مشرفٌ على تصديق التعليقات بما أنّه لا مشكلة مع المديح المجّاني وإن لم يتطرّق صاحب التعليق إلى مواطن الروعة التي يراها في النصّ المقروء. ولن نأتي بجديد إن قلنا إنّ النفس تطرب للمديح ويزعجها الذمّ، مع أنّ المديح غير المبرَّر صنو للذمّ غير المبرّر، ومع أنّ الكاتب، إذ يضع نصّه في مقام القراءة، مُطالَب بقبول الحالتين أو رفضهما على حدّ سواء. ويُفترض بالكاتب التحلّي بالتسامح الذي قد يفتقده عند بعض القرّاء، لأنّه هو مَن سعى إلى وضع نصّه بين يدي القارئ، ومن حقّ الأخير أن يختبر "مشرطه" تجريحاً في النصّ. وليس من المبالغة في التسامح أن يتوقّع الكاتب شططاً من بعض القرّاء، لأنّ الأمر رهن بتعدد مستويات القراءة والقرّاء، ومن ثمّ باختلاف طباع القرّاء، وحتّى بوجود النوازع السلبيّة لدى البعض منهم. وقد يكون من المثاليّة الأخلاقيّة أن نتطلّع إلى سويّة عليا من الحوار العقلانيّ في وقت تنحسر فيه هذه الصفة عن مجتمعاتنا، وإذا كان من المأمول أن تساهم القراءة التفاعليّة في توطيد ثقافة الحوار فهذا يعني بالتأكيد أن ثقافة الحوار العقلانيّ الديمقراطيّ ما تزال قيد الإنجاز مع ما يشوب ذلك من تعثّر.

 

 إنّ مناقشة المسألة من زاوية التسامح تقودنا إلى نسبيّة تقديرات كلّ موقع وعلاقته بكتّابه وقرّائه، فلا قاعدة عامّة تقرّر لنا الحدّ المقبول من النقد، لكن ما دام أيّ موقع قد اختار لنفسه أن يكون موقعاً تفاعليّاً فإن الافتراض الأساسيّ هو إعطاء الحريّة للقارئ ليبدي رأيه، وبحيث تنتهي حرّيّته عندما تصبح مؤذية للآخرين، ومحكّ ذلك هو نصّ التعليق بعيداً عن شخص القارئ مثلما هو بعيد عن شخص الكاتب. ومسؤولية إدارة أيّ موقع مضاعفة إذ لا يجب النظر إلى التعليقات على أنّها مساحة من الحريّة يمكن حجبها أو تقييدها، أي أنّها حرّيّة مشروطة ومعطاة، لأنّ الأصل في الحرّيّة أن تكون مشروعاً لا منحة أو هبة.

 

لا بأس أن أشير أخيراً إلى أنّني من قرّاء التعليقات المداومين، وأدين لبعضها بملامح من الظرافة قد تكون مفتقدة في بعض نصوص الكتّاب. وقد أصبح لبعض المعلّقين في موقع "الأوان" مكانة لديّ تجعلني أترقّب تعليقاتهم أسوة بترقّبي لبعض نصوص الكتّاب. ولكي لا يبدو الكلام ضمن العموميّات الممجوجة سآخذ مثلاً قارئـ(ة)ـاً يوقّع باسم "سلمى"، فقد لفتت انتباهي تعليقات هذا القارئـ(ة) لما تنطوي عليه من معرفة، وطرافة أحياناً، ولما يشوب الاثنتين من غموض صدورهما عن شخص لا نعرف عنه شيئاً. ولا أنكر أن هذا الغموض أثار لديّ فضولاً مشروعاً لمعرفة صاحبـ(ة) التعليق، مع الرغبة في بقائه فضولاً وعدم انكشاف من ارتأى لنفسه هذا الاسم. وأذكر أنّني استمتعت عندما ظفرت بمعلومة عنه من خلال أحد تعليقاته إذ استشهد بمَثَل قشتاليّ يتّضح من صياغته أنّه تُرجم وقتها من أجل التعليق، ولفت انتباهي تخصيصه للمثل بأنّه قشتاليّ فلم يقل على وجه العموم إنّه إسبانيّ. ولكن، بعيداً عن التلصّص الذي مارسته، أمِنَ المهمّ حقّاً معرفة من هي/هو سلمى؟ وهل هي / هو رجل أم امرأة؟