
[من قضيّة المرأة إلى أطيقا الشّوق 2/1(…)->article 11376]
من شأن آليّة الدّفاع هذه أن تشيّء الشّريعة، بحيث تتحوّل إلى شيء نفيس يحافظ عليه ضدّ كلّ تحوّل ممكن. إذا أردنا استعمال مفاهيم التّحليل النّفسيّ، أمكن لنا الحديث عن “علاقة نرجسيّة بالموضوع” : الموضوع كلّ مكتمل، والعلاقة به علاقة تبعيّة مطلقة، لأنّها علاقة حياة أو موت، وانصهار تامّ.
في دولة الاستقلال المدنيّة ببلد كتونس، رفع عاليا رمز الطّاهر الحدّاد، أذكر أنّ هذا المبدأ، مبدأ صلوحيّة الشّريعة لكلّ زمان ومكان كان أساسيّا في درس التّربية الإسلاميّة و”التّفكير الإسلاميّ” في السّبعينات والثّمانينات. كان هذا الدّرس درسا باعثا على القلق والحيرة للمراهقة التي كنت، لأنّه كان سجاليّا، ضدّ فرويد وماركس وداروين، وضدّ كلّ أفكار الحداثة، وكان في تعارض تامّ مع درس الفلسفة. وكم كنّا نترصّد أخبار الأساتذة، ونتصوّر معارك حامية الوطيس بين أساتذة التّربية الدّينيّة وأساتذة الفلسفة. لم تكن لنا القدرة على فهم التّناقض إلاّ باعتباره اختلافا بين أشخاص مختلفين، لا ثنائيّة داخل صيرورة واحدة ملتبسة.
على المستوى القانونيّ والسيّاسة القانونيّة، أنتج هذا المعتقد الدّفاعيّ مفهوم “الثّوابت” التي أوصلت إلى كلّ تراجعات الثّمانينات في مجال الأحوال الشّخصيّة بمصر والجزائر، وكلّ التّحفّظات على اتّفاقيّة “السّيداو” المشار إليها.
-بناء جهاز رقابة وإقصاء استهدف كلّ المنادين بفتح باب الاجتهاد. ولن تكفي مساحة المقال لاستعراض نتائج جهاز الرّقابة.
ولعلّ هذا برنامج ثقافيّ يجب إنجازه : ما الذي يمكن إزالة الغبار عنه من منتجات عصرالنّهضة، كيف اشتغل جهاز الرّقابة بتنظيم النّسيان والإقصاء لعلي عبد الرّازق وطه حسين ونظيرة زين الدّين، ولطفي السّيد، وغيرهم؟ من صمت منهم؟ ومن عُزل عن عمله؟ ومن أطرده الأزهر؟ ومن تراجع؟ ومن نُسي؟… وكيف أقيم الحصار مشرقا ومغربا عن الطّاهر الحدّاد نفسه وبورقيبة الذي حمل مشروعه وأراد تنفيذه؟
لا أعتقد أننّا كتبنا تاريخ النّهضة العربيّة من وجهة نظر الضّعفاء، ومنهم النّساء ومن دافعوا عنهنّ. اشتغل جهاز الرّقابة بمحرّكات مختلفة، منها التّعليم نفسه، ومنها الرّواية “المبسترة” التي قدّمت وتقدّم إلى الآن عن “رجال” الإصلاح وعصر النّهضة المجيد.
– كانت هناك نهضة مضادّة سرعان ما نجحت في إخماد جذوة النّهضة. والحصيلة النّهائيّة هي، فيما أقدّر، تعطيل “عمل الثّقافة” الذي بدأ، ومنع حصول تراكمات من التّجارب والآثار الكثيرة الفرديّة والجماعيّة. لقد بقيت تجارب الحرّيّة هذه معزولة بلا حوامل كافية، وبلا تناقلtransmission كاف يفرض أدبيّات النّهضة في شتّى مجالات الحياة، وعلى أوسع نطاق اجتماعيّ.
ولكنّ خطابات النّهضة المضادّة لم تفلح في إبقاء النّساء في بيوتهنّ، رغم أنّ هذا المطلب كان أساسيّا في الأدبيّات الإخوانيّة، وفي الفقه الوهّابيّ الذي تألّق بعد ثورة النّفط، وفي الخطاب الدّعويّ عامّة. خرجت النّساء إلى العمل، فأخذ مبدأ القوامة في التّآكل في الواقع، رغم بقائه في المنظومات القانونيّة على أنحاء مختلفة. فالقوامة مرتبطة بالأفضليّة، والأفضليّة مرتبطة بالإنفاق، والمرأة أصبحت قادرة على تحصيل الرّزق والإنفاق. والقوامة تعني الطّاعة، والطّاعة أصبحت عصيّة في الواقع وفي بعض القوانين… ما عجز عنه خطاب النّهضة، تكفّل به الواقع الاجتماعيّ وقواه المادّيّة في صمت، وربّما بمعزل عن الإنتاج الفكريّ لعصر النّهضة.
لكنّ النّهضة المضادّة نجحت في الاشتغال على بؤرة الحجاب : تحجّبت الكثير من النّساء بعد السّفور، وضعن الخمر التي أصبحت تسمّى “الزّيّ الإسلاميّ”. لا شكّ أنّ تأثيم غير المحجّبات ساعد على انتشار الحجاب، وساعدت عليه بعض الفتاوى(14) . لكن : هذه بتلك : ففي مقابل التّنازل عن بعض مقوّمات القوامة، لا بدّ من استثمار بؤرة الحجاب، حتّى تبقى الفوارق النّوعيّة قائمة، وحتّى يتمّ استنبات دوالّ من “الشّريعة” في الواقع الجديد، بحيث يتمّ إنتاج وهم الاستمرار في واقع متحرّك، وإنتاج وهم المرجعيّة المطلقة غير المثلومة في واقع جديد. بقدر خمود الشّعاع من بؤرة “القوامة” وسقوط أصابع لهيبها الواحدة تلو الأخرى، من إنفاق وولاية وافتكاك لأدوار اجتماعيّة وسياسيّة كانت ذكوريّة، يشتعل إوار “الحجاب”، ويشتعل هذيان مقاومة الأنثويّ.
والنّتيجة هي زحزحة ما يرمز إلى الرّقابة على جسد المرأة، أي الحجاب، إلى مجال قريب من مجال العقيدة، بعد أن كانت أحكامه لامتقرّرة وغير أساسيّة كما رأينا. أصبح الحجاب “عبادة”، وأصبح شرطا من شروط التّديّن الجديد الذي فرضته الأدبيّات الإخوانيّة والدّعويّة عموما. علامات الحريم القديم أصبحنا نجدها في قلب الفضاء العموميّ، ولسان حال المرأة : أنا “حريم” لكنّني مواطنة، أنا منقّبة لكنّني أريد العمل بنقابي. وأحيانا : أنا منقّبة لكنّني أرفض تعدّد الزّوجات. إنّها وقائع قد تبدو لنا سرياليّة، وقد تدلّ على عودة “للدّين”، ولكنّها في الحقيقة أكثر دلالة على آليّات دفاع تحاول استنبات مظاهر التّديّن كلّما غابت أسسه الهيكليّة القديمة، تحاول بناء سلاسل دالّة جديدة انطلاقا من دوالّ مستلّة من المرجل الحارق للمرجع المقدّس.
المعارك متفاوتة بين البلدان، وعدد أصابع اللّهيب التي خمدت في هذه البؤرة وطلعت في البؤرة الأخرى يتفاوت من بلد إلى آخر. لكنّ ما بسطته يبدو هيكلا وطريقة اشتغال وظيفيّ.
وردما لهذه الهوّة بين واقع يفرض انهيارا مكتوما لمؤسّسة القوامة، وخطابات تريد بسط سلطان الشّريعة على النّساء، يطلع علينا في تسعينات القرن الماضي تيّار نسويّ يضعه الباحثون تحت يافطة “النّسويّة الإسلاميّة” أو “المسلمة”.(15)
حركة جديدة غير مهيكلة في تنظيم، لكنّها ممتدّة إلى كامل أرجاء العالم الإسلاميّ وغير الإسلاميّ، تساهم فيها نساء من أمريكا وأوروبّا وماليزيا ومصر وتونس. ورغم تنوّع الآفاق واللّغات، وقلّة الدّراسات النّقديّة لهذا التّيّار، يمكن لنا أن نقول إنّ هذه النّسويّة الإسلاميّة تجرّأت على بؤرة القوامة عن طريق النّزعات التّالية :
1-الفصل بين القرآن والحديث، واعتماد القرآن أساسا، في حركة تملّك هي التي تفسّر عنوان كتاب أمينة ودود “القرآن والمرأة”.(16) القرآن من وجهة نظر المرأة، أو لنقل “قرآن المرأة”.
2-استعادة عناصر من أفكار النّهضة الأولى. ربّما لا تكون هذه الاستعادة ناتجة عن اطّلاع مباشر على روّاد النّهضة العرب، لا سيّما بالنّسبة إلى غير العربيّات كالأمريكيّة أمينة ودود. فصاحبة كتاب “القرآن والمرأة” على سبيل المثال، تعتمد منهجا شبيها بمنهج الطّاهر الحدّاد، متمثّلا في اعتماد الكلّيات القيميّة بدل الجزئيّات المتعلّقة بالأحكام.
3-إهمال الجهاز التّفسيريّ والفقهيّ والأصوليّ الذي تعتبره هؤلاء النّسويّات ذكوريّا، وحائلا دون علاقة مباشرة بالنّصّ القرآنيّ، واستعمال المناهج الحديثة في دراسة الخطاب وفي التّأويل بديلا عن هذا الجهاز.
4-استغلال مبادئ من قبيل “ما لم يرد فيه نصّ فهو حلال” لطرق مواضيع مثل تعدّد الأزواج للنّساء، فلم يرد فيها نصّ، والسّحاق والمثليّة الجنسيّة. وقد تميّزت بهذا الطّرح التّونسيّة ألفة يوسف في كتابها “حيرة مسلمة”.(17)
وكانت آخر ضربة مدهشة للقوامة في مجال العبادات نفسها، والإمامة الصّغرى تحديدا قيام أمينة ودود على عمل في منتهى الجرأةـ تمثّل في إمامة المصلّين نساء ورجالا يوم الجمعة 19 مارس 2005، مواجهة غضب رجال الدّين المسلمين، ونفور الكثيرين ممّن أرادوا اعتبار هذا أفسلام “أمريكيّا”.
الكثير من أفكار النّسويّات الإسلاميّات ليس جديدا تمام الجدّة. لكنّ الجديد هو امتداد هذه الخطابات في كامل أرجاء المعمورة، واضطلاع النّساء بها. وما لفت انتباهي منذ عودتي إلى التّدريس بالجامعة التّونسيّة في غضون السّنة الفارطة، هو أنّني أجد لدى الطّابات المحجّبات حججا من نفس القبيل للدّفاع عن النّساء : أنّ من حقّ النّساء إعادة الاجتهاد في القرآن، أنّ القرآن تمّ اغتصابه من قبل الفقهاء، أنّ الرّسول نفسه بشر ويجب أن نميّز بين البشريّ والنّموذجيّ في سيرته… في نقاشات يلعب فيها بعض الطّلبة الذّكور دور المدافعين عن التّقليد الذّكوريّ، وينهزمون في الأخير نظرا لكثرة الأصوات المرتفعة ضدّهم. ولكنّ البنات أكثر عددا بكثير في أقسام الكلّيّة التي أدرّس بها، وهنّ يمثّلن 60 بالمائة من عدد الطّلاّب في الجامعات التّونسيّة عموما.
هل هذه “الكثرة” والأصوات متعالية ستدعمها ثورة الوسائط السّمعيّة البصريّة كما دعم ظهور الطّباعة النّهضة الأوروبّيّة؟ هل هي نهضة جديدة سينهض بعبئها نساء لن يكون مصيرهنّ الصّمت والنّبذ كرائدات النّهضة؟ هل تنبئ هذه الانتفاضة التّأويليّة بظهور تديّن جديد؟ مازالت هذه الحركة تواجه نوعين من المقاومة : النّظام الدّينيّ الرّسميّ المتمثّل في الجامعات الدّينيّة، وفي أجهزة الإفتاء الرّسميّ المحلّيّ والدّوليّ، والإيديولوجيات الإخوانيّة والسّلفيّة التي ينشرها الدّعاة عبر نفس الوسائط. وربّما تواجه أيضا نفور الفاعلين الحقوقيّين من الدّفاع عن حقوق الإنسان انطلاقا من مرجعيّة كونيّة، ومن خطاب حقوقيّ دقيق. ولكنّ أليس من المهمّ فتح الثّقافة العربيّة الجديدة على الهامش الجديد التي فتحته “بروليتاريا نسائيّة دينيّة” تعمل ليلا ونهارا على تقويض الفقه الذّكوريّ؟ إنّها أشبه بالفئران النّشيطة العاملة على تقويض سلطة قطّ جبّار.
فهل سنشهد تغييرا في نظام الحقيقة، وترسيخا له عبر تدخّل الأنثويّ في التّاريخ؟ إلمامي بالأدبيّات النّسويّة الإسلاميّة ما زال غير كاف حتّى أخرج بنتائج أكثر دقّة. لكنّني أحدس بما يلي :
1-كأنّ هذا الحضور للمرأة كفاعل في الاجتهاد يوازيه حضور نوع من “تأنيث” القرآن، يتمثّل في بعض الاستعارات، كتلك التي تسقط فيها أمينة داود على القرآن فعل الاغتصاب. اغتصب الرّجال القرآن في الماضي وحوّلوا وجهته. ولكنّ الأهمّ من هذا كلّه هو الخروج من “صمديّة الشّريعة”، أي كونها كتلة لا ثغرة فيها إلى القرآن باعتباره حمّال أوجه، ومفتوحا على التّأويل والاجتهاد.
2-أعتقد أنّ مختلف خطابات النّسويّة الإسلاميّة لا تتخلّص تماما من إشعاعات دائرة الحجاب الأخلاقويّة، كما أنّها مهدّدة بعودة العلاقة النّرجسيّة بالموضوع في خطابات سجاليّة ذات طابع ثقافويّ دفاعيّ.
3-ثمّ إننّي أحدس بأنّه قائم على آليّة دفاع من نوع آخر هو الكبت التّامّ لأفضليّة الرّجال على النّساء كما يقرّرها القرآن. إنّها أفضليّة غير محتملة لمن يطلب المساواة، ولمن يبحث عنها في نصّ يتنزّل في تاريخ اللاّمساواة، رغم وجود نوع من المساواة الرّوحيّة بين الذّكر والأنثى في النّصّ القرآنيّ، ورغم أنّ التّكليف فيه يشمل الذّكر والأنثى. أكاد أراهن في موقع البنت الموؤودة التي تريد إزالة التّراب عن لحية والدها، حتّى يغيّر موقفه منها : ليس الذّكر أفضل منّي فلماذا تئدني؟ وفي القرآن نفسه نجد هذا التّعاطف مع الموؤودة، تعاطفا يجعل المظلومة قانونيّا تبحث عن خلاصها في القرآن.
هذه النّسويّات الإسلاميّة واعدة إذن بقدر ما هي ملتبسة. وهي صالحة للسّجال السّياسيّ أكثر من صلاحيّتها للبحث المعرفيّ، لاسيّما إذا انبنت على إنكار للتّاريخ وسياقه، كما تفعل الكثيرات من هؤلاء النسّويّات، بحيث يحلّ الإقرار بأنّ الإسلام “كرّم المرأة” محلّ الاعتراف بالوجود المظروف في التّاريخ لمؤسّستي القوامة والحجاب.
إنّها نسويّات تسمح بنقد واقع الهيمنة، وبإزالة ما تراكم من أجهزة تفسيريّة محيطة بالنّصّ المقدّس، فتساهم في خمود جذوة القوامة خاصّة. وفي هذا السّياق أستحضر قولة درّيدا عندما طلب منه تقديم آخر للتّفكيك : إنّه يتفكّك ça déconstruit. بدافع الواقع، وبدافع قاضمي مؤسّسات الهيمنة.
ولكن هل يكفي أن “يتفكّك”، وأن نلاحظ وقائع التّفكّك، ووقائع الدّفاع ضدّ التّفكّك عن طريق استنبات القديم في الجديد أو النّفخ على آخر جمرات البؤرتين، حتّى وإن كانت ملاحظة هذه الوقائع بالدّقّة والتّجريبيّة المطلوبتين غير متوفّرة دائما؟ يجب أن نعيد كتابة تاريخ النّهضة من وجهة نظر الضّعفاء الذين سحقتهم آليّات الرّقابة، لأنّ هذا هو واجب الذّاكرة نحو من تعذّبوا وألجموا واضطهدوا، وكانوا ضحايا لما سمّيته “النّهضة المضادّة”. يجب أن نصالح بين الثّقافة العربيّة وحقوق الإنسان والفكرة الكونيّة حتّى نكون مبدعين داخل الكونيّة لا مستهلكين سيّئين لها، أي مستهلكين بالرّفض لما تحقّقه الإنسانيّة من مكاسب مدنيّة في سبيل القضاء على الألم غير المشروع. يجب أن نواصل إعادة ما هو تاريخيّ ثقافيّ إلى التّاريخ والثّقافة، حتّى نخلّص العقيدة ممّا شابها من أركان ليست منها، لا سيّما الأركان المبنيّة على مصالح الهيمنة الذّكوريّة.
لكنّ ما أراه هو أنّ كلّ هذه البرامج تبقى ذات طابع شبه دفاعيّ، وتدخل ربّما في استراتيجيا الحداد الضّروريّ على الماضي. ولكن ما العمل بعد أن نقيم الحداد على الأموات وندفنهم، ونتخلّص من “شبحيّتهم”؟ ما العمل لكي ننتج المزيد من الأعمال التي تمحو الهوّة بين التّفكّك في الواقع والتّصلّب في الفكر الذي لا ينهض بعبء التّفكّك، دون أن نعود إلى الإغراءات الهوويّة والمعبودات الماهويّة كما في النّسويّة الإسلاميّة؟
ما يجب أن نهتمّ به قبل نهاية المطاف هو هذه الآليّة الكبرى التي تنتج “هذه بتلك” دائما وأبدا. إمّا القوامة أو الحجاب. إمّا التّفكّك أو الوقوف ضدّه، أو حتّى الدّفاع عنه.
لنعد إلى عبلة وصمتها ودارها. عبلة مشدودة دائما إلى شيء آخر غير عبلة : إنّه بيتها وحجابها، أو مجتمعها وأمّتها وسفور مجتمعها، أو دورها الإنجابيّ أو “نوعها الاجتماعيّ”. هذه بتلك : إمّا تكون غائبة، أو أن تُشدّ إلى بيت ما.
فخطاب النّهوض بالمرأة في عصر النّهضة تعتمل فيه حسب رأيي آليّة اختزال المرأة في الأموميّ. كان تحرير المرأة يتجنّب مواجهة “الأنثى” و”الأنثويّ” ويريد الإقناع بالحديث عن المرأة الفاضلة في مقابل أنثى ألف ليلة وليلة، وفي مقابل الأنثى مطلقا. يضيق المجال عن الاستدلال على هذه النّقطة باستقراء عدد كبير من خطابات عصر النّهضة. لكنّني أسوق هذا الكلام لقاسم أمين : “ومن ذلك الحين دخلت المرأة الغربيّة في طور جديد وأخذت في تهذيب عقلها وتهذيب أخلاقها شيئا فشيئا، ونالت حقوقها واحدا بعد الآخر، واشتركت مع الرّجال في شؤون الحياة البشريّة وشاركتهم في طلب العلم في المدرسة وسماع الوعظ في الكنيسة وجالستهم في منتديات الأدب وحضرت في الجمعيّات العلميّة وساحت في البلاد.
ولم يمض على ذلك زمن طويل حتّى اختفت من عالم الوجود تلك الأنثى، تلك الذّات البهيميّة التي كانت مغمورة بالزّينة متسربلة بالأزياء منغمسة في اللّهو، وظهر مكانها امرأة جديدة هي المرأة شقيقة الرّجل وشريكة الزّوج ومربّية الأولاد ومهذّبة النّوع.”(18)
كانوا يريدون تحرير المرأة من هيمنة الرّجال، ولكنّهم كانوا يريدون في الوقت نفسه تحرير المرأة من أنثى الشّوق، من الأنثى “البهيميّة”. هذه بتلك.
أمّا الخطاب الأصوليّ عن المرأة، فحدّث ولا حرج : إنّه إنتاج مستمرّ للأموميّ بديلا عن الأنثويّ، سواء بالإعلاء من دور الإنجاب الذي يعدّ “فطرة المرأة”، أو بدور الزّوجة والأمّ الفاضلة المحجّبة. ومن هنا سبب الحذر من المرأة العزباء، وسبب حرص الإسلاميّين على ضمان الزّواج لكلّ الفتيات. بل إنّ فتوى “رضاع الكبير” رغم طابعها الغريب تؤول إلى نوع من الإنتاج الكاريكاتوريّ للأموميّ بديلا عن الأنثويّ. فالمرأة حسب هذه الفتوى يجب أن ترضع زميلها في العمل حتّى تصبح محرّمة عليه. يجب أن تتحوّل إلى أمّ بالنّسبة إليه.
كما أعتقد أنّ دور الحجاب هو هذا. إنّ الغاية منه هو التّخفيف من إشعاعات الفتنة، والغاية الأعمق وغير الواعية منه هي جعل النّساء متماثلات متشابهات. فالشّوق يرتبط بالفرادة والطّرافة، وإنتاج المثيل في النّساء من شأنه أن يخفّف من خطورة جمالهنّ وحضورهنّ الفريد. ولكن هيهات، يعود الشّوق وتعود الفرادة حتّى لوكان الحجاب قضبانا حديديّة.
أمّا خطاب النّسويّة العلمانيّة فهو غير معنيّ بذات اللاّشعور، وذات الشّوق. وحتّى إن عُني بها، فلكي يُسقط ذات الحقّ على ذات اللاّشعور، كما فعلت النّسويّات عموما، ونوال السّعداوي خاصّة، عندما اعتبرت تجريد الأنثى من العضو الذّكوريّ مرادفا لتجريدها من السّلطة. كأنّ كلّ ما يخصّ المرأة يخصّ السّلطة وذات الحقّ. هذه بتلك : قضيّة السّلطة وامتلاك القضيب بديلا عن ذات الشّوق وذات اللاّشعور.
“هذه بتلك” الأساسيّة والمحوريّة تنطبق على جدل الحرّيّة والهويّة. فكلّما تحرّر المجتمع وانفتح على ممكنات التّغيير إلاّ وتأكّدت المطالبة بالهويّة والثّبات، والمطالبة بالهويّة والثّبات تمرّ عبر الشّريعة وعبر إحكام القبضة على جسد المرأة. جسد المرأة يظلّ مشدودا إلى “دار الهويّة”، ممنوعا من حركة السّفور والسّفر.
إنّ الثّقافة الجديدة يجب أن لا تكتفي حسب رأينا بتحليل المنظومات المعرفيّة والعوائق والقطيعات الأبستمولوجيّة. يجب أن تهتمّ في الوقت نفسه بالمسارات النّفسيّة، ويجب أن تهتمّ بالحرّيّة في ارتباطها بالشّوق، بما لم يتحقّق بعد، وبما سيأتي. إنّها يمكن أن تبني أطيقا للشّوق، لا أريد تعريفها، ولكنّني أقدّم هنا بعض ملامحها :
-هذه الأطيقا تحتفي بالأنثويّ باعتباره مخترقا للجنسين وللنّوعين، وموضوع نفور منهما، هو أساس ما نسمّيه “عُصابا”.
إنّها نهوض بعبء الإخصاء وعدم الاكتمال، هو المقابل للمركزيّة القضيبيّة كما عرّفها جاك درّيدا، وكما يمكن تعريفها انطلاقا من التّحليل النّفسيّ في بعض تعبيراته اللاّكانيّة. المركزيّة القضيبيّة هي كلّ الأفعال والخطابات التي تنشد السّلطة والاكتمال والكليانيّة. فالأنثى والذّكر معنيّان بالإخصاء الرّمزيّ، على نحو مختلف : الأنثى تعتبر نفسها هي القضيب “من حيث أنّها ليست هي القضيب”، والذّكر يعتبر أنّه يملك القضيب “من حيث لا يملكه”. أحيانا يغيب “من حيث لا…”، ويبقى وهم الامتلاك ووهم الكينونة. ووهم الامتلاك خاصّة هو الذي كان مهيكلا للثّقافات التّقليديّة، وهو العابر للعصور والأنواع، وهو الذي يبني بيوت الهويّة، وهو الذي يعيد بناء علاقات الهيمنة، بدل تحرير الطّريق أمام المجهول والإبداع. يبني العلاقات النّرجسيّة بالمواضيع الكليانيّة المكتملة، بدل سلوك طريق محفوف بالمخاطر لكنّه مغيّر لسالكه. فالشّريعة عند الطّاهر الحدّاد ليست شيئا معبودا، بل طريق فسيح. ولذلك كان فكره محرّرا للإنسان المؤمن وسيظلّ.
– إنّها تحتفي بالأنثويّ باعتباره البعد المعنيّ بالآخريّة، وباستقبالها. فالأنثى هي الآخر المختلف التي يتأسّس وفقا للعلاقة به براديجم العلاقة بكلّ مختلف. وهي التي تستقبل الآخر في حضنها. لكنّ هذه التّجربة نفسيّة أكثر منها بيولوجيّة، وهي بعد بشريّ مشترك بين الرّجال والنّساء، ويحرّرهما معا.
كيف نجعل الثّقافة العربيّة تسلك هذا الطّريق، أو يسلك فاعلوها هذا الطّريق؟ نتحدّث عادة عن الحداثة الفكريّة باعتبارها نموذجا. ما أراه هو أنّها ليست نموذجا إلاّ بقدر ما تساعدنا على إزالة كلّ الحواجز والتّشييئات وآليّات الدّفاع والانطواء النّرجسيّ لفتح هذا الطّريق : طريق تفضيل الطّريق وجعل الموضوع غاية بعيدة لا يمكن تحصيلها في قبضة اليد. إنّه طريق “التّوق إلى الأفق” بدل أوهام الظّفر بكنوز جديدة أو قديمة. أمامنا طريق طويل حتّى نكون عابري سبيل من هذا القبيل…
الهوامش:
14- منها الفتوى التي أصدرها مفتي الجمهوريّة المصريّة سنة 1994 ، معتبرا المرأة غير المتحجّبة “آثمة وعاصية للّه تعالى”.
15 Existe-t-il un féminisme musulman?, livre issu d’un colloque à Paris, septembre 2006, organisé par la Commission Islam et laïcité de la Ligue des droits de l’homme (LDH), en collaboration avec l’UNESCO. En-ligne [archive]
16- Wadud Amina, Qur’an and Woman: Rereading the Sacred Text from a Woman’s Perspective, 2nd Edition. Oxford: Oxford University Press, 1999.
17- يوسف ألفة، حيرة مسلمة في الميراث والزواج والجنسيّة المثليّة، دار سحر للنشر ط 1، أفريل 2008.
18 -المرأة الجديدة، ص 46.