
{{[1]}}
ثمَّةَ أُمور كثيرة، ما تزالُ تُلِحُّ علينا اليوم، و تَفْرِضُ نفسَها بكثير من الإلحاح. فما نَبْذُلُهُ من جُهْدٍ، في البَحْثِ والتَّأَمُّـلِ، قد لا يكونُ كافياً لِقَلْبِ ما يجـري، أو لِتَغْيِير المشهد، بما أصبح يَطْبَعُهُ، اليومَ، من استعادَةٍ وتَكْرَار. فالمعرفة الإنسانيةُ، منذ شَرَعَ الإنسانُ في تَمَثُّلِ مُجْرَيَاتِها، وفي خَوْضِها، كافْتِرَاضَاتٍ، أو كمُسَاءَلاتٍ، لم تفتأ تُعِيدُ النَّظَر في مُجْرَيَاتِ الأمُور، أو هي، بالأحرى، حملت، على عاتِقِها، شُؤونَ هذا الوُجودِ، و شُجُونَهُ، و عَمِلَتْ على خَوْضِهِ كاسْتِفْسَارٍ دائِمٍ، و كنَهْـرٍ، على مائِه أن يَظَلَّ مُتَدَفِّقاً، دَائِمَ الخَفَقَـانِ، لا هُدْنَةَ ولا اسْتِقْرِار، فما يَسْتَقِرُّ يموتُ و يَمَّحِي، أو يُصبِح وُجُوداً فَاقِداً لمعنى الوُجُود ولِصَيْرورَتِهِ.
هذا القَلَقُ الأبَدِيُّ، هو ما تَتَّسِمُ به المعرفة، وهو ما خَلُصَ إليه الإغريقُ، هؤلاء الذين حفروا تلك الأخادِيدَ العميقَة، التي ما تزالُ، إلى اليوم، تَسْتَدْرِجُنا إلى ظُلَمِها، وتفرضُ علينا النَّظَرَ في هذا الذي نَخُوضُه اليومَ، في كُلِّ مجالات المعرفة والإبداع.
{{[2]}}
لم يَعُد النَّظر في مجـرى النَّهر، أو في صيـرورته، يكفـي للاطمئنان على مَا يَحْدُث مِن تَغَيُّراتٍ، فالأمرُ، باتَ يَسْتَدْعِي تغْيِيرَ المجرى، وتحويلَ الصيرورة. أعني؛ أنَّ ما أصبح يُلِحُّ علينا من قضايا، فَرَضَتْها مُقْتَضَيَاتُ العصر الذي نحن فيه اليومَ، خرج من سياق النَّظر التقليدي، إلى سياق، أو أُفُقِ نَظَرٍ، كُلُّ شيءٍ فيه، يَنْحَلُّ و يَتَفَتَّتُ، ويُغَيِّرُ مكانَـهُ باستمرار. اللاَّاسْتقـرار، واللاَّطُمَأْنِينَةَ، باتا من ثوابت زمننا، وهو ما يستدعي تَرْك المُسَلَّماتِ، والعمل على خَوْضِ الأمُور، وكَأنَّها تَحْدُثُ لأوَّل مَرَّةٍ، أو هي نوع من ” البداية “، بتعبير نيتشه، التي ما تفتأ تَبْدَأُ، وتَحْدُثُ، أي، ما يَجْعَلُها تَسْتَعْصِي على أن تصيرَ أصْلاً.
–أليسَ الأصلُ استقراراً وهُدْنَةً… مُجرَّد سؤال.
{{[3]}}
حين أذْهَبُ إلى هذا النَّوع من ” مُراقَبَة الصًّيْرُورَة “، فأنا أُؤكِّدُ على تجديد أُفُق الرُّؤيَة، وخَوْضِ المعرفة كانْشِراحٍ. إذا كان فلاسفة ما قبل سقراط، هؤلاء الذين أخْرَجَهُم نيتشه من نَفَقِ النِّسيان، زَاوَلُوا النَّظَرَ، بهذا المعنى الذي أذهَبُ إليه هنا، وهُم يعيشون في لحظةٍ، مَا يَفْصِلُنا عنها اليومَ، هو مسافة لا يُمكِنُ تَصَوُّرُها، فماذا سيكون وَضْعُنا اليوم، نحنُ الذين نعيش زَمَنَ التِّقنية، واتِّساع إمكانات الاتِّصال، ووسائل تَدَاوُلِ المعرفة…
أليس، ما نحن بصدده من تَرْسِيخٍ لقواعـد وضوابط، في كُلِّ أصْعِدَةِ الإبـداع، والإنتاج المعرفي، هو نوع من التَّراجُع عن مُكْتَسَباتٍ جاءَتْنا من زمنٍ بعيدٍ.. أليس هذا نوعاً من الخيانة لِوَدِيعَةٍ تَرَكَها هؤلاء في ذِمَّتِنا..
{{[4]}}
القلقُ الذي يُسَاوِرُنِي اليومَ، في ما يَحْدُثُ في الكتابة الشِّعريَةِ، خُصوصاً في مجال استعمال المفاهيم والتَّصَوُّرَات، هو ما يدعوني دائماً إلى الاستعانة بهؤلاء، أو بما اقْتَرَحُوه علينا من تَصَوُّرَات، جاءت كُلُّها من مُستَقْبَلٍ، رُبَّما، اسْتَشْعَرَ هؤلاء، في حاضِرِهم، أنه هو الصَّيْرُورَة ذاتها، التي ينبغي أن يُرَاقِبَها مَن سَيَحْمِلُ بَعْدَهُم هذا العَنَاء.
فحين تَتَمَلَّكُنا المفاهيمُ القديمةُ، وتُقِيمُ في أذْهَانِنا، أو تَتَرَسَّخُ، فإنَّ نِظَامَها الذي تتأسَّسُ عليه رُؤْيَتُها للوُجُود والمَوْجُودِ، معاً، يَتَسَرَّبُ إلى ما نَكْتُبُهُ، وينعكس عليه، أو يَفْرِدُ عليه ظِلالَه. هذا أَمْرٌ لا نَتَنَبَّهُ إليه، ونَخُـوضُ مَزَالِقَـهُ، حتى ونحن نَتَبَنَّى الحداثة، كأُفُقٍ لرُؤيَتِنا، أو لِما نُقْدِمُ عليه من كتابات وتصوُّراتٍ.
ثَمَّة مَطَبّ نحن اليوم، واقعـون فيه، وهـو مطبّ استجلاء ما فـي يَدِنا، أو ما وَفَدَ علينا من ماضٍ ما، نَخُوضُه دون مُسَاءَلَةٍ، ولا نُخْضِعُهُ للاسْتِجْوَابِ، بقدر ما نخوضُهُ كَمُنْجَزٍ، وكنظامٍ ثابتٍ وقَارٍّ.
فـ ” إزاحة الأنقاض “، كما يذهبُ إلى ذلك هايدغر، عن هذه الموروثات التي أَتَتْ إلينا من أزمنة سَحِيقَةٍ، والنَّظَر فيها، كما هي، أي كما حَدَثَتْ في زمنها، هو الكفيل بأن يُخْرِجَنا من مَطَبِّ المُسلَّمات، ولِنَشْرَعَ في تَوْطِينِ أنفُسِنا على الحركة، وعلى التَّرَحُّلِ، وقبول ما يَحْدُثُ من مُقتَرَحات، وخوضها كمُخْتَلِفَاتٍ، أو كنوع من المُراوَدَة القَلِقَةِ لأراضٍ، لا تَسْتَطِيبُ زَرْعاً، ولا مَاء يهدأ في قَاعِها.
{{[5]}}
عندما كان أبوتمام يخوضُ الشِّعرَ، وفق الشكل المألُوف الذي كان هو نظام زَمَنِهِ، فهو شَرَعَ في تقويض نظامٍ آخر، كان أَعْتَى من النِّظام الأول، أو هو شُروعٌ في تقويضِ نظامٍ آخر، أعني اللُّغَةَ.
ذهابُ أبي تمام إلى التَّركيب، وإلى الصُّوَرِ والمجازات، هو ما جعله شعرياً، يُعِيدُ تَسْمِيَةَ الأشياءِ، أو البَدْءَ بتَسْمِيَتِها، خارج نظامٍ من الكلام، أصبحتِ اللُّغَةُ تَتَمَثَّلُهُ بنوعٍ من الاستعادة والتكرار. أعني أنَّ لُغَةَ الشِّعر، كما وصلت لأبي تمام، والمعري بعدَه، كانت تَحْكُمُها رَوَاسِمُ تَرْكِيبَاتٍ ومجازاتٍ، البلاغةُ عملت على تَثْبِيتِها، وأسْرِها في أُطُر، كُلُّ كلام فصيح، لا يَحْدُثُ إلاَّ باقْتِفَائها.
لم يَكْتَفِ أبو تمام بماء النَّهر، بل غَيَّرَ المجرى، ووَضَع قارِئَهُ في حَرَجٍ، لأنَّ “المعنى” الذي كان يَفِدُ علينا من رَوَاسِم بلاغية، تَحْدُثُ بمجازات واستعاراتٍ” قريبة “، لم يَعُد مُتاحاً، أو مُمْكِناً، وفق معايير سابقة. تَحَلْحَلَ المعيارُ، ولم يَعُد قابلاً لاسْتِدْرَاجِ تلك المعاني “البعيدة”، التي خاضَتْها هذه اللُّغة الجديدة، في ما سمَّاه الجرجاني بـ “النَّظْمِ”.
لعلَّ في عمل أبي تمَّام هذا، ما جعَلَ اللِّسان يتَعثَّرُ، أو يَشْرَعُ، لدى بعض مُتَلَقِّي شعره، في مُزَاوَلَة قَلَقِهِ، واختبار هذا الوَافِدِ الجديد، أو هذا المجرى الذي هو طَرِيقٌ آخر، جاء هذا الشَّاعِرُ لِيُشِيرَ إلى مُنْعَرَجَاتِهِ، وإلى ما فيه مِنْ حَلاوَةٍ، يكفي أن نَقْبَلَ خوضَ أسرارها، لِيَسْتَلِذَّ اللِّسانُ ما فيها مِن طَلاوَةٍ وماءٍ.
أبو تمام هو أحد الشُّعَراء الذين زَاوَلُوا الكتابةَ، عكسَ المُتنبي الذي كانَ شعرُه كلاماً. في مُزاوَلَة الكتابة يَحْدُثُ الوعي بنظام اللُّغة، أو بما يَتَرَسَّبُ في تراكيبها وصُوَرها من اسْتِعَادَاتٍ، قد لا نَتَنَبَّهُ إليها ونحنُ نُزاوِلُ الكتابةَ بالكلام، أو باللِّسانِ. ثمَّة فرق كبير بين ما يأتي من الكتابةِ، وما يأتي من اللِّسان، وهذا هو الفَرْقُ بين ما كتبه أبو تمَّام، وما كتبه، أو أنشده المتنبي، وكُلُّ قياسٍ في هذا الإطار سيكونُ فاسِداً.
{{[6]}}
ستظل تجربة أبي تمام فريدةً، إذا اكتفينا بالشُّعراء فقط، في نقل الكتابة من هيمنة الشَّفاهَةِ إلى وعي الكتابة. لا يُمكِن مُضاهاة هذه التَّجربة إلاَّ بما جاء في بعض التجارب الصُّوفية، خصوصاً في تحويل مجـرى اللُّغة، أو في ابْتِـداع طُرُق جديدة في التركيب، وفي بناء الصُّوَر و المجازات. لكن التجربةَ الصُّوفيةَ، جاءت في بعض أشكال كتابتها، أكثر جذريةً من تجربة أبي تمام، كونها تَلَبَّسَت النثرَ، وذَوَّبَتِ الفرقَ بين ” لُغَتَيْنِ “!، وَاحِدَة للشِّعر، و أخرى للنثر، لِتَصِيرَ اللُّغة إمكانَ كِتابَةٍ، لا فـرقَ فيها بين ما يَصْلُحُ لهذا ” النَّـوْع “، أو ذاكَ. هذا ما عَمِلَ، في تجربة النِّفَّرِيِّ، مثلاً، على تحويل مجرى النَّهْر، من الشَّكل ” العمودي ” لـ ” القصيدة “، إلى الكتابة ذات المجرى المُتَدَفِّق، الذي يُحِيلُ، في التصور الخَطِّيِّ السائد إلى النثر. فشَذْرِيَةُ كِتابَتِهِ، و ما تحملُهُ من تَوَتُّراتٍ، في مستوى النَّظْمِ، و العلاقات التي تَسْتَحْدِثُها بين الدَّوالِّ المُختَلِفَةِ، هو ما جعل من الصَّوتِ يتراجَعُ قليلاً إلى الخلف، ليبرز المكتوبُ، و يظهر باعتباره ” اجْتِرِاحاً ” و”تَسْطِيراً “، لا مُجـرَّدَ استعادة لِمَا ألِفَ اللسانُ لَفْظَهُ، أو إلْقَاءَهُ، دون كبير عَنَاءٍ، أو عَنَتٍ.
{{[7]}}
حين صدر كتاب أدونيس “الكتاب، أمس المكان الآن”، في جزئه الأول، أثارَتْنِي فكرة التوزيع الخَطِّي التي شَكَّلَت نظامَ الكتابة في توزيـع الصَّفَحات، واعتَبَرْتُ، آنذاكَ، أنَّ هذا العملَ، هو خُروج بنظام الكتابة الشِّعرية العربية، من سياق الشكل، أو التوزيع الخطِّي الذي بَقِيَت التَّجربة المُعاصرة أسيرة له، وأنّ عملاً من هذا القبيل، قد يكونُ نوعاً من ” البداية “، لتغييراتٍ، ربما تنتهي بالشعر، إلى تغيير مجرى النَّهر كاملاً، أو جَرِّه إلى أخاديد أخرى ، لم يَعْهَدْها من قبل.
هكذا تَصَوَّرْتُ الأُمُورَ، وهكذا اعتَقَدْتُ أنَّها ستسير، لأنَّ الأمرَ يتعلَّقُ بالكتابة، لا بما أُسَمِّيهِ ” حداثة القصيدة “، التي لم تخرُج من سياق تجربـة ” الشِّعر الحُر “. لكن حين عُدْتُ لقراءة هذا العمل كاملاً، أعني في أجزائه الثلاثة، بَدَا لي ما لم أكُن أتَوَقعه!
فالتوزيعات الخَطِّيَّةُ التي تَتَّخِذُ منها تجربة هذا العمل، فضاءات لِمُضَاعَفَةِ الصَّفحة، ولتنويع إحالاتِها، بين الشِّعري والتاريخي، هي مُجَرَّد إطار ( cadre)، وليست تمثيلاً، لتوزيعاتٍ تَتَوَخَّى الكتابةَ.
الشَّفاهِيُّ في النص، أي الكلام، يَحْضُرُ بشكل كبير، ويتبدَّى حُضُورُهُ، في فَوْرِيَتِهِ، وفي صُورَتِهِ التعليمية، أعني، تلك الرَّوَاسِم التركيبية التي تستعيدُ بناء الجُملة، أو الصُّورَة، كما هي في النموذج الشعري القديم، وأقصدُ القصيدةَ، تحديداً. فالرَّوِيُّ المُتَكَرِّرُ، بشكلٍ مُتَوالٍ، رغم ما قد تُوهِمُ به الصورة من ابتداعاتٍ في علاقة الدَّالِّ بالشيء، أو بمدلولاتِه، وبناء ” النَّظْم “، في المقاطع، أي طريقة تركيب الدَّوالّ، لا تعكس تماماً، جُرأة الصَّفحة، في خَوْضِ المكتوب، ووَعْيِهِ، رغم أنّ أدونيس، نظرياً، تَنَبَّهَ، إلى الفـرق بين الشَّفاهَـةِ والكتابة، وأصدر بياناً، في هذا الشَّأن، فهو لم يُذَكِّر النِّسْيَانَ ، بتعبير فوكو، وظلَّ في ما يكتبه، شعرياً، أسيرَ صدى المُتنبي، هذا الشَّاعر الذي كان يخوض الكلام كتابةً، ويحرصُ على تدوين اللِّسان، بكل تداعياته، بما فيه من فَوْرِيَةٍ وخطابية،. أعني هيمنة اللِّسان على البَنَان، أو بما يُسمِّيه بول زمتور بـ ” منفى الكتابة ” أي أنَّ الصوتَ، ” يوجَد [شعرياً] في منفى الكتابة”.
اليَدُ، في مثل وضع المتنبي، كانت، وفق زمنها، وسياقاتها المعرفية على غيـر صلة بالوعـي الكتابـي، فهي كانت تستجيب لِلِّسـان، دون مُراقبتـه، أو مراجعته، وهو ما سيحدث لأدونيس نفسه في ” الكتاب… “.
{{[8]}}
فمالارميه، حين كان يُخَطِّطُ لـ ” الكتاب “، ونستعيدُ هنا، أيضاً، ” كتاب الزِّنجي ” لرامبو، فهو كان يُفكِّـرُ في اليَـدِ وهي تَكْتُبُ، وليس في اللِّسان، أو الصّوت.
ولعلَّ في أشكال التوزيعات الخطية التي ذهبَ إليها مالارميه، ما كان يشي بنقلة كبيرة، ليس في مستوى شكل الصفحة، وتوزيعاتها، بما فيها “الصفحةُ المزدوجة”، بل في نقل الشِّعْرِيِّ، من هيمنة الشَّفاهَة، إلى وضع الكتابة في سياق زمنها، وفي ما جَرَّتْهُ معها من قَلْبٍ في المعرفة. فالمعرفةُ الحادثةُ تَلْقِيناً، ليست هي المعرفة التي تَحْدُثُ بالقراءة، وبمُواجهة المكتوب ( l’écrit). نِظَامَانِ؛ كُلّ نظام حين نُقْدِمُ عليه، اشْتِرَاطَاتُهُ، وما يَسْتَحْدِثُهُ فينا من زَحْزَحَةٍ و قَلْبٍ، يكون مُغايِراً للآخـر تماماً، و ينعكس على نسيج النص، في بنيـاته، وفي آلياتِ نظامه. فنظام الكتابة هو غير نظام اللِّسان، رغم أنَّ اللِّسان يَتَلَبَّسُ الكتابةَ ويتجلَّى بها، فهي بالنسبة له، تبقى إمْكَانَ ظُهُورٍ وتَجَلٍّ، وليست شرط وُجُودٍ، اللِّسانُ، أو الصًّوتُ، في الكتابة، يكتفي بإعـلان حُضوره، ولا يتنازلُ عن شَفَاهَتِهِ، فيما المكتوبُ يتبدَّى بالكتابة ذاتِها، ويخوضُها كشرط وُجُودٍ، لهذا فهو يذهبُ إلى الصفحة لِيُضاعِفَ من خِلالِها أشكال حُضُوره، وفي هذه الحالة، تكونُ الصًّفحةُ هي جسـم الكتابـة، وأرضُها التـي لا تنفصلُ عنها، أو تَحْدُثُ بدونِها.
{{[9]}}
ما يجعلُ ” الكتاب..” ناقِصاً، أو مشروعَ كتابةٍ غير مُكْتَمِلٍ، هو نِظَامُهُ التعبيـري، أو لغته التي لن تخـرج عن سيـاق النِّظـام الشعـري القـديم، وما يستدعيه من تبعات، في البناء كما في الرؤية و التَّصَوُّر. السَّطحُ، بهذا المعنى يشي بانقلابٍ واضحٍ، فهو خروج عن النِّظام الغرافيكي الذي نجدُهُ في تجربة النص الشعري المٌعاصر، لكن العُمق يبقى هو نفسه، كُلُّ آليات انكتابه تُحيل على “القصيدة”، وعلى مرجعياتها التعبيرية، التي كان أبو تمام بدأ بخلخلتها، وبتحويل مجـرى الكلام، من هيمنـة اللسان، إلى تَبَـدِّي الكتابـةِ وحُضورها.
يمكن هنا، أن أَسْتَدْعِيَ تجربة شعرية، كثيراً ما نغفلُها، أعني تجربة الشاعر سليم بركات. في هذه التجربة الشعرية تبدو الكتابة حَاضِرَةً، وتتجلَّى في الظَّاهـر، من خـلال التوزيعات الخطيـة التي لا تَنْصَاعُ للتوزيع الشِّعـريِّ المألوف، كما تبدو الكتابةُ، أيضاً، في نظام اللغة ذاتِها. الشَّفاهي، في هذه التجربة، هو أحد مُكوِّنات نظام الكتابة، لا نِظَامَها البَانِيَ لتعبيراتها، أو لصيغ الكلام المُبَنْيِنِ لها.
فَجَمْعُ سليم بركات، بين الكتابة السردية، و كتابة الشعر، ربما يكون أحد أسباب هذا الوعي بالكتابة، الذي يَسْتَمِدُّ تجربته بِعُمْقٍ خاصٍّ، وبمُمارَسَة فعلية للكتابة.
في هذا السياق أشرتُ في بداية هذا النص، إلى مُشْكِلات الاستقرار المعرفي الذي نَسْتَحْلِيهِ، ولا ننتبه إلى ضرورة مُرَاجَعَتِهِ، أو مُراقبة أشكال الاستعـادة والتكرار التي تَحْدُثُ فيه. فنحن، حين نتعاملُ مع اللغة، قد لا ننتبه إلى ما هو مُتَرَسِّبٌ فيها من صُوَرٍ وتراكيب، ما يزال اللسان يُقيمُ فيها بكُلِّ تَدَاعِيَاتِه، لأنَّ اللغةَ التي بها نقرأ و نكتُب، هي لُغة تَخَاطُب، أي لغة شَفَاهَة، لم تَلِج بعدُ زمن الكتابة، و هي ما يُسمِّيه زمتور بـ “اللفظ الحي”. أوهي نوع من رَسْمِ الأصوات بالكلمات؛ “الصوتُ الذي تأتي الكلمات لتسكنه”.
في الشّعر العربي، ولفترة طويلة جدّاً، ظلَّ الصوتُ هو ما يحكُمُ علاقة المُتلقي بالنص، والشاعر كان، يذهبُ لإيقاعات تَحْدُثُ بتكراراتٍ مُتتالية، إما لأصوات أو لصيغ صرفية، أو ما يُمكن اعتباره توازنات صوتية، بما فيها الوزن ذاتُـه. هذه “الوَحَـدات المُتناظرة بالتَّردُّد الصـوتي”، أو التَّرجيعات الصوتية، كانت هي ما يبني نظام الكلام في هذا الشِّعر، أو في ” القصيدة “، التي كانت هي النموذج الذي يَسْتَوْعِبُ هذا النظام، أو هي، بالأحرى مبنية عليه.
{{[10]}}
في الفصل الخاص بـ ” الشفاهي والمكتوب ” من كتاب ” تاريـخ فرنسا الأدبي “، يذهب كريستيان بْيِيتْ إلى أنَّ الكتابة هي ” ممارسةٌ أسطورية مُعاصرة “. ما يعني أنَّ وُلُوج زمن الكتابة، هو انتقال من عاداتِ وسُلُوكات خِطابٍ، ارتبط بالصَّوت، إلى ممارساتِ خطابٍ، ارتبط بالطباعة.
فما كان يَتِمُّ عن طريق التَّلَفُّظ و الإلقاء، ويفترضُ وُجُودَ طرفٍ ثانٍ، هو من يَتِمُّ تبادُل الكلام معه، أو لفظه في اتِّجـاهه، أصبح يَتِمُّ بنـوع من الفـرادة، أو الافتِراض بالأحرى. فكما أنَّ القراءةَ، من خلال نَصٍّ مكتوبٍ، أصبحت ” صامِتَةً وخاصَّةً “، فكذلك الكتابة، لم تعُد في حاجـة إلى هذا المُتلقي الماثل، أو الظاهر، ضرورة، بل إنَّ المُتلقي في وضع الكتاب، هو شخص مجهـولٌ، أو هو مُفْتَرَضٌ، صلتُه بالعمل تتِمُّ من خلال الكتاب. الكتابة، بهذا المعنى، مُوَجَّهَةٌ “لِمُتَلَقٍّ واحِدٍ”، وهي ” تتحدَّثُ عن نفسها بنفسها”.
إنّ الكتابَ، كما يقول بْييِتْ، يسمح، في مختلف مظاهره، بممارسات مُخْتَلِفَة للقراءة، وكذلك بممارسات للكتابة أيضاً.
لم تكُن، إذن، طبيعة العلاقة بين الباثِّ والمتلقي، هي ما عَمِلَتِ الكتابةُ على رَجِّه، بل بظهور الكتاب ” تَغَيَّرَ العالمُ “، وتغيَّرت شروط المعرفة، ووسائل استقبالها. كما أصبحت إمكانية المُراجعة، مُمْكِنَة. فنحنُ نقرأ، ونُعيدُ القـراءةَ، ونَحْتَكِمُ، في قراءة النص، لا إلى ما هو مكتوب فقط، إنَّ دَواَلَّ أخرى، أصبحت من شروط وَعْـيِ النص، وقراءته، أعني ” الفضـاء الداخلـي “، أو التوزيعات الخطية المختلفة التي قد تُواجِهُنا في النص. أقصدُ الشِّعرَ تحديداً.
لستُ هنا، بصدد نَفْيِ الصَّوْتِ، أو إبْعادِهِ من جَسَدِ الكتابة، فهو حاضرٌ، باعتباره نَفَسَ هذا الجَسَدِ، وتِرْيَاقَهُ الذي يَصُونُ حَرَكِيَتَهُ، ويجعلُها حَيَّةً مُتَحَرِّكَةً. إنَّ المكتوبَ، لا يَحْجُبُ الصوتَ بل يَسْتَدْعِيهِ، وبِهِ يَمْنَحُ نَفْسَهُ دَفْقَ الصيرورة والغناء. لكن الصوت، بهذا المعنى، هو “صورة أوَّلِيَة”، وليس لَفْظاً يبقى مُقيماً في الحرف، أو في الكلمة، باعتباره صوتاً، بل باعتبار العلاقات التركيبية التي تَحْدُثُ بين مُختَلَفِ التعبيرات والجُمَل والفقرات، حيث يصير الصوتُ، كما يقول زمتور ” إمكانية رمزية للثمتيل “. ما يعني، أنَّ دَفْقَ الصوت، يستحيلُ إلى ” سُمْكٍ “، أي أنَّ الكتابةَ تَتَلَبَّسُ الصَّوتَ، و تطبعُه بخواصِّها اللِّسانية.فتلك ” التركيبات الثابتة، والمُحَصَّنَة ” بسُلوكات اللِّسان، تتراجع أمام الممارسة الكتابية، ويُصبح المكتوبُ نداءً، لا يحدُثُ بالصوت، فقط، بل بكل ما يُضاعِفُ مُمكنات تلقيه وتأويلاته.
الكتابة، وفق هذا المنظور، ساهمت، بشكل كبير، في تغيير سلوكنا اللغـوي، ووَضَعَتْنا أمام إمكاناتٍ أخرى للمعرفة والتَّخاطُب، لم تكن مُتاحَةً من قبلُ.
{{[11]}}
الحداثة، إذن، في شرطها الشعري، لا ترتبط بتغيير الشكل، أو المظهر، أعني الصفحة، بكُلّ ما تقترحه من مظاهر طباعية أو خطية، بل إنها وعي ضروري، بهذا القلب المعرفي الكبير الذي أَحْدَثَتْهُ الكتابة، في سُلُوكنا اللغوي أوَّلاً، وفي تَلَقِّينا للمعرفة التي لم تعـد مشروطة بوساطة الصـوت، بقـدر ما أصبح المكتوب، هو دالُّها الأكبر، الذي يُفْضِي بنا إلى ما يَسْتَلْزِمُهُ من دوال أخرى، بها يشرط حُضوره، أو يُضاعِف هذا الحضور من خلال كل المُمْكِنَات المُتاحَة على الصَّفحة.
لم تَعُد الكلمات هي العلاقة الوحيدة التي تربطنا بالصفحة، أو تَشُدُّنا للمكتوب، فالبياضات
والنقـط، والفواصل، باعتبـارها سمـات كتابية، وكذلك أشكال التوزيع الطباعي.. هي دوال، لا يمكن تجاهُلُها، أو التَّغاضي عنها، لأنَّ القراءة بهذه الصورة، ستكون ناقصة، وغير ذات جدوى.
في النص الشِّعري المكتوب، أو الكتابي، وهو ما أُسَمِّيهِ ” حداثة الكتابة “، النصُّ أصبح ذا سُمْكٍ خاصٍّ، لم يَعُد الدَّالُّ الواحدُ كافياً للاقتراب من النص، فالصفحة ضاعفت دوالَّها، وأتاحـت للقارئ أن يخرج من عَمَـاء الحِبْـرِ، أو السَّـواد، وهو ما سَمَّيْتُهُ، سابقاً، بـ ” القراءة العَمْيـاء “، إلى قراءة تَتَوَخَّـى مُضاعَفَة جِهاتِها، وإلى وَضْعِ القارئ في مَهَبِّ هذه الدَّوَالِّ التي تَفِدُ عليه من جِهاتٍ، لم يكن من قبل يَعِي وُجُـودَها، أو لم تكن تدخُـلُ في سياق عاداته، التي، كان اللِّسانُ أو الصَّوْتُ حاضراً فيها، بكُلِّ تَمَظْهُرَاتِهِ.
{{[12]}}
ما نزالُ في الثقافة العربية نَحْتَكِمُ للِصَّوْتِ، أو إلى المُمارَسَة الشَّفاهية، حتى في ما هو مكتُوب. الكتابة عندنا ما تزالُ ” كتابة صوتية “، وهو ما ينعكس سلباً على القراءة أيضاً، كَوْنُها قراءة بِدَالٍّ واحد، أو قراءة عمياء.كثيرة هي النصوص الشعرية العربية، التي تُكْتَبُ إنْشَاداً، فهي أصْوَاتٌ تَتَلَبَّسُ الكلمات، وهذا ما يظهر في طبيعة الخَوَاصِّ اللِّسانية التي تَحْتَكِمُ هذه النصوص إليها، في بنائها اللغوي.
ثمَّة كتابات يَصْعُبُ نَقْلُها إلى اللِّسان، أو هي، حتى في حالة قِراءَتِها، تُوَاجِهُ صُعُوباتٍ في الاسْتِرْسَال، و ذلك يعـودُ إلـى طبيعة البناء اللغـوي للجُمَل، والصُّوَرِ والتراكيب، الذي ينـأى بنفسه عن الصَّـوت، قدر ما يستطيـع، أو يجعل من الصَّوت، عُنْصُرَ بناء، وليس عُنْصُراً مُهَيْمِناً، كما يَحْدُثُ حين نعتبرُ الوزنَ، أو الإيقاع، دالاًّ أكبرَ، في غياب وَعْيِ الكتابة كشرطٍ حَداثِيٍّ بامتياز.