نبيل فياض: الانحدار الذي وصلنا إليه لا يمكن لأفحش الكلمات توصيفه…

{{لا ينكر الباحث الإشكاليّ نبيل فياض أنّ منهجه البحثيّ المستفزّ وتناوله بالنقد لشخصيات إسلامية معروفة، خلق لديه أعداء كثرا خاصّة من التيّار الإسلاميّ المتشدّد، لكنّه ينفي ما يروّج له البعض من أنّه يبحث عن الشهرة من خلال تناوله لمواضيع حسّاسة في التاريخ الإسلاميّ، مشيرا إلى أنّ “الديمقراطيّة، كما يفهمهما، تعني استخدام كلّ الأساليب من أجل إخراج ما في باطن المواجه، ولأنّنا شعبٌ باطنيّ تعوّد النفاق، لا نفهم الصراحة الفجّة إلا من نافذة الاستفزاز.

ويؤكّد فياض عدم وجود مشروع فكريّ يمكن أن يُخرج المنطقة من الأزمات التي تتخبّط فها، مشيرا إلى أنّ المشروع الليبرالي الذي أسّسه في مرحلة من حياته كان مجرّد “حركة استعراضيّة مراهقة، لا تفهم الواقع ولا معطيات الحالة.}}

{{أوّلا: حول نبيل فياض وإشكالية الفهم؟}}

{{[*

يتّهمك البعض، وهم كثر، بأنّك تمتلك طريقة في الكتابة، أو ربّما منهجا بحثيا مستفزّا، وهذا المنهج قاد البعض لتفسير ذلك بـ “البحث عن الشهرة” من قبلك، في حين أنه قاد بعض دعاة الدين إلى الدعوة لإهدار دمك، خاصّة بعد تناولك بالنقد لعدّة شخصيات إسلامية.*]}}

{{[*

والسؤال: كيف تفسّر هذا اللغط الذي يثار حول كتبك، ومنهجك البحثيّ؟ هل تكمن المشكلة في قصور الفهم لدى التيّار الديني المتشدّد؟ أم ثمّة أمور أخرى؟

*]}}

أوّلاً: كنت آمل أن يتمّ هذا اللقاء وقد غادرت سوريّا مرّة وإلى الأبد. كلّ مرّة كنت أعود لسببين: الأوّل علاقة شخصيّة الآن انتهت؛ والثاني إحساسي المفرط بالأمان داخل البلد، والآن انتهى أيضاً. لقاء كهذا لا بدّ أن يكون في غاية الوضوح والتفصيل.

لكن كوني لم أغادر حتى الآن سوريا – أتمنّى على الأصدقاء في ألمانيا الإسراع في الإجراءات– أجد من الضروريّ، في هذا الظرف الغريب، أن أتحفّظ في كلامي إلى حدّ ما.

ثانياً: لمن لا يعلم، أكثر ما أهواه أدبيّاً، القصّة القصيرة، وقد تأثّرت بثلاثة: الأوّل إيرلندي اسمه جيمس جويس (نشرت عنه سلسلة مقالات حول العلاقة بينه وبين إدغار ألن بو والفنّانين الانطباعيين في الغرب)، الثاني هو فرانتس كافكا (نشرت عنه كتاباً اسمه “التحوّل”)، والثالث هو الأرجنتيني خورخيه لويس بورخيس.

قبل أعوام طويلة كتبت قصّة عنوانها “الأوراق السريّة للشيخ علي”، تحدّثت فيها عن شيخ أحد المساجد يلتقي شابّا أقرب إلى الوجوديّة، يحاول الشيخ هدايته إلى الإسلام. يأتي الشابّ إلى الشيخ في محلّ إقامته في قريّة أنشأتها الدولة في قلب الصحراء (حدّدت هنا موضع الحدث قريّة الصوانة السوريّة، حيث مناجم الفوسفات).

كانت المفارقة أنّ هاجس الشيخ يصبح ممارسة الجنس مع هذا الشابّ الذي يعيش على الطريقة الغربيّة، في حين تتركّز براءة الشاب في مقاربة أكثر تفهّماً لما يسمّى بالإسلام. وتكون الخاتمة بأن يطلب الشيخ من الشابّ مغادرة المكان.

أحداث هذه القصّة القصيرة مليئة بالشحن العاطفي والتصوير الجنسيّ التفصيليّ، بما في ذلك حلم الشيخ حين كان الشابّ ينام على سريره، والشيخ نائم على الأرض على فراش قديم (لا أنكر تأثّري أثناءها بلورانس الذي ترجمت له :”عشيق الليدي تشاترلي”، ونشرها باسمه من سلّمته إيّاها كي يسلّمها للناشر ميخائيل عيد، وسيمون دو بوفوار، التي قرأت كلّ إنتاجها، ومن ثمّ ترجمت لها “موت سهل جدّاً” و”كلّ ما قيل وفعل” ولم تنشرهما الدار الحمصيّة التي اشترتهما).

في ذلك الزمان، حين كانت أمور كهذه من أكثر المحرّمات إثارة للرفض الغرائزيّ، كان نشر قصّة كهذه – لم أنشرها لأنّ ما أكتبه من أدب ليس للنشر – يمكن أن يوصل إلى الشهرة بصاروخ عابر للقارات. لكني لم أفعلها. إذن: أنا لا أبحث عن الشهرة.

أنا أعتبر أنّي أمتلك حقيقة لا لبس فيها، هي أنّ كلّ من زعم أنّه يتصل بالماوراء بشكل أو بآخر، لا دليل على زعمه غير الظنون ( بلغتي: الأوهام ).

محمّد أو غير محمّد، كانوا أشخاصاً أرادوا ما اعتقدوا أنّه إصلاح وربّما مكاسب ماديّة أو سياسيّة أو كلّ ذلك معاً، واستخدموا لأجل ذلك مفاهيم لم تعد صالحة هذه الأيام. من ناحية أخرى، الاستفزاز أسلوب صار قديماً جدّاً في الإعلام الغربيّ. وبعد عشرة أعوام من استخدامي له، استخدمته الجزيرة، خاصة فيصل القاسم وأحمد منصور.

الديمقراطيّة، كما أفهمهما، تعني استخدام كلّ الأساليب من أجل إخراج ما في باطن المواجه. لكن لأننا شعب باطنيّ، شعب تعوّد النفاق، شعب أشهر أمثاله “من يحتاج الكلب يقول له يا سيّد كلب”، و”اليد التي لا تستطيع عضّها، بسها وادع عليها بالكسر”، لا نفهم الصراحة الفجّة إلا من نافذة الاستفزاز. وأنا لم أزعم قطّ أني أنتمي ثقافيّاً إلى هذا التراث. أنا أحمد كل الآلهة أنّ أوّل من قرأت كان كافكا وسيمون دو بوفوار وإرنست همنغواي وغراهام غرين… حتى آخر القائمة.

موضوع إهدار الدم مسألة تافهة. لا أخاف من الموت كوني أعلم “علم اليقين”، كما قال سّيدي أبو سفيان لعثمان بن عفّان: والله ما من جنّة ولا نار. أريد منهم إن ابتغوا قتلي أن لا يتركوني أعاني قبل الموت، لأنّ الألم مزعج. هذا كلّ شيء.

{{[*بدأت حياتك الفكرية بدراسة الفكر الغربي، لكنك اتّجهت لاحقا لدراسة الفكر الإسلامي.

والسؤال: ما هي أسباب هذا التطوّر النوعي في مسيرتك الفكرية؟ ومن ثمّ لماذا أنت نادم على ذلك (الآن أشعر بالندم على الوقت الذي أضعته في التعاطي مع ما عند العرب من معارف، لأنّ صفحة واحدة من هايدغر تساوي كلّ ما كُتب باللغة العربيّة منذ أن اخترعوا حروفها حتى اليوم)؟*]}}

سأذكر حادثة أقرب إلى الكوميديا منها إلى أيّ شيء آخر. كنت أعمل في دوريّة لبنانية. وكنت أحضّر دراسة حول أدب أميركا اللاتينيّة، بعد أن قدّمت دراسة حول الفلسفة في الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل والبيرو. وأسماء أدباء أميركا اللاتينيّة لا تخلو للسامع العربي من صعوبة. وكان أحد أقاربي أستاذ الجيولوجيا في إحدى الجامعات الفرنسيّة وصديق إيلوار وأراغون، الدكتور نظيم موصلي، موجّهي في هذا المنحى. ذكرت مرّة أمامه أنّ خليفة محمد الثاني عمر بن شداد. استغرب الرجل. ونصحني أن أكرّس بعض الوقت لدراسة الفكر العربي-الإسلامي. توجّهت إلى صديق خالتي وقتها، الأستاذ الشاعر عبد الكريم الناعم. ساعدني للغاية في فهم أفضل للغة العربيّة والتراث العربي.

الآن أقول بملء الفم: لماذا رميت نفسي في هذا الغباء؟ ثمّة باحثون من أصول يهوديّة يقومون بنقد أصوليّ للفكر التوراتيّ في قلب إسرائيل، التي قامت أساساً على منظومة قيم دينيّة، ومع ذلك لا أحد يكفّرهم (مع ذيول التكفير الجنائيّة).

كان أفضل لي، كما أفكّر الآن، كشخص يهوى نقد الأصوليّات، أن أعتنق الديانة اليهوديّة ومن ثمّ أبدأ العمل في جدول النقديّة التوراتيّة، لأحارب بجانب يسرائيل فنكلستاين وزئيف هرتسوغ وربّما إيلان بابيه. وربّما الهجرة النهائيّة إلى ألمانيا والعمل في الحقل الأكاديميّ في برلين الرائعة، لتطوير ما قدمه غايغر وهوروفيتس وشباير، دون الوقوع في شرك الابتذال الإسلامي.

كان الخطأ أساساً الكتابة باللغة العربيّة، لأنّ هذا الشعب لا يقرأ (هذه المعلومة روّجتها حتى المحطّات التلفزيونيّة الكوازي- أصوليّة). وإن قرأ، يفهم انطلاقاً من عقده وتراثه المريع وماورائياته المتخيّلة. نعم! يجب أن لا نكذب على أنفسنا.

باستثناءات نادرة جداً معظمها مات (مثل نايف بلوز وبديع الكسم في سوريا)، أعطني شاعراً عربيّاً بحجم هولدرلن أو عزرا باوند أو ت.س. إليوت؟ أعطني روائيّاً عربيّاً بحجم جيمس جويس أو توماس مان أو كافكا؟ أعطني ناقداً دينياً من طراز فويرباخ؟ أعطني فيلسوفاً من نمط نيتشه أو هايدغر؟ أعطني لاهوتياً من نمط بولتمان أو كوينغ؟ هذه أمّة أماتتها حرفيّة كتابها المقدّس، حين اعتقدت خاطئة أنّ محمّداً أتاه نصٌّ سماويٌّ هو بداية العلم ونهايته.

نعم! حين نُصادَر في سوريّا، حين نُكَفّر في السودان، حين تصدر فتوى بحقّنا من القاعدة وغير القاعدة: هذا كلّه نتاج الاعتقاد أنّ القرآن بداية العلم ونهايته، وكلّ بدعة (من إبداع) ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.

أفضّل الإبداع على جنّة المسلمين. وحين أفكّر الآن بالعمر الذي ضاع – ما يزال؟ ربّما– في محاولة تغيير طريقة تفكير حفنة من الناس في هذه المنطقة المنكوبة بالدين من العالم، أقول لذاتي: هل يعقل –كما قال جان بول سارتر– أن أملأ وقتي بقتل الذباب، إن لم يكن لديّ ما أفعله؟ على أيّة حال، ما ضاع قد ضاع، المهم أن لا أضيّع ما تبقّى.

كما قلت، ماتت صداقاتي (بالأحرى: صداقتي التي كانت تعيدني إلى سوريا) وضاع شعوري بالأمان، الذي اعتمد أساساً على أنّ أناساً في قمّة السلطة أقوياء بما يكفي لدرء كلّ الأخطار.

أيّ وطن، سوريا أم غيرها، ليس التراب والشوارع والجبال. وإلا لكانت الدانمارك أو سويسرا الوطن المفضّل عند كافّة شعوب العالم. الوطن هو الناس. والذين كنت أحارب لأجلهم، لأجل قناعتي بأنّ هنالك من يستأهل أن أحارب لأجله، انتهوا، على الأقلّ من وجودي.

من هنا، الوطن الذي يقدّم لي إحساس الأمان الذي أفتقده اليوم في سوريّا هو وطني، بغضّ النظر عن الدين أو العرق أو اللغة. وكما قلت، ربّما لو كان اللقاء وأنا خارج سوريّا، لتحدّثت بصراحة أكبر مما تتصوّر. لكني لا أريد المشاكل.

{{[* حبّذا لو نتحدّث عن المنعطفات الفكرية التي مررت بها، وهل ثمّة مشروع فكريّ واضح المعالم لديك الآن؟*]}}

يمكن تقسيم مراحل العمل التي مررت بها بحسب الأعمال التي قدّمت: في البداية اهتممت فقط بالثقافة الغربيّة: ترجمت كوليت الفرنسيّة طبعاً (المثقّفون في سوريّا يعتقدون أنّه حين أتكلّم عن كوليت، فأنا أعني بذلك كاتبة سوريّة اسمها ربّما كوليت خوري !!!)؛ قدّمت دراسات عن عزرا باوند وجيمس جويس وهاينريش وتوماس مان ومارسيل بروست؛ كتاباً عن كافكا؛ ترجمت أعمالاً لم تنشر لنيتشه، وألّفت كتاباً عن هذا الفيلسوف الكبير عنوانه، نيتشه والدين، نشرته بالتعاون مع مؤسسة الداد الألمانيّة.

ترجمت نصوصاً لهايدغر لم أنشرها؛ نصّاً هامّاً جدّاً لفولمر؛ كتباً لفويرباخ؛ نصوصاً لشوبنهاور؛ قصائد غير معروفة لريلكه وهولدرلن؛ كتابات الطفولة لألبير كامي؛ نصّين لسيمون دو-بوفوار؛ رواية ” عشيق الليدي تشاترلي”؛ نصوصاً لهريمان هسّه؛ دراسات نفسية لكنزي؛ دراسات مسرحيّة كثيرة لمسرح اللامعقول؛ نصوصاً غير مشهورة لفرويد؛ كتاباً هامّاً جدّاً لبولتمان (منعت عن نشره من قبل القيادة القطريّة السوريّة)؛ كتاباً لكوينغ؛ كذلك لا أستطيع غير أن أذكر الفترة القصيرة التي اهتممت فيها بما هو فلسفيّ وأدبيّ في أميركا اللاتينيّة…إلخ!

المرحلة الثانية هي اليهوديّات: ترجمت رسالتين من التلمود البابليّ نشرت منهما واحدة، وأحجمت عن نشر الأخرى، لكثرة ما سرقت الأولى؛ وهما: العابودا زارا والحاغيغاه. ترجمت نصّ سفر أخنوخ الأثيوبي ولم أنشره لأنّه قطعاً سيسرق.

ترجمت سلم يعقوب وسفر بركه د راف إليعيزر ولم أنشر من ذلك حرفاً. ترجمت نصوصاً منتقاة من المدراش، هي الملوك الأربعة، قصيدة في ذلك اليوم، نستاروت بار يوحاي، وتفلات بار يوحاي، وألقيت ذلك كله مع تفاسيره في محاضرة، ثم تفاجأت بمن يقول إنّ النصوص للأسف منشورة. طبعاً دون علمي.

ترجمت نصّ ابن ميمون الأهمّ، رسالة اليمن إلى العربيّة (النصّ مكتوب بالعربيّة، الحرف العبراني، لكنّ الشواهد كلها بالعبرية؛ أحضرته من لايبتسغ)؛ وقد أحجمت عن نشره أو إلقائه في محاضرة كي لا يسرق. أرسلته للأوان قبل مدّة.

نشرت دراسات تفصيليّة حول الطوائف اليهوديّة الأبرز: الأرثوذكس؛ القرّاؤون؛ الريفورم (وهم بالمناسبة أصدقائي جداً)؛ الماسورتي أو الكونسيرفاتيف ؛ الريكونستركشن (ربما هم الديانة العقلانيّة الوحيدة في العالم)؛ القبالة (زرتهم على مدى طويل وصلّيت معهم في كنيسهم في هوليوود، كما أردت ترجمة كتابهم الأهمّ، “الزوهار” الذي وجدته في كنيس جوبر في دمشق، بعد أن عملت مع الصديق الحاخام ألبير حمرا على ترجمة الشولحان عاروخ، لكنّ سفر ألبير المحبط لي شخصيّاً، أفقدني حماستي الهائلة لنشر الزوهار).

كذلك اهتممت للغاية بفكر اليهود الأولترا أرثوذكس، خاصّة جماعة الناطوراي قارتا. وقد أقمت علاقة معهم في لندن، وأهديتهم ترجمتي لنصّ العابودا زارا من التلمود البابلي.

ولا أخفيك أنّي تمنّيت أن أعمل عملاً مشتركاً مع باحث يهوديّ حول الأغاداه؛ وقد رشّحت الصديقة باتريشيا كرونه لي السيّد حاييم ملكوفسكي من جامعة بار إيلان كي نعمل سويّاً. لكنّ وجودي في سوريّا، والوضع السياسيّ كما تعلم، جعل المشروع –للأسف– غير قابل للإنجاز. أرجو أن تتغيّر الظروف قبل أن نترك هذا العالم.

المرحلة الثالثة كانت الاهتمام بثقافة الطوائف الصغيرة في الشرق الأوسط. وشخصيّاً أعتبر أنّ مجرّد الحديث عن حقوق الطوائف أمر لا يخلو من إعاقة معرفيّة.

حقّ الإنسان في العيش والتثقّف كما يشاء، مسألة غير قابلة للنقاش في هذا الزمان؛ ومجرّد الحديث عنها تفاهة. وحين قاربت موضوع الطوائف، فقد فعلت ذلك من وجهة نظر معرفيّة.

الإرث الثقافيّ للطوائف الصغيرة، الذي يرقد عليه رجال الدين في تلك الطوائف كما ترقد الدجاجة المريضة بالأنفلونزا على البيض الذي قد لا يفقس، ملك للشرق الأوسط ومن ثمّ للإنسانيّة كلّها. لذلك لا يحقّ لأحد، مهما علا صراخه، أن يطالب بهذا الإرث لذاته أو لجماعته الدينيّة. وسيف التكفير السنّي الأشهر (السيف الإثنا عشري أثبت أنّه أكثر دموية منه) لم يعد يستعمل إلا في المسلسل الأغبى، “باب الحارة”.

لذلك عملت المستحيل كي أحصل على كلّ ما يمكن الحصول عليه من تراث معرفيّ للطوائف الصغيرة؛ وكانت مقالاتي التي لم أكتبها إلا بعد زيارات وربما إقامات لا تخلو من مغامرة أو مخاطرة لشعوب تلك الطوائف، التي أحتفظ لكثير منها، مثل الإسماعيليين أو المرشديين أو اليزيديين، بأحلى الذكريات.

وهكذا كانت لي سلسلة مقالات حول الطوائف الصغيرة، بدءاً بالعليإلهيّة غرب إيران، حتى البكطاش في ألبانيا، مروراً بالإسماعيليين والدروز والشبك والكاكائيين والصابئة والعلويين والبهائيين والقزل باش…إلخ. دون أن أنسى الطوائف المسيحيّة المشرقيّة، أرثوذكسيّة كانت أم كاثوليكيّة أو حتى نسطوريّة.

المرحلة الرابعة انحصرت في التركيز على التاريخ الإسلامي؛ وفيها قدّمت عدّة أعمال، أهمّها: يوم انحدر الجمل من السقيفة، أمّ المؤمنين تأكل أولادها؛ وكتابي الذي أعمل عليه منذ أكثر من عشر سنوات، ويتناول زمن معاوية ويزيد، كمشة بدو (العنوان ليس نهائياً).

المرحلة الخامسة اهتممت فيها بالاستشراق الألماني خاصّة، وترجمت بعضاً من أمهات الكتب لشباير وغايغر وهوروفيتس إلى اللغة العربيّة. كذلك ترجمت من غير الألمانيّة نصوصاً لكلّ من جفري، باتريشيا كرونه، برنارد لويس، مايكل كووك، وانسبرو، وغيرهم. ترجمت نصّاً هامّاً جدّاً لجفري أتمنّى نشره في الخارج، هو موادّ من أجل تاريخ القرآن النصّي.

{{[*من هو عدون الذي تذكره في كتاباتك، وما أهميته في تطوّر مسيرتك الفكرية؟*]}}

لأسباب كثيرة، أهمّها وجودي في سوريّا الآن، لا أستطيع الحديث عن عدون بالتفصيل. عدون هو الضابط السابق، المحامي الحالي، عدنان إبراهيم. كان الرجل ضابطاً في قطعة قريبة من سكني الصحراوي. وهو قارئ ممتاز. تعرّف إليّ حين عرف أنّي صاحب كتاب “أمّ المؤمنين تأكل أولادها”.

حين تعرّفت إلى عدنان عام 2003، كنت أعيش وحدة قاتلة، سببها كراهية المسلمين للثقافة، والإشاعات الكثيرة التي تثار حولي، بدءاً بالعمالة لإسرائيل دون انتهاء بالعلاقة بسفارة أميركا في دمشق. (حالة أدمنتها الآن). كانت صداقة ناريّة، أحرقت طرفيها. حبّ كلّ طرف لامتلاك الآخر، دمّر العلاقة. ربما خوفي الشديد من العودة إلى الوحدة، في عمر غير سهل، أفقدني توازني في التعاطي مع هذا الرجل الأروع.

باختصار، لولا عدنان، ما عدت إلى سوريّا، لا من أميركا ولا من غيرها. ولولا شخص آخر وعدنان، ما عملت كلّ ما أمكنني فعله من أجل المساهمة في تجنيب سوريا القدر العراقي. أندم؟ لا! لقد عشت مع عدنان إبراهيم أجمل أيام العمر. الآن أقفلت كلّ الأبواب والنوافذ. لن أبقي إلا على باب المعرفة. عمري اليوم هو عمر الحكمة، لا صداقات برج الحمل… والأسد.

{{ثانيا: في الحالة السورية والعربية}}

{{[*أكرّر عليك سؤالا سابقا: لم يسلم أحد من انتقادك، الشيوعيون والإسلاميون (الشيوعيّ قدري جميل والإسلامي محمد حبش وجهان لعملة واحدة) البعثيون والناصريون ودعاة المجتمع المدني.

والسؤال: أين البديل برأيك؟ هل الليبرالية التي دعوت إليها، عبر حزب أسّسته في مرحلة ما، هي الحلّ؟ وهل تنجح في سوريا خصوصا والعالم العربي بشكل عامّ؟

*]}}

لا أنتقد أحداً. أنا أردّ على من ينتقدني، وبعنف شديد. منذ الصغر، كوني تربّيت على أعمال سارتر ومفكّر يسوعيّ اسمه جان-إيف كالفيز، لا أقبل بالشيوعيّة، لأنها ثقافة دكتاتورية. لكن لا مشكلة بيني وبين الشيوعيين.

قدري جميل لا أعرفه، لكني تعرّضت كثيراً للنقد من دوريّة لهم (أخبرني بذلك شيوعيّون منافسون، لأنّي لا أقرأ دوريّة سوريّة). الدكتور محمد حبش، حتى لو آذاه كلامي، رجل لا يمكن إلا أن تحبّه، أن تعجب بالخطوات الراديكاليّة التي أقدم عليها في الفترة الأخيرة. بل أقول بصريح العبارة، إنّ ما تفعله بعض المقرّبات منه من النساء لا تقدر عليه منظمات حكوميّة.

مع ذلك، لا يمكن أن أفهم كيف لرجل عقلانيّ متّزن ديمقراطيّ مثله، أن يقبل بتلك الترسانة اللاهوتيّة التي لا أسهل من إسقاطها. خطّ بارليف الإلهي. غير الشيوعيين والإسلاميون والقوميون السوريون، لا يشبهون غير راقصة عجوز، لا شيء يرتجى منها، وتفسد السمعة.

ليس ثمّة مشروع يمكن أن يخرج سوريّا والمنطقة من الأزمات التي تتخبّط بها. أزمتنا معرفيّة. ولأنّ الجيل الجديد يرث عن القديم ركامه المعرفي، الآفاق كلها مسدودة.

أكبر أزمة في المنطقة هي الانفجار الديمغرافي. هل سمعت ولاحظت التغطية الإعلاميّة الأغبى من المحطات الكوازي- أصوليّة، بعد عدوان غزّة، لمقولة إنّ الفلسطينيات يمكن أن ينجبن في يوم واحد أكثر ممّا قتلته إسرائيل في شهر؟ رائع! لكن ماذا يطعمونهم؟

المشروع الليبرالي كان حركة استعراضيّة مراهقة، لا تفهم الواقع ولا معطيات الحالة. اعتقد الآن أننا حين أسّسنا الحزب الليبرالي (الأغبى أنّ الدولة “قبضتنا” جديّاً) كنّا كمن يغسل زنجيّاً علّه يبيضّ.

هل يعقل في هذا المجتمع الذي لا يعرف شيئاً اسمه “مجتمع مدنيّ”، “زواج مدني”، “علاقات غير طائفيّة”…، أن تجرّه من يده إلى الليبراليّة، إحدى أهمّ نظريات الغرب المتمدن؟ كنّا مراهقين في عمر لا يحتمل المراهقة.

لا يوجد حلّ. وليس من المطلوب أن نجد حلاً. والتساؤل الدائم عن الحلول الجاهزة، هو أحد أشكال التفكير الإسلامي التي تخرج من جرابها رأياً فقهيّاً لكلّ معضلة. هل تريدنا أن نكذب على الناس على طريقة فقهاء الإلهيات التلفزيونيّة؟

[*{{

عطفا على ما مضى، الآن ثمّة مشاريع فكرية يدّعي أصحابها أنّهم الحلّ لمشكلة الطائفية في العالم العربي، العلمانية والمجتمع المدني وتجديد الفكر القومي، فضلا عن تجديد الفكر الديني.

والسؤال: برأيك أيّ هذه المشاريع بديل حقيقيّ عن الطائفية؟ ولماذا*] فشلت جميعها في الحدّ من هذا الداء المستشري في عالمنا العربي؟}}

لا أحد يريد الخلاص من الإرهاب الديني، وإلا فإنّ أولى خطوات الشفاء هي تشخيص المرض. لا أحد يريد القول إنّ جوهر الإسلام هو إقصاء الآخر، ومن إقصاء الآخر يبدأ الإرهاب وكلّ أشكال الطائفيّة.

ارجع إلى الفقه الحنفي، الذي يعتمده إخوتي من طالبان. إنّ كلّ من يبغي الالتزام بالفقه الحنفيّ لا يمكن غير أن يكون ابن لادن جديدا أو ملا عمر جديدا. وكلّ من يقول غير ذلك هو إمّا جاهل أو منافق.

في الإسلام ليس ثمّة مجتمع مدنيّ ولا علمانيّة ولا قوميّة: هنالك دار السلام أو الإسلام ودار الكفر. وعلى أبناء الدار الأولى أن يغزوا الدار الثانية، فيدفع الكتابيّ (كلمة قاتلة بغبائها وعنصريتها) الجزية صاغراً ويقتل غير الكتابيّ إن لم يسلم.

هذا كلّ شيء. دون قطع كلّ الأربطة مع الماضي الذي يلفّ حباله حول أعناقنا، لا أمل بالخروج من قمقم الانسجان الذاتي. الدول تريد الإسلاميين، كونهم يضبطون إيقاع الشارع… هل فُهمت؟

{{*ثالثا: بين الإسلام والأصولية والإرهاب}}

{{[* إذا هل نستطيع القول: إن الأصولية والإرهاب من طبيعة الإسلام أساسا؟ أي هل الخلل يكمن في النظرية أم في الممارسة؟

ومن ثم هل يتعارض الإسلام مع مفهومي الحرية والديمقراطية؟ وإذا لم يكن كذلك، فلماذا بتنا نشهد مؤخرا صعود تيارات إسلامية ذات نزعة أصولية إلغائية ترفض التعامل مع الآخر إلا من منظور ديني ضيق؟ ومن ثم إلى أي مدى يمكن للإسلام التعايش مع الثقافات والقيم الجديدة؟*]}}

عندما تقول إسلام وحريّة، أشعر وكأنّي أمام مثل ألمانيّ ترجمته إلى العربيّة: قبضة في العين. أي، تناقض مفاهيميّ. هل قرأت في القرآن كلّه كلمة محبّة أو حريّة؟

بالمقابل، كم مرّة وردت كلمة كفر ومشتقاتها؟

يا صديقي، يجب أن لا نجمّل الواقع لأنه منفّر للآخر خارج الحدود، الذي يبزّنا ثقافة وعلماً واقتصاداً وإنسانيّة. يجب أن نقدّم الحقائق كما هي، إن كنّا نرى أنّ واقعنا مريض، وهو كذلك. وأكرّر دائماً، تشخيص المرض أوّل مراحل العلاج.

محمّد، كما تصوّره لنا كتب التراث الإسلامي، قتل امرأة عجوزا اسمها أمّ قرفة لأنّها هجته، واغتال شاعراً يهوديّاً للسبب ذاته، وسمل أعيناً وقطع أوصالاً ورمى أشخاصاً في الحرّة حتى ماتوا.

لا توجد تعدّدية في الإسلام. وحين أرادوا إقامة مسجد خارج الإطار المتعارف عليه، خارج السلطة الكهنوتيّة للمؤسّس، تمّ هدمه.

ثم إقرأ التاريخ الإسلامي ذاته. أليس هو قصّة لسلسلة لا تنتهي من الحروب بسبب السلطة أوّلاً، ثمّ التنافر المذهبيّ، بعد أن ألبست السلطة شكلاً طائفيّاً ثانياً؟ تاريخ الكنيسة أسوأ؛ لكن مَن مِن المسيحيين اليوم يقدّس تاريخ الكنيسة على نحو يستبعد العقل، كما يفعل المسلمون؟

الإسلام لا يمكنه التعايش مع الحداثة بكلّ قيمها. المنظومة الإسلاميّة للقيم تتناقض بالمطلق مع منظومة القيم الحداثويّة. وما انتشار الدكتاتوريّة في أغلب الدول ذات الغالبيّة المسلمة إلا الدليل الأبرز على أنّ هذا التراث لا يمكن أن ينتج حريّة، ومن ثمّ تعدّدية، وبالتالي حضارة.

الإسلام إمّا أن ينهي ذاته بحركة بطوليّة وهذا مستحيل، أو أن يرمي تراثه في البحر الميت ويعود إلينا إيماناً بلا دين، على طريقة اليهود الريفورم. غير ذلك، سنظلّ نناطح الحائط حتى تنتهي رؤوسنا.

{{[*برأيك ما سبب صعود التيارات الأصولية السابقة إلى الواجهة؟ وما الفرق بينهما وبين حركات المقاومة الإسلامية (حماس- حزب الله) التي يمكن نعتها بالتشدّد، اعتمادا على أنّ خطابها الإيديولوجيّ منسجم -إلى حدّ ما- مع التيّار السلفيّ(ظهور حماس والجهاد الإسلامي عطّل المشروع السلميّ الذي دعت إليه حركات يهودية من قبيل حركة “شالوم اخشاف”)؟*]}}

لأسباب لها علاقة برغبتي في السفر دون أيّة عراقيل، أؤجّل الكلام في هذا الموضوع إلى حين أغادر. لدي مجلّدات من الكلام بحكم علاقاتي وتجاربي مع هؤلاء. لكن أفضّل أن أتحدث عنهم من خارج المنطقة التي يؤمن أغلب ناسها بالإسلام.

{{[*

في مقال له حول علاقة الإسلام بالغرب يتساءل أحمد برقاوي (لماذا يكرهوننا؟)

والسؤال: من المسؤول عن بروز مفاهيم “الإسلاموفوبيا” و”الإرهاب الإسلامي”؟ التيارات اليمينية المتطرفة بالغرب؟ أم الممارسات التي يقوم بها المسلمون والتي يقوم بعضها على فكرة أسلمة المجتمع الغربي؟*]}}

ثمّة من قال لي في ألمانيا، وهو صديق يساريّ قديم، إنّ الغرب يبحث دائماً عن عدوّ يفجّر فيه عُقد الكراهيّة الجمعيّة، بعد أن سقط العدو التقليدي: الشيوعيّة. وكان الإسلام الأصوليّ هو القناة الأنسب للطاقات العدوانيّة في الغرب، التي إن لم تتفجّر خارجاً، ستتفجر داخلاً.

وإن أردنا أن نكون موضوعيين أكثر في مقاربة حالة الإرهاب الإسلامي: من المسئول الأول والأخير عن ظاهرة طالبان والقاعدة وما إلى ذلك من تيارات الإرهاب الديني؟

باختصار ودون تزويق: المخابرات الأمريكيّة زمن ريغان، النظام الوهابي في السعوديّة الذي ترعاه أيضاً المخابرات الأمريكيّة في كل الأزمنة، وحكومة باكستان وقتها. اجتمع الأقطاب الثلاثة ضد الشيوعيّة. وربّوا أعداء بطريقة أيديولوجيّة لا يمكن غسل الدماغ فيها إلا بتبديله. فسقطت الشيوعيّة، وزال الاتحاد السوفيتي، وبقي عمّنا بن لادن وطالبانه وقاعدته.

ولما كان هؤلاء مشحونين “مرضيّاً” بالعدائية ضدّ الآخر الذي يخالفهم الرأي، ولما زال الآخر الذي شحنوا ضدّه، لم يجدوا منفذاً لعدوانيتهم غير آخر غيره يخالفهم الرأي والمعتقد أيضاً، أسموه الصليبية الكافرة. ووصل هذا المسلسل التراجيدي إلى قمّة حبكته في الحادي عشر من أيلول. بدأت ظاهرة الإسلاموفوبيا تبرز أكثر وأكثر.

قبل ذلك بنحو من سبع سنوات كتبت في صحيفة يونغه فرايهايت الألمانية اليمينيّة عن ظاهرة الانتشار الإسلامي في الغرب. ونصحت الدول الغربيّة الديمقراطيّة أن لا تقبل أصوليين إسلاميين تحت أية ذريعة، وأن تستبدل من لديها من هؤلاء بشرق أوسطيين علمانيين، يمكن أن يتناغموا مع الثقافة الغربيّة.

كان رأيي أنّ الصدام واقع لا محالة بين الأصوليين والثقافة الغربيّة، على أساس أنّ التيارات الأصوليّة التي أعمت الشريعة بصيرتها، لا يمكن أن تتعامل مع الآخر المخالف، إلا من منظور “الذميّة وما في حكمها”، حتى وإن كانت تعيش ربيبة نعمة هذا الآخر.

لقد رأيت أصوليين شيعة عراقيين في مالمو السويديّة، يحلمون فقط بجمع ما يمكن جمعه من نقود الكفرة، للعودة بها إلى إيران من أجل تكوين مشروع لا يمكن للوطن الأمّ الجود به. هذه هي الحقيقة التي لا يمكن إنكارها. ما أوردته سابقاً يلخّص العقليّة الإسلاميّة التقليديّة، مهما حاولنا الإنكار. المصيبة أنهم لا يقنعون بأن يحتفظوا بآرائهم لأنفسهم، بل يحاولون نشر أفكارهم في الغرب.

وقد شهدت بأمّ العين بعض مظاهر احتقار الثقافة الألمانيّة العظيمة، ثقافة أمّة المفكّرين، عندما أزعج عينيّ منظر بعض الملتحين في شتاين-دام في هامبورغ، يحاولون توزيع كتيبات حول الإسلام بين العامّة الألمان، الذين كانوا يتعاملون مع الموقف بأدب، لكن برفضيّة جازمة.

صدام الحضارات، رغم كل الكلام المنمق الصادر هنا وهناك، قائم لا ريب فيه. الغرب لا يمكن أن يرمي بكفاحه المعرفي الذي دفع ثمنه ملايين الناس من أجل تبنّي ثقافة تتناقض معه، تقاليدَ وحضارة، على نحو بنيويّ.

والإسلاميّون، الذين يشعرون بدونيّة هائلة حيال هذا الغرب، لا يمكن أن يرموا بتراثهم في البحر الميت باعتباره فاقد الصلاحيّة، لأنهم رغم كل شيء ما يزالون يعتقدون أنّ إلهاً ما أنزله في زمن ما على أحد الأنبياء في الصحراء.

أسلمة الغرب صارت مستحيلة بعد الحادي عشر من أيلول. والغرب الذي كان أقفل عينيه أمام ظاهرة الإسلام، فتح كلّ حواسه وجند كل مفكّريه لمحاربة الغزو الجديد.

{{[*في ظل الظروف التي ذكرتها إلى أيّ مدى نحن بحاجة للإصلاح الديني الآن؟ ولماذا يتعرّض المفكّرون الإصلاحيون (نصر حامد أبو زيد، محمد شحرور- سيد القمني وسواهم) إلى هجوم عنيف من الإسلاميين، فيما تعجز المؤسسات الدينية التقليدية “الأزهر وكليات الشريعة” عن إنتاج خطاب ديني يخلو من التلقين والتكرار، بل إنها- حسب صادق جلال العظم- تشهد انحدارا كبيرا بتنا نلمس بوادره في فتوى إرضاع الكبير وحديث الذبابة وغيرها؟*]}}

الإصلاح الديني؟ لا أفهم مغزى هذه العبارة. في اليهوديّة التقليديّة (أنصاف العقلاء الذين يسمّون أنفسهم بالأرثوذكس)، لا يمكن أن تخالف هالاخاه صغيرة من الشريعة دون أن يتمّ إخراجك طرداً من الدين.

بالله عليك، في الإسلام المتداول، كيف يمكن الإصلاح إن كان عدم الصلاة لفترة بسيطة لا يخرجك من الدين بل يضع عنقك تحت المقصلة؟ لا أؤمن إطلاقاً بالإصلاح الديني.

حديث رضاع الكبير (أنا أوّل من ألقى عليه الضوء في كتابي، “أمّ المؤمنين”)، بول البعير، الذبابة وجناحها، خنزب شيطان الصلاة -هنالك توافه أكثر جمعتها على مدى عشرات السنين– وغيرها: كل ذلك أفرع لا يمكن الخلاص منها بغير قصّ الشجرة.

وقناعتي الأخيرة أنّ المجال الأوحد لصدّ الهجوم الإسلاميّ معرفيّاً هو العلم، علم الجينات على وجه التحديد. كل ما نفعله لعب في الوقت الضائع، تسلية أو ما شابه. علم الجينات سيضع الأديان كلها قريباً أمام معضلات لا سبيل إلى حلّها لاهوتياً.

قد يبقى هنالك إله، وأرجّح أن لا يستمرّ هذا المفهوم لزمن طويل. لكن الأديان كلها في طريقها إلى الزوال، والسبب العلم. لا يمكن مقارعة الإسلاميين تأمليّاً كأن تحدّثهم عن الأركيولوجيا أو الدين المقارن أو اللاهوت المعاصر – كل ذلك تأمليّات بلا طائل، سيجد المسلم ألف دليل مقنع “له” بأنّ ما يقال يحمل في أساسه بذور فساده. وحده العلم سيضع نهاية لهذه المأساة.

{{[*كيف تفسّر التوجّه الكبير للشباب نحو التديّن (90 بالمئة من الشباب السوري يرتاد الجوامع حسب محمد حبش)، هل للوضع السياسي والاقتصادي دور في ذلك؟

ومن ثمّ هل نستطيع تفسير انتشار حالات الشذوذ أو المثلية بأنها ردّ فعل سلبيّ على الأصولية الإسلامية؟*]}}

عوامل كثيرة تجعل الأمر يزداد استفحالاً: الخيارات. ففي الدول العربيّة، ثمّة نوعان من الأنظمة. نوع ملكيّ أصوليّ سيّء يستخدم الإله وشراشيبه من أجل الاستمرار، ونوع أقلّ سوءاً، يدّعي أنه جمهوريّ، ويستخدم أيضاً الإله مع شراشيب أقلّ ومنظومة حزبيّة أكل عليها الزمان وشرب ” كولا ” من أجل الاستمرار.

في النوع الأوّل، وتأتي مملكتنا السعوديّة على رأس القائمة، الدين هام من أجل الحفاظ على الحركيّة الاجتماعيّة في حدّها الأدنى؛ الناس تساق كالنعاج إلى المساجد، مسلماً كنت أم غير مسلم؛ مؤمناً كنت أم غير مؤمن؛ جنباً كنت أم متوضئاً: يجب أن تساق إلى المسجد. لماذا؟ حتى تظل تشعر بسيف الله، يحمله الملك هنا، مسلطاً على رقبتك فلا تفكّر يوماً بغير ما يفكّر فيه جلالته.

العهر يتفشّى بين الطبقة الحاكمة وأتباعها: ولديّ من الوثائق التي أعطتني إياها محطة تلفزيونيّة وقت الصراع بين “دولتين خليجيتين” حول العهر في مملكة الفضيلة ما تشيب له الولدان، مع ذلك، فإنّ من يضبط يأكل الآيس كريم مع ابنة خالته في الشارع يحاكم بتهمة الخلوة غير الشرعيّة.

بالله عليكم: حين خرجت عائشة زوجة النبي على جملها الأشهر من مايكل جاكسون، تحارب علي بن أبي طالب، هل كان اختلاطها بأمّة لا إله إلا الله خلوات شرعيّة؟ هذا هو الخيار (مع أل التعريف) الأوحد في دول النفط البدويّة، ولا يمكن لغير الله تعالى أن يمنّ على الناس هناك بخيار آخر.

في الدول الأخرى، ثمّة خياران:المسجد، والمكتب الحزبي. الأوّل يصور نفسه للناس على أنه مأواهم في الدنيا والآخرة، إضافة إلى نشاطه في تشويه صورة المكتب الحزبي، والثاني ترهّل وصار أرضاً بوراً، تراباً ملحيّاً لا ينمو فيه زرع ولا يخرج فيه ضرع. ولا أعتقد أننا بحاجة إلى ذكاء خارق كي نفهم لماذا هجرت الناس المكتب الحزبي ولجأت إليه سبحانه.

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، هزّ الراعي الأمريكي عصاه الغليظة في وجه الرعيّة من حكام الخليج. صار عندنا اليوم تعدديّة أخرى: إقرأ أو روتانا. إما تتفيه العقل بقصص النجاسة والطهارة وأحكام أهل الذمة وقواعد غسل الجنابة، أو تتفيه العقل بفنّ هابط رديء، يخاطب أدنى غرائز البشر. والإثنان برعاية مملكة الفضيلة.

من غير المعقول أن ننسى الأزمات الإقتصاديّة المتلاحقة، التي إن أضفناها إلى الانفجار الديموغرافي، يصبح الوضع كارثيّاً. ومعروف عموماً أنّ الفشل الأفقي يولد ردّة فعل عموديّة.

بالنسبة للمثليّة الجنسيّة، الأمر موجود منذ أيام سفر التكوين. وعمّنا لوط خير شاهد على ذلك. المثليّة الجنسيّة، كي لا ندخل في السفسطات التي بلا معنى، مسألة خيار جنسيّ ذي منشأ جينيّ لا علاقة له بدين أو أخلاق. (أعتذر هنا للغاية من الباحث العظيم، المندوب السوري في إحدى الهيئات الدوليّة، الذي شجب بقوّة – مع مندوب أميركا بوش – المثليّة الجنسيّة، لكن لا أستطيع سوى التمنّي عليه مراجعة مواقع المثليين على الانترنت، ليعرف حجم القضية في وطنه الأمّ).

المثليّة الجنسية كانت متفشيّة على الدوام في المجتمع العربي. ونماذج مثل يزيد بن معاوية والوليد الثاني والأمين والمأمون والقاضي يحيى بن أكثم والإمام مالك والمعتصم والمتوكل – كلّها تشهد على أنّ المثليّة لم تكن فقط متفشيّة بل أيضاً مقبولة اجتماعيّاً.

المثليّة الجنسيّة موجودة كما في السابق، كما في المجتمعات الأخرى، فقط الآن أظهر الإعلام المسألة على نحو واضح. ما كان يمارس سابقاً في الخفاء، صار يمارس الآن على عينك يا تاجر. ربما أنّ التشدد الديني يزيد أكثر في الموضوع، كونه يشجّع على الفصل بين الجنسين، ويجعل العلاقة رجل-امرأة لا تخلو من الإرباك. في نهاية الأمر، تصوّري حول المسألة متكامل، ولا يمكن اختزاله برأي بسيط يفتقد إلى التوثيق والبحثيّة.

{{رابعا: حول المثقفين والإعلام}}

[*{{[*

أين هو المثقف العربي الآن؟ وما دوره فيما يحدث؟ وهل هو دور سلبي أم إيجابي؟ أم أنه -كما يعبر البعض- واقع بين مطرقة السلطة وسندان الأصولية؟

*]}}*]

مثقف عربي؟ ما الذي تعنيه هذه العبارة؟ هل هو ذاك الرجل الذي يقضي يومه بحثاً عن طريقة يؤمّن بها قوته وقوت أسرته في مجتمع يعتبر الثقافة كماليات لا طائل منها؟

هل هو ذلك الرجل الذي يكتب على حدّ السكين كي لا يفهم خطأ من الجماعات الإسلاميّة، لينتظر مصيراً كـ”حسين مروة” و”مهدي عامل” و”فرج فودة” و”مصطفى حجا” وغيرهم؟

المثقف العربي، إن أراد أن يعيش بكرامة ويبدع دون رقابة، لا بدّ أن يهاجر إلى الغرب. في الشرق لا كرامة ولا إبداع. هذا رأيي. لذلك لا يمكن إطلاق صفة المثقف على أحد في الشرق إلا تلك الاستثناءات التي تأتي مرّة كل قرن. الباقون: فريسيون وكتبة… والبقيّة تأتي!!

{{[*في ظل هذا الانتشار الكبير لوسائل الإعلام، والفضائيات بشكل خاص، كيف ترى العلاقة بين المثقف والإعلام؟ وما رأيك باعتبار البعض ظهور المثقفين أو المفكرين على شاشات الفضائية هو نوع من تكريس هذا المفكر من جهة، والحصول على جمهور أكبر للقناة من جهة أخرى؟*]}}

لا أتحمّل ميثة جمهور المثقف. من ناحيتي، اتخذت قراري بالابتعاد الكامل عن المحطّات التلفزيونيّة. ثمّة محطّات كوازي-أصوليّة تستورد منكهات علمانية لتغطيّة الرائحة السلفيّة المزعجة. الأمر صار مكشوفاً.

مع ذلك، ثمّة مثقفون كثر مهووسون بالشو-أوف؛ وهذا حقّهم. لكني في هذه المرحلة أكره كلّ ما له علاقة بالشو-أوف، بل أتحسّس مرضيّاً من أيّ شكل للنقد؛ في حين أجد كثيرين على استعداد للدفع كي يشهّر بهم ومن ثمّ يشتهرون.

{{ [*{{[*لكن، ما أهمية وجود فضائية عربية تُعنى بالثقافة دون سواها؟ وهل لديك تصور لطبيعة هذه الفضائية؟ ومن ثمّة ما هي حظوظها بالنجاح، في ظلّ انتشار فضائيات الفتاوى والغناء؟*]}}*]

}}

ليس في الأمر أيّ تناقض مع ما قلته آنفاً، لكنّ حلمي اليوم، مشروعي الذي أحارب لتحقيقه، هو محطة تلفزيونيّة ثقافيّة، تهتمّ بنشر المعرفة، زمن إقرأ وروتانا. لا أرى في الموضوع أيّ شكل للشو-أوف.

المحطة، كما أتمنّاها، تهتمّ بنشر المعرفة دون الدخول في دهاليز استعراض المعرفة. لهذه المحطّة هدفان لا ثالث لهما: مساعدة المثقفين ماديّاً لأنّ أيّ مشروع غير ربحيّ، ثقافيّاً كان أم غير ثقافيّ، محكوم عليه بالفشل سلفاً، مهما تواصل في استمراريته؛ وتشكيل لوبي إعلامي يشكّل مظلّة تحمي المثقفين من مخاطر السياسيين وأصحاب العمائم.

لا أنكر أنّ كلامي أكثر من قاس. لكنّ الانحدار الذي وصلنا إليه لا يمكن لأفحش الكلمات توصيفه.