نحو منظورات وحدوية جديدة: الدولة والدولة المركز

في مسألة الدولة المركز، التي نظر لها نديم البيطار أيضاً، رأى ياسين الحافظ أن “الوحدات القومية، التي تكونت على مر التاريخ الحديث على الأقل، لم تكن الأيديولوجية القومية (على أهميتها الكبيرة) وما يسندها من العناصر المكونة لوحدة الأمة، هي العامل الأول في بناء الدولة القومية، بل إن الكتلة – المحور أو الكتلة المكوِّرة (الدولة، المقاطعة / الدولة، الكتلة البشرية المتراصة) هي التي لعبت الدور الحاسم الأكثر أهمية في إرساء البنيان السياسي للدولة القومية، بل هي التي لعبت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تأصيل المشاعر القومية وبلورة الأيديولوجية القومية، التي عادت بدورها تلعب دورها الكبير في سيرورة الصهر والتوحيد القوميين”. (ياسين الحافظ، في المسألة القومية الديمقراطية، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، 1997، الطبعة الثانية ضمن الأعمال الكاملة، ص 57) ولكنه، بخلاف البيطار، يتحرز من السحب الميكانيكي لتلك السيرورة على الحالة العربية؛ لأن دور الكتلة العربية التي يفترض أن تكون كتلة مكوِّرة يراوح بين الضعف والعزوف. ولا يماري في حقيقة أن كل وحدة قومية قامت في التاريخ كانت، على المدى القريب، تنطوي على شيء من قبيل الابتلاع، وكانت على المدى البعيد عملية صهر وتذويب متبادلة… وكانت تنطوي على نزوع معاد، بشكل ضمني أو صريح، للخصوصيات والمصالح الإقليمية، نزوع شهدت الثورة الفرنسية الكبرى أجلى تظاهراته وأشدها تطرفاً”. (59)

يبدو من السياق أن الحافظ كان يفند الحجج والذرائع “الديمقراطية” التي تذرع بها اشتراكيون وليبراليون لمعارضة المشروع السياسي الوحدوي (الناصري) فصرف همه إلى ذلك، وتجاهل حقيقة أن الكتلة المحور أو الكتلة المكورة في جميع التجارب الغربية الحديثة، (وليس هنالك من تجارب توحيد قومي قبل العصر الحديث أو الأزمنة الحديثة)، لم تبن أي منها دولة قومية على أساس الأصل أو العرق / اللغة أو على أساس اللغة أو على أساس الدين أو المذهب أو على أساس الجغرافية (وحدة الأرض)، ولا سيما أنه هو من قال إن القومية في أوروبا ولدت في السوق الرأسمالية. إن عمليات التوحيد، التي أسهمت فيها عوامل مختلفة اجتماعية اقتصادية وسياسية وثقافية وعلمية وتقنية، وكانت في واقع الأمر محصلة جملة من العمليات التي كانت تذهب في الاتجاه ذاته، بتعبير أرنست رينان، أعاد نمط الإنتاج الرأسمالي إنتاجها، ولم يزل يعيد إنتاجها، من الملكية المطلقة أو سلطة العاهل، إلى الملكية المقيدة بالدستور والقانون، إلى الجمهورية، أو الدولة السياسية بتعبير ماركس، إلى دولة الرعاية، إلى دولة الرفاهية، ثم إلى الدولة الديمقراطية، وأخيراً إلى الدولة التي أخذت تستقيل من بعض وظائفها الاجتماعية في ظل العولمة الاقتصادية، أي إلى الدولة “مدبرة المنزل”. ولا تزال المسألة مفتوحة.

على أنه لا تصح المقارنة بين أي دولة “عربية” قائمة اليوم وبين أي كتلة – محور أو كتلة مكورة في التاريخ الأوروبي الحديث. إذ لم تكن أي من الكتل المكورة في التاريخ الأوروبي الحديث تتوفر على ما تتوفر عليه دول عربية كمصر أو العراق من استمرار تاريخي على امتداد عشرات القرون، ولم تكن أي منها تتوفر على أي نوع من اكتفاء كياني، ولم تكن لأي منها حدود سياسية مستقرة ومعترف بها من قبل جيرانها على الأقل. ومن ثم فإن مقولة الإقليم المركز أو الدولة المركز لا ترقى إلى مستوى ثابتة تاريخية في التوحيد القومي، أي إلى مستوى القانون. ومع ذلك أكد الحافظ أن “مستقبل العملية الوحدوية يتوقف، إلى حد كبير، على وجود قطر عربي مؤهل لممارسة دور المحور الذي يتكور حوله، خلال سيرورة تذويب منهجية طويلة، الشعب العربي في كافة أقاليمه. .. وأن “الفارق بين الواقع العربي اليوم والأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لا ينبغي أن يدفع إلى نبذ ثابتة تاريخ التوحيد القومي الأوروبي، ثابتة ترقى إلى مرتبة القانون أو الميل التاريخي، ألا وهي دور الدولة والقطر المكور في السيرورة الوحدوية؛ ذلك أن مثل هذا النبذ سيقود بالتأكيد إلى مواقع إقليمية ومعادية للوحدة”.

ويضيف: “يقيناً أن هذه الثابتة ضعيفة أو مفقودة في التطور القومي العربي الحديث (الأمر الذي يكشف سبباً رئيساً في تعثر المسيرة الوحدوية). كما أنه من الخطأ ألا نرى الفارق بين تطورنا القومي والتطور القومي الكلاسيكي الأوروبي، إلا أنه من الخطأ الأكثر فحشاً جعل ذلك مبرراً للاعتراف بشرعية الواقع الإقليمي، التجزئوي، للإقرار بمعقولية الكيانات الإقليمية القائمة، لاعتبار وجودها غير مناقض للمشروع الوحدي”. (60)

هنا بيت القصيد ومربط الفرس، الاعتراف / عدم الاعتراف بشرعية الواقع الإقليمي، والإقرار / عدم الإقرار بمعقولية الكيانات الإقليمية القائمة. بحسب هذه الثنائية، الثنوية، المانوية، ما هو تطوري، يعترف بشرعية الواقع الإقليمي ويقر بمعقولية الكيانات الإقليمية القائمة، وإن كان أقل سلبية إزاء الوحدة. ما هو ثوري لا يعترف ولا يقر، ولا ينبغي له أن يعترف ويقر، أي لا ينبغي أن يعترف بالواقع كما هو. فالمسألة مسألة ذاتية صرفة وسجالية خالصة: القوى التي تعترف بشرعية الواقع القائم ومعقولية الكيانات القائمة جزء من هذا الواقع ملوثة بعدم شرعيته وعدم معقوليته. وقوى الثورة العربية، التي لا تعترف بشرعية الواقع الإقليمي ومعقولية الكيانات القائمة بريئة من هذا الواقع ومن هذه الكيانات وطاهرة من دنس الواقع ومن رجس الكيانات. مع أن التطور التلقائي، العربي والعالمي، كما يقول الحافظ، يتجه نحو تبلور البنى والكيانات القائمة وتصلبها. أي نحو تكون أمم عربية منفصلة. (63)

لنقل إن التطور العربي والعالمي يدفع إلى ذلك، أي إلى تكون أم عربية، ولكنه يمكن أن يدفع إلى خلاف ذلك وإلى عكسه، وعكس ذلك اليوم ليس الوحدة، بل تفكيك الكيانات القائمة وتفتيتها، من دون أن ننفي احتمال الوحدة بين دولتين أو أكثر؛ ما يجعل موقف المحافظة على هذه “الكيانات” والعمل في سبيل جعلها دولاً وطنية موقفاً عقلانياً وتقدمياً وثورياً أيضاً تتأسس عليه رؤية وحدوية جديدة؛ فالعقلانية والتقدمية والثورية نسبية وقياسية. لقد وضع المشروع السياسي الوحدوي على الرف منذ عام 1961، سواء من قبل عبد الناصر أو من قبل حزب البعث في سورية والعراق أو من قبل ليبيا، الاستطالة البدوية للناصرية، ولم يعد له من وجود إلا في دعاية الأنطمة “الشمولية، وهي دعاية متناقضة مع واقع هذه الأنظمة، كما لاحظ عبد الله العروي، ولم يعد لهذه الدعاية الوحدوية من وظيفة سوى تسويغ الاستبداد. وبات السؤال عن “قوى الثورة العربية” حائراً وحارقاً، لأن جميع القوى السياسية القائمة بالفعل، في السلطة أو في المعارضة، بما فيها حزب العمال الثوري العربي (حزب ياسين الحافظ)، لا تنطبق عليها صفات الطليعة الثورية، التي كان الحافظ ينشدها ويعمل في سبيل بنائها.

تساءل الحافظ عن أسباب عدم تصدي الأيديولوجية القومية لصياغة نظرية حول الدولة، وعزا ذلك إلى طابعها التقليدي، لأن نظرية، كنظرية هيغل في الدولة، لا يمكن أن ترى النور وتهيمن على روح الأمة إلا في مناخ أيديولوجي على قدر مرموق من العلمنة أولاً وعلى قدر كاف من الاندماج القومي ثانياً. في حين كان المجتمع العربي تقليدياً وسلفياً، يرفض العلمانية أولاً ومخلخلاً يفتقر إلى اندماج قومي كاف ثانياً. مع أنها، أي الأيديولوجية القومية قد حققت نقلة تمثلت في فرز ما هو عربي عما هو عثماني، لكن كتلة الشعب العربي ظلت لاصقة بمفهوم الملة الديني أكثر من التصاقها بمفهوم الأمة العلماني. وقد عزز ارتباط الحركة القومية التي ظهرت في بلاد الشام بشريف مكة وأولاده، حتى الحرب العالمية الثانية، طابعها التقليدي وفاقم تأخرها. لكن الحافظ، وهو يأخذ على الأيديولوجية القومية وعلى الحركة القومية العربية عدم تصديها لنظرية في الدولة، إنما يتحدث عن أدلوجة الدولة القومية، الدولة المركز، لأن أدلوجة الدولة تسبق نظرية الدولة حسب العروي، ونظرية الدولة غير ممكنة إلا بعد قيام الدولة. فالحافظ نفسه لم يفكر في الدولة القائمة بالفعل، بل في دولة عربية كبرى ليست الدولة المركز سوى نقطة انطلاقها. الأمة العربية، عند الحافظ وجود مطلق يبحث عن شكل يناسبه، شكل مشروع وعقلاني يستحق الوثوق به، بخلاف الكيانات القائمة غير المشروعة وغير المعقولة.

“الحركة القومية العربية لم تصغ نظرية حول الدولة، والدولة – المركز في العملية الوحدوية. كانت ترنو، مع ذلك، بإدراك إجمالي غامض إلى مركز ثقل تتجمع وتجمع الأمة حوله. مركز الثقل هذا، الذي كان القطر العراقي، لم يلبث أن تحول رويداً رويداً، إثر سلسلة من التطورات السياسية، إلى القطر المصري.” (66) فـ “مع وضوح الميل العربي لمصر بدا كأن المشروع الوحدوي قد تحول من مشروع شبه نظري، شبه طوبوي، إلى مشروع واقعي يتمتع براهنية ملموسة” (67). ولكن مصر انكفأت على نفسها بعد عام 1961، ثم انتقلت بعد وفاة عبد الناصر إلى مرحلة ما بعد عبد الناصر، ووقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل وأعادت بناء علاقتها بالولايات المتحدة والدول الأوروبية، ولم تعد سياساتها متمحورة على المشروع الوحدوي، على افتراض أنها كانت كذلك من قبل. وجرت فيها عملية نزع منهجية وتدريجية للناصرية في جميع الميادين. بل يمكن القول إنها استقالت من وظيفة الدولة / المركز، أو تراجعت عنها. ما يدعو إلى الشك بـ “نظرية الدولة المركز” من أساسها، ولا سيما في الصيغة التي اقترحها نديم البيطار، وجعل من السلطة المشخصنة أحد أركانها.

ومع ذلك ظل ياسين الحافظ متمسكاً بأهداب التفاؤل الثوري، فأكد أن “طريق الوحدة العربية هو عينه طريق المستقبل العربي” أي إن تقدم العرب على صعيد الوعي، وبالتالي تقدمهم على صعيد تغيير بنى المجتمع العربي، لا بد أن يترجم على الصعيد الوحدوي”. وأن لمصر دورها الوازن في التطور العربي، وهذا الدور مرهون بوجود قيادة وحدوية وحديثة في آن، وبتنامي الوعي الوحدوي للانتلجنتسيا المصرية. فليس ثمة أي قطر عربي آخر أكثر تأهيلاً من مصر لقيادة السيرورة الوحدوية.

الدول العربية القائمة اليوم متفاوتة في الحجم وفي الموارد المادية والبشرية وفي التطور والنمو وفي درجة الاندماج الاجتماعي والاكتفاء الكياني وفي درجة الاعتماد على الخارج وفي أشياء كثيرة أخرى. هذا التفاوت يجعل من البديهي أن يكون لدى كل واحدة من الدول الكبيرة، أو لدى بعضها على الأقل ميل إلى أن يكون لها مجال حيوي تؤثر فيه إلى هذا الحد أو ذاك، ويجعل من البديهي، بالمقابل، أن يكون لدى كل واحدة من الدول الصغيرة حرص على استقلالها وسيادتها. ومن ثم فإن تنافس الدول الكبيرة على النفوذ وتوجس الدول الصغيرة وخشيتها من الاستتباع أو الابتلاع، ولا سيما أنها الأكثر غنى، على الأغلب، يضفيان على العلاقات العربية العربية كثيراً من التوتر وعدم الاستقرار وعدم الثقة. ولعل ذلك كان ولا يزال في أساس ضعف “التضامن العربي” وهشاشته. فإذا أضفنا إلى ذلك شخصنة السلطة وغياب فكرة الإرادة العامة والمصلحة العامة، وغياب مبدأ سيادة الشعب وسيادة القانون، في جميع هذه البلدان يبدو لنا تفاؤل ياسين الحافظ الوحدوي مفرطاً جداً. فالمسألة عندنا لم تعد تتلخص في “قانون عمل الإمبريالية في الوطن العربي” بل في قانون العالم العربي ذاته، أي في نقص التطور الثقافي والأخلاقي وفي تعثر عملية بناء الدولة الوطنية الديمقراطية في كل بلد على حدة