
يرى الكثير من المفكّرين والباحثين أنّ انهيار جدار برلين قد أسّس لحقبة بشرية جديدة، على خلاف ما يذهب إليه البعض، من أنّ أحداث 11 سبتمبر هي المفصل، كون سقوط الجدار، أحدث شرخاً في العالم بعد انهيار منظومة فكرية، ذات مكوّن سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ “كوزمبولتي” كانت تمثّل قطبا مواجها للمعسكر الرأسماليّ.
هذه القطبية المتناقضة في النشأة والأهداف، مكنّت تيّار الليبراليين الجدد اللذين تتالوا على الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عهد رونالد ريغان إلى عهد جورج بوش الابن، والذي بات يعرف بالمحافظين الجدد، من تقديم خطابه الأيدلوجي وتسويقه، على أنّه “الأمثل” مستفيداً من تقهقر خصمه وانفراط عقده.
إلا أنّ هذا الخطاب لم يعمّر طويلا، بعد انكشافه على ذاته وجمهوره، لا سيما بعد فشله في الحرب على الإرهاب، وظهور الأزمة المالية التي ذرت قرنها في الولايات المتحدة، لتنتقل إلى أوربا ومن ثم إلى العالم، واضعةً إرث آدم سميث “الاقتصاد الحرّ ذي اليد السحرية”، على المحكّ ومن بعده الليبراليين الجدد اللذين انقلبوا على الكينزية “دولة الرفاه الوطنية” أمام ما يعرف بالاقتصاد الحرّ والمعولم، الذي ينظر فيه إلى الدولة كبلدية خدمية لا يحقّ لها التدخّل في أيّ من قوانين السوق، هذا التوجّه الاقتصاديّ هو ما أثبتت عجزه الأزمة المالية الأخيرة.
لذلك كان الرهان على وصول باراك أوباما في إحداث التغيير، والذي رأى فيه الشعب الأمريكي والعالم من بعده “المخلّص” من الأزمة المالية والحرب على الإرهاب، حيث حاول هذا الأخير الخروج عن السكّة قدر المستطاع عبر إعادة الشرعية للدولة في احتكار العنف بعيداً عن جماعات الضغط، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبدا أن تدخل الدولة في تأميم بعض المصارف والبنوك والشركات، يثير الذعر لدى خصومه التقليديين لاسيما من الجمهوريين، إذ رأوا فيه بيروقراطية دولة تنذر بعودة الاقتصاد الموجّه.
في مقابل ذلك بدأ اليسار العالمي بالتقاط أنفاسه بعد خروجه من تابواته المتمثلة بدكتاتورية البروليتاريا وحتمية التاريخ متحالفاً مع حركات مناهضة العولمة، وعلى رأسها أحزاب الخضر، مواجهاً بدوره النظام العالمي الجديد المتوحش بقوّة رساميله والذي بدأ يفتك حتى بالدول الصناعية التي كانت تسوّقه.
ضمن هذا المناخ كان الإسلام السياسيّ يستثمر ذلك الصراع لتعبئة جماهيره، ليقلب الطاولة منذ أن أعلن بوش الابن حربه “الصليبية” على الإرهاب، ومن الواضح أنّ هذه التيارات الثلاثة كانت تتحرّك على خلفية إيديولوجية تناحريه فيما بينها، وهو ما عزّز بدوره فكرة صدام الحضارات.
هذا السقوط المدوّي للكتلة الشرقية خطفه تيّاران، الأوّل في الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني في العالم الإسلامي ممثلاً بالإسلام الراديكالي، في محاولة لكلّ طرف على حدة تسويق خطابه باعتباره “الأحقّ”، ولأنّ الخطابين متصلّبان كان اللقاء تصادمياً، فالرابط بينهما قد زال وانتفت المصلحة من اللقاء، فبات حلفاء الأمس أعداء اليوم، ومن كانوا يوصفون حتى الأمس القريب بـ”أبطال الحرية” أصبحوا الآن إرهابيين.
ما الذي حدث بعد انهيار الكتلة الشرقية؟
كان العالم يعوّل خيرا نحو مزيد من التنمية والعدالة العالمية بعد عهود من النزاعات والحروب والحرب الباردة، غير أنّ لِليبراليين الجدد رأيا آخر، معتبرين انهيار الكتلة الشرقية، فرصة لا يمكن أن تتكرّر في التاريخ، فانهزام عدوّ بهذه القوّة من غير صدام مباشر معه يعطي زخما للسيطرة على العالم، كما أنّ الترسانة الهائلة للولايات المتحدة مع ما تملكه من ثروات وما ستملكه من باقي مناطق النفوذ التي كان غريمها يتقاسمها معها.. سيتوّجها على صدارة الكوكب من دون منازع.
ولغياب الأسباب الموجبة لحروب كهذه كان لا بدّ من إيجاد عدوّ وتضخيمه عبر بروباجندا مفبركة ولاشيء أفضل من استغلال أحداث 11 /سبتمبر، رغم بشاعتها إلا أنّ الردّ كان فظيعا “والفاجر يأكل مال التاجر”.
وعلى عكس ما يظنه البعض، وبرأي كاتب هذه السطور : كانت الولايات المتحدة الخاسر الأكبر في هذه الحرب، بينما كان الرابح الحقيقي جماعات الضغط ومن خلفها كارتل الشركات المعولم من جهة والإسلام الراديكالي من جهة أخرى، حيث كلّ طرف يُوجد مشروعية للطرف الآخر، ولا شيء بريء طبعاً، فالكلّ “متّفق عليه”.
إلا أن بروز الأزمة المالية العالمية أعاد الحسابات والقراءات والمفاهيم لما بات يعرف بنهاية التاريخ، ليصبح كلّ شيء موضع شكّ وتساؤل بما فيها الحداثة الأوربية، فكلّ الذين بشّروا بزوال العنف وإحلال السلام العالمي صدموا، فلم يأت إلا الدمار والتمزّق وانهيار القيم الإنسانية مع نشوء وعودة نكوصية لـ”الهويات القاتلة”.
يقول محمد أركون :”نحن نعلم أن ماركس قام بنقد الاقتصاد السياسي وقد واصل نقده هذا وعمقه نيتشه في جينالوجيا القيم : أي في بحثه عن جذور القيم الأخلاقية وأصلها ومنشأها العميق المخفي، ولكنّ النقد الأوّل، أي نقد ماركس كان قد صودر وعطّل من قبل الثورة البروليتارية المزعومة. أمّا النقد الثاني، أي النقد النيتشوي، فلم يفهم على حقيقته بل ترك وهجر ثم بشكل أخص حرّف عن نهجه الحقيقي ومقاصده الفلسفية، وذلك عن طريق العودة إلى أنظمة الاعتقاد والاعتقاد وتحت هيمنة الفلسفة التجريبية والبراغماتية الذرائعية الفردية إلى حدّ الأنانية، والليبرالية المتوحشة، وتحويل الثقافة والفكر إلى مجرد سلعة تجارية رخيصة تباع وتشترى، حتى وصلنا أخيرا إلى منظمة التجارة العالمية ؟.. “. ( نحو نقد العقل الإسلامي / ص 61 ).
كلام يستدعي الوقوف عنده مطولاً، لاسيما لجهة تمويل مراكز الأبحاث والدراسات الفكرية وإلى أيّ مدى تملك من الحرية والاستقلالية لخدمة الحقيقة.
إنّ ما يحدث هو انقلاب على القيم، بل على كرامة الإنسان، فالاقتصاد المعولم يجب أن تقوده قوانين معولمة تصبّ في خدمة البشرية جمعاء كما في خدمة كوكبنا الآخذ بالاحتراق. إذ يجب إعادة النظر بكلّ مؤسّسات المجتمع الدولي وإبعادها عن هيمنة الدول الكبرى كي تحظى بالاستقلالية والشفافية. إنّ ما يحدث يعطي مئات الذرائع للخارجين عن المجتمع الدولي – منظمات ودولا –للمضيّ في طغيانهم الظلامي.
لكن ماذا لو صمّم الغرب السياسي على صمّ آذانه؟ ماذا لو افترضنا سوء النية، وأنّه لا يريد لنا أن ننهض مجدّدا، هل نكتفي بالتنديد والشجب والحقد على الآخر، أليس من دور يقع على عاتقنا، يقول أمين معلوف في ذلك : “أنا مؤمن أنّ السلوك الخاطئ للمحتلّ الأمريكي قد أسهم في إغراق البلاد في العنف الطائفي، ربما كنت على استعداد للتسليم بأنّ بعض المتمرّنين على السحر في واشنطن وغيرها قد وجدوا منافع لحمّام الدم هذا، مع أنّ هذه الوقاحة تبدو لي من فعل مسوخ، لكن.. حين يقعد ناشط سنّيّ وراء مقود شاحنته الملغومة ويمضي ليفجر نفسه في سوق شعبي ترتاده عائلات شيعية، ثم يوصف هذا القاتل بـ”المقاوم” و”البطل” و”الشهيد” من قبل خطباء متزمتين، فلا تعود هناك فائدة من اتهام “الآخرين” بل يتوجب على العالم العربي بالذات أن يقوم بفحص ضميره. أيّ كفاح يخوض؟ عن أيّ قيم يزود؟ أيّ معنى يعطيه لمعتقداته؟ ينقل عن النبي قوله: “خير الناس أنفعهم للناس”، هذا شعار سام ينبغي له اليوم أن يثير أسئلة مؤلمة، عند الأفراد، والقادة والشعوب: ماذا نجلب الآن للآخرين ولنا نحن؟ بأيّ شيء نحن “نافعون للناس” هل هناك مرشد لنا غير اليأس الانتحاري، الذي هو أدهى من الكفر؟” ( اختلال العالم / ص34-35).
على العرب أن يطرحوا الأسئلة حول ذاتهم وواقعهم، إلى أين وصلوا والى أين يمضون، لا أن يجعلوا الغرب السياسي ومن وراءه الثقافي شماعة يعلقون عليها انهزاماتهم، لنفترض أنّ الوسيط النزيه لن يكون نزيها فما العمل؟
في كتابهما المشترك ” تصدع المشرق العربي “حاول حازم صاغيّة وصالح بشير الاقتراب من التابو السياسي “العروبي-الديني” ومحاولة التفكير بعيداً في اللامفكَّر فيه متلمسَين الحساسية التاريخية والمخاوف اليهودية، كما يوّضح لليهود الإسرائيليين الإشكالية التاريخية العربية والإسلامية والاقتراب من هاجسهم حتى يمتلك الطرفان الجرأة الكاملة للمضيّ نحو حلول مؤلمة تخرج المنطقة من دوّامة العنف، فكانت النتيجة أنّ “المثقفين العرب” هم أوّل من خوّن هذا التوجّه فكيف بالعامّة؟ وأنا بدوري أضع الكتاب بيد النخبة السياسية لتقرأه بعيداً عن أيّ خلفية تحزّبية تصادر النص قبل قراءته، ليكون وحده العقل النقديّ من يحكم عليه.
يتابع معلوف قائلاً: “لا ريب في أنّ المأزق التاريخي الذي يواجه العالم الإسلامي هو أحد أبرز أعراض التقهقر الذي تتجه البشرية كلّها نحوه معصوبة العينين. هل هذا ذنب العرب، ذنب المسلمين وكيفية عيشهم لدينهم؟ أجل بصورة جزئية. أو لم يكن ثمّة في العقود الأخيرة، مسؤولية أكثر نوعية تقع على عاتق الأمريكيين كما الإسرائيليين؟ لاشك في هذا. ينبغي إذن لكلّ هذه الأطراف أن تعدّل سلوكها بصورة جذرية إذا كان هناك رغبة في إنهاء وضع بات يهدد، انطلاقا من الجرح المفتوح الذي هو اليوم الشرق الأدنى والذي أخذ يغنغر الكرة بكاملها، بإطاحة كلّ مكتسبات حضارتنا… فهل فات الأوان على استنباط تسوية تاريخية تأخذ بالحسبان معا مأساة الشعب اليهودي، ومأساة الشعب الفلسطيني، ومأساة العالم الإسلامي،ومأساة مسيحيي الشرق، كما المأزق الذي زج الغرب نفسه فيه؟” ( اختلال العالم /ص252-253 ).
كيف يتمّ تحويل هذه الأفكار إلى ممارسات ومن هي الجهات المخوّلة للخروج من هذه السياجات الدوغمائية المغلقة، كي نتفرّغ أخيرا لمشكلة الاحتباس الحراريّ وإدارة عالمنا بالمشاركة لا بالشراكات والتحالفات على خلفية الهيمنة والاستئثار التي تمزّق العالم.
يرى أركون : “أنّ مسؤولية البحث الفكريّ المحرّر تقع على كاهل الجماعة العلمية الحديثة لا على كاهل الطوائف الدينية أو ممثّليها، إنها تقع على كاهل العلماء والمفكّرين والفلاسفة والمؤرّخين بغضّ النظر عن أصلهم وفصلهم أو دينهم وهويتهم وقوميتهم، إنهم باحثون عابرون للقارات والقوميات والأديان والطوائف أيا تكن، ولا يخضعون إلا للمرجعية الفكرية لعلوم الإنسان والمجتمع. هذا البحث التحريري لن يقوم به إلا المفكرون المتحررون من كل أشكال النبذ الطائفي المتبادل أو التمييز العنصري المتبادل أيضا. ومعلوم أن العصبيات الطائفية وحراس الأرثوذكسيات بصفتها معاقل سلطوية منيعة، لا يزالون يدعمون المواقف القديمة للنبذ المتبادل على أساس طائفي أو عنصري”.(نحو نقد العقل الإسلامي / ص306 ).
“إننا محكومون بالأمل، وما يحدث الآن لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ”، يرى علماء الاجتماع أنّ الحقيقة السوسيولوجية هي غير الحقيقة الحقيقية، لأنه يكفي أن يؤمن العدد الأكبر من الناس في المجتمع بفكرة ما كي تتحوّل إلى حقيقة حتى ولو كانت خاطئة.