“نقطة الأصل الإسلامية” وما بعد السياسة!

اعتدنا أن نرى عشرة كتَبة يهبّون دفعة واحدة كلما أشار عربيّ أو غربيّ إلى العنف المدمّر في أداء الحركات الإسلامية الأصولية أو تلك المدّعية أنها تعمل بوحي النص الإسلامي المقدس على شقّيه، القرآن والحديث. عشرة اهتموا بالتفسير والشرح والوعظ ألا نعمّم ونتجنّى، واجتهدوا في الحديث عن الإسلام كدين سمِح وعن حركات إسلامية إصلاحية المنحى استطاعت أن تدمج بشكل خلاق بين الإسلام وفكرة الديمقراطية. رغم الجهد ورغم ضباب الكلام وهبّات الدفاع عن “الإسلام الحقيقي”، فإنّ المشهد الذي ارتسم أمامنا في العقدين الأخيرين هو مشهد عنف لا يبقي ولا يذر. أينما ذهبنا، من الصومال إلى نيجيريا إلى العراق إلى اليمن وأفغانستان وإيران وبعض مواقع أوروبية اصطدمنا بعنف مدمّر ينفّذه مسلمون باسم الإسلام. هذا هو المشهد الذي يرسمه إسلاميون باسم الإسلام وليس المصابون بالإسلاموفوبيا فحسب.

أحداث حملت التمثيل على متنها بشكل يصعّب على القوى الإسلامية الإصلاحية أو غير المناصرة للعنف أن تفصل نفسها وتميّزها في المشهد الممتدّ بدفع من راسمي المشهد إياه. فليس سهلا أن تفعل أمام دقّ عنق صحفيّ فرنسيّ أو أمريكيّ بالسيف أمام عدسات الكاميرا في بثّ حيّ أو معاد. وليس سهلا أن تفعل أمام مشهد عناصر طالبان يطلقون النار على تماثيل تاريخية في باميان. وليس سهلا أن تفعل أمام مشهد الصحفية السودانية التي جلدها عناصر البوليس في الشارع العام لارتدائها البنطالون. وليس سهلا أن تفعل على مرأى عائلة جزائرية نُحرت أعناق أفرادها بالخناجر. أحداث خلقت تمثيلات مروّعة عن الإسلام السياسي لم يستطع أيّ شيء حتى الآن نقضها أو التخفيف من هولها ودلالاتها. حتى عندما نذكر في السياق ذاته أن مثل هذه المشاهد ارتسمت من قبل باسم ثورات التحرّر مرة وباسم أيديولجيات علمانية في العُرب والغرب والشرق وأقصاه. فالمشهد هو المشهد، دم مسفوح باسم الإسلام، ترسّخ في ألف شريط مصوّر عبر الشبكات والفضائيات وترسّخ في الوعي كبديهة. وهو ما جعل كلّ محاولات تعديل الصورة أو شرح أسباب الحدث والمُحدِث تذهب أدراج الرياح خاصة وأنها في جزء منها حاولت بشيء من الخجل أن تجد لمحدثي العُنف مبرّرات وذرائع. مشهد مروّع وخطاب ذرائعيّ أو ضبابيّ اللغة يتلوه الآن، خاصة بعد أحداث “الربيع” العربي، مشهد لفظي مماثل.

فرغم كل الجهد المبذول من قوى الإسلام السياسي لطمأنة الجمهور العربي والغربي، بأنّ المدّ الإسلامي الحاصل بغطاء العمليات الديمقراطية الخام في بعض المواقع سيظلّ ملتزما بقوانين اللعبة الديمقراطية التي تمدّد في ظلها، فإنّ الكثير من الخطاب والأحداث الحاصلة أقوى من أفعال الطمأنة كلها. فالقوى الإسلامية المنتشية بانتصارات مؤقتة تبثّ خطابا مزدوجا في أحسن الحالات. خطاب طمأنة وتهدئة وخطاب تهديد ووعيد. يشاركون في الانتخابات ويطلقون تصريحات غير ديمقراطية بخصوص الأقليات أو المرأة أو الحريات ويجرون محاكمات للمبدعين مثل عادل إمام مثلا. يترشّحون باسم حرية المعتقد السياسي ويتحدثون عن الإكراه الديني. ينظمون حملات انتخابية ويلاحقون العلمانيين بشتائمهم ومضايقاتهم وعنفهم الجسدي. يتبجحون بنضالاتهم ضدّ السلطات والاستبداد السابق ويتحدثون صراحة عن الإسلام كأيديولوجية شمولية يسعون إلى تطبيق أحكامها في كل فراغ سينفذون إليه كما الهواء في الفيزياء.

مشهد ملتبس يرسمه الإسلام السياسي لفترة الحراك العربي الراهن. التباس ينبع في جزء منه من حقيقة أن الحيز المدني في القطر العربي كان صودر لصالح السلطة أو المسجد بالعنف والصراع أو بالاتفاق والوفاق. ومع ذهاب السلطة بقي المسجد نقيضه أو رديفه ليستأثر بكل ما كان للسلطة التي كانت في الغالب مونارخيا أو أوليغارخيا. يزيد من الالتباس حقيقة أن القوى غير الإسلامية أو الإسلامية المدنية لا تبثّ بقوة ولا تطرح مشاريع مغايرة للدولة والمجتمع. ولأن الحقبة المناوبة هي حقبة أيديولوجيا دينية يمينية فإن الحراك الحاصل هو بحث الجميع عن التموضع قياسا بأكثر التوجهات اقترابا من نقطة الأصل الدينية المُفترضة. ومثلما انحكم العالم العربي القومي لحقبة طويلة للمغالاة القومية ولمزايدات قياسا بأمريكا وإسرائيل أو بنقطة الأصل العربية ـ “جوهر الهوية العربية” المُفترضة، فإننا نتوقع أن تشدّ حركة الدوران أكثرية قوى الإسلام السياسي نحو محور “الأصل” المفترض. حركة قد تبدو “طبيعية” في ظروف المرحلة باعتبارها ردّ النقيض على نقيضه البائد كجزء من “أثر الأرجوحة”، إلا أنها لا تعني سوى العودة بالحالة العربية والإسلامية إلى ما كانت عليه من استبداد وقمع وعنف. وهذه المرة باسم الدين والمقدّس و”الأصلي” و”الجوهري” في الإسلام وباسم طبقة أخرى من الادعاءات المتحولة كمواجهة الغرب الكافر.

مثل هذا الالتباس انعكس في الموقف الراهن من الحاصل في سوريا. فلأن قوى الإسلام السياسي تتجلى أكثر وأكثر كنقيض للأنظمة التي كانت وكبديل أكثر قسوة منها، توقفت الحالة العربية عن الاندفاع في سوريا خوفا من مجيء الأكثر هولا وقمعا! ومن هنا نفهم جزءًا من امتناع أوساط علمانية و”ثورية” عن الخروج ضدّ نظام الأسد وعائلته أو انتصارها له ولتقتيله اليومي بشعبه. مثل هذا الالتباس فتح باب القلق على مصراعيه لدى الأقليات الدينية والعرقية في العالم العربي ورفع منسوب تخوفاتها فوق طاقتها.

مشهد العنف باسم الإسلام في العالم ومشهد الالتباس جراء الأداء المتناقض للإسلام السياسي العربي المنتشي بانتصاراته يلتقيان في “نقطة الأصل” المفترضة وفي رحاب الأيديولوجيا ذاتها مع الاختلاف في التأويل. مثل هذا الالتقاء يُنتج الدين والتدين بديلا عن السياسة كما نظّر لها أفلاطون أو كما عرفها العصر الحديث وفي أساسها الدولة. حقبة قد يكون محورها “الأمة الإسلامية” أو “أمة الإسلام” ليس ككيان أنتروبولوجي عقائدي بل ككيان دولاني يُترجمه البعض إلى مشروع خلافة أو “الحكم الرشيد” أو “نبوة” مُنتحلة؟