
يجدر بنا أن نحبّ الله، وجدير بالله أن نحبّه. غير أنّ الخطاب الديني والسلطة الدينية والعقل الديني وكافة أحزاب ورجال وحرّاس وتجار الدين، يطلبُون منّا، خلاف ذلك، أن نخاف الله ونخاف منه.
ولأنّ الخوف والحبّ لا يجتمعان في قلب واحد، محكوم علينا بأن نختار بين الرّعب الديني والحب الإلهي، وبمعنى واضح علينا أن نختار بين التقرب من الدين والتقرّب من الله.
على كل واحد منا أن يختار بين أن يكون عبداً عابداً أو حرّاً حائراً. ثم علينا أن نكيف سلوكنا ومعاملاتنا وبرامجنا وآرائنا مع نتائج هذا الاختيار. ربّما اخترنا الخوف والعبودية منذ زمن مضى، وانقضى الأمر وولّى.
غير أن الأمر لم ينقض بسلام؛ لأن الخوف يُزيل المروءة، ويُنشئُ مجتمع العنف والتطرّف، ويكرس أخلاق العبيد. وهكذا صار حالنا وما يزال.
هذا الكتاب محاورَات تحاول المساهمة، بقدر المتاح، في بناء تصور للإصلاح اللاّهوتي، يسمح بنهوض الذات ورقي الطبائع والوجدان وبإشاعة تصور جديد لعلاقة الإنسان بالعقيدة وبالأديان. محاورات أجريتها وأمضيتها في موقع الأوان مع نخبة من المحاورين الأشدّاء والأكفاء، وقد أفادوني من أجل إعادة النظر في الصيغة الأصلية للفرضيات، تصويباً وتعديلا وتنقيحاً.
كان الفضل أيضاً، بل كل الفضل، لبعض زملائي أعضاء تحرير أسرة الأوان، وقد تحملوني ثم حملوني على استدراك هفوات كانت قد اعترت بعض الحالات والإحالات، أو كادت لولا ألطافهم بي.
تراهن هذه المحاورات على عودة المثقف الإصلاحي إلى أسلوب المحاورات السّقراطية، وتدعونا إلى استكشاف نمط جديد من إنتاج المعرفة، قائم على المشاركة والتواصل بدل الانكفاء في أبراج وهم الاستعلاء الثقافي، لا سيما وقد انكشفت أمامنا اليوم ساحة عمومية (آغورا) جديدة، اسمها الإنترنيت. فلا عذر لمن تأسرهم أسطورة الذات المنتجة للمعرفة، لا عذر لمن يطلب الانكفاء سبيلا أو يبتغيه بديلا.
تحتفي هذه المحاورات بآداب الحوار وبقيم الحب وأخلاق العيش. وهي قبل ذلك تحتفي، أو تحاول الاحتفاء، بثقافة النزوع نحو التنسيب والتشكيك والقدرة على العيش الحر بلا حقائق مطلقة ومن دون يقين ثابت يعتقل العقل ويشل الإرادة.
إنها دعوة صريحة إلى استبدال شرائع الخوف والعُنف بشعائر العشق والحب والحرية.
هذا الاستبدال يبيحه ويتيحه لنا الإسلام، ولكن.. سنرى.
منشورات رابطة العقلانيين العرب، ودار الطليعة – بيروت، آذار (مارس) 2011.