هل انتخب ساركوزي ليقضي على العلمانية في فرنسا؟

طرح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قضية دور الدين في المجتمع وعبّر صراحة عن نيته في إعادة النظر في مفهوم اللائكية ووجوب إعادة تقييمها. ولم يكن مكان الخطاب اعتباطيا بل كان في قصر لاتران البابوي بالذات.

يعتبر ساركوزي أن العلمانية على الطريقة الفرنسية لم تعد تتماشى مع الوضع الجديد الذي تعيشه بلاده.

أثار هذا الخطاب و لا زال يثير زوبعة من ردود الأفعال الفكرية والسياسية في فرنسا، وفضلا عن كون هذا الجدل ممتعا منذ البداية، يمكن أن يكون مثمرا في النهاية على الأقل بالنسبة للمتابعين ولا أخفي شخصيا مدى فضولي لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور تحت رئاسة ساركوزي وعما تسفر لأنني أعتبر وصوله إلى أعلى هرم السلطة بمثابة الامتحان والاختبار الصعب لقوى اليسار وأنصار الأنوار في فرنسا. إنها من الفرص النادرة التي يجود بها التاريخ للوقوف على مدى صلابة المؤسسات الجمهورية وكيفية تعاملها مع الطموح الشخصي و تضخم “الأنوات”.

أرتقب مباراة شيقة ومريرة بين العلمانيين الكلاسيكيين الذين لا يرون لللائكية بديلا وأنصار “العلمانية المنفتحة الإيجابية” أولائك الذين ينظرون إلى علمانية فرنسا على أنها علمانوية متعجرفة. لكن ما محتوى تلك “العلمانية الإيجابية” التي ينادي بها ساركوزي وحاشيته؟

بإثارته لهذا الموضوع بدأ ساركوزي ينفخ على نار باتت خامدة منذ أكثر من قرن، وذلك منذ انتصار فصل السماء عن الأرض رسميا عن طريق قانون 1905 الشهير. يعرف ساركوزي جيدا أن مسألة علمانية الدولة في فرنسا من الأمور الحساسة جدا، فلماذا يصر على وجوب إعادة النظر في المسألة رغم شبه الإجماع الفرنسي حول ضرورة حيادية الدولة تجاه الأديان؟

يجمع الفرنسيون على مختلف مشاربهم أن علمانيتهم هي المنظّم والضامن للسلم الاجتماعي في جمهوريتهم، لذلك اعتبر معظم المثقفين خطاب ساركوزي قطيعة جذرية مع مبادئ الجمهورية الثابتة بل هو اعتداء على أحد مقدسات الجمهورية. لم يصدم الخطاب باعتباره مجرد تعبير عن شعور ديني شخصي، فالرئيس لم يخف أبدا تمسحه إذ يصف نفسه بـ”الكاثوليكي قلبا وتراثا”. ليكن ما يريد، فهذا من حق كل مواطن فرنسي، فليس هو الرئيس الفرنسي الأول الذي يجهر بإيمانه. ما يشعل النقاش ويثير المخاوف و يجعل ساركوزي عرضة للنقد العنيف هو رسمية خطاب “لاتران” الذي لم يكن باسمه وإنما باسم الجمهورية الفرنسية. فهل ما جاء في الكلمة هو أول الغيث تتبعه خطوات عملية حاسمة ينوي من خلالها تقويض دعائم اللائكية الفرنسية المقدسة أم أن الأمر مجرد غمزات انتخابوية ؟

إن أبسط متابعة لمواقف الرجل المتناثرة والمتباعدة في الموضوع سرعان ما تظهر أنها تصب في مجرى واحد مُشكلةً في النهاية موقفا إيديولوجيا يهدف إلى إعادة الدين إلى الحياة العامة. ما يشغل رئيس فرنسا هو كيف يمكن أن يرّد للدين المسيحي اعتباره وأهميته في المجتمع الفرنسي؟ ولكن لماذا هذا الإصرار؟ ألم يستفز رجال ونساء التعليم، حماة اللائكية في فرنسا، حينما تحدث عن استحالة تعويض المعلم لرجل الدين؟

تنطلق مقاربته المعلنة من تحليل ساذج لعلاقة المجتمع البشري بالظاهرة الدينية هو الزعم بوجود تطلع فطري للإنسان نحو المطلق. ولكن لا يجب أن يغيب على الذهن أنه لا يفعل كل هذا من أجل عيون عيسى ابن مريم بل خوفا على هوية أوروبا جراء تكاثر وزحف أحفاد محمد ابن آمنة.

تحت غطاء البحث عن تمثيل رسمي للمسلمين في فرنسا، استغل بعض من يدعون تمثيل مسلمي فرنسا مذ كان وزيرا للداخلية إذ فبرك ما أسماه ” مجلسا فرنسيا للديانة الإسلامية ” أراد أن يعتقل فيه كل العرب وذوي الأصول الإسلامية، وذلك لأهداف عديدة ومتشابكة أهمها البحث عن خلق كتلة انتخابية إسلامية تصوّت لصالح اليمين بعد إغرائها بتسوية وضع الدين الإسلامي وجعله في مرتبة الدين المسيحي فيما يخص المنشآت وغيرها، محاولة عزل الأصوليين المتطرفين، الحد من قوة الإخوان المسلمين الناشطين تحت لواء “اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا” …

أظن، وبعض الظن وجهة نظر، أن ساركوزي وبعض الأوساط المسيحية المحافظة الحالمة بعودة الكنيسة إلى الحياة العامة، يتخفون تحت عمامة إنصاف الإسلام في فرنسا ليمهدوا الطريق لعودة جبة الكهنوت. يُستخدم الإسلام عموما وبعض المسلمين المتدينين خصوصا في حل عقدة المسيحيين التاريخية تجاه الحياة العامة. يدفع كثير من المحافظين، بشكل أو بآخر، المسلمين للمطالبة بحقوق فئوية بغرض فتح ثغرات في جدار اللائكية الفرنسية ليتسنى لهم التسلّل إلى ما هو محرّم عليهم قانونا و ثقافة وابسيكولوجية، لذلك يضعون الغماز باتجاه الإسلام وينعرجون نحو المسيحية. ألا يمكن اعتبار وصول الإسلام إلى الغرب وإلى فرنسا تحديدا بمثابة هدية ثمينة إلى الكنيسة المهجورة ورجالها السائرين نحو الإندثار؟ ألا يساهم مسلمو الغرب في إعادة الكهنوت إلى الواجهة؟

” لقد تغلغل الإيمان المسيحي في أعماق المجتمع الفرنسي . تغلغل في ثقافته ومحيطه وطريقة عيشه وهندسته المعمارية وأدبه…فجذور فرنسا مسيحية الجوهر.” هذا ما يتمناه ساركوزي موهما أنه يصف وضعا قائما. لم تعد المسيحية في فرنسا سوى مجرد ذكرى وذكرى مؤلمة في الغالب.

لم يندم الفرنسيون على طردها من الحياة العامة شر طردة وحتى من حياتهم الخاصة إذ تبيّن استطلاعات الرأي بقاء عدد قليل جدا منهم على دين الرب يسوع. أصبح الدين شخصيا اختياريا. انتهى دين الجموع في فرنسا وفي الغرب كله.

استحدثت بدائل أخرى كثيرة لإشباع الحاجات الروحية ووسائل علاجية لإبرائها إذا ما زادت عن حدها. جذب التحليل النفسي البساط من تحت أقدام رجال الدين مثلا ولم يعد الناس يعترفون بالخطايا في مخادع الرهبان في الكنائس بل يحاولون معرفة ذواتهم وحل مشاكلهم على كرسي المحلل النفساني…

انتهى الدين بمعناه الكلاسيكي في أوروبا كلها، فهل يريد ساركوزي إعادة خلق الحاجة الدينية لأهداف سياسية واستراتيجية؟ هل يريد تقسيم العالم على أساس ديني والتعامل معه على أنه كذلك كما يفعل الإنجيليون الجدد ؟ يحاول الرئيس الفرنسي و”من يفكِّر له” تهدئة أمواج التاريخ المتلاطمة بمحاولة فرض فكرة يراها بديهية تحيل إلى “جذور مفترضة” تربط ماضي فرنسا بحاضرها ومستنتجا أن قطع الوصل بين هذا ” الحاضر اللائكي” وذاك “الماضي المسيحي” سيهدّد الهوية الفرنسية.

يقول أنه يعتقد مثله مثل البابا بنوا السادس عشر أن “أمة تتجاهل إرثها التاريخي الأخلاقي والروحي والديني ترتكب جريمة ضد ثقافتها، ضد التوليفة التي ينصهر تحتها التاريخ والتراث والفن والتقاليد الشعبية، تلك التي تطبع بعمق طريقتنا في العيش وفي التفكير” و يِؤكد أن ” بتر الجذر هو تضييع للمدلول و إضعاف لإسمنت الهوية الوطنية وتجفيف مستمر للعلاقات الاجتماعية التي تحتاج إلى رموز وذاكرة “.

هو لا يتنكر لتاريخ فرنسا وتلك العلاقة الخاصة التي ربطت بلده بالكنيسة لمدة قرون، كما يقول ، لكن أن يعترف بتاريخ بلاده الديني شيء وأن يحاول توظيف جزء معيّن من هذا التاريخ لرسم هوية فرنسا الحالية شيء آخر تماما. بل هو إقصاء للوجه الآخر من العملة وهو الوجه المشرق في رأيي، لأن القطيعة بين الجمهورية والنظام البالي هي هوية فرنسا وليس ذاك التواصل التاريخي الإفتراضي أو ” فرنسا التاريخية ” التي يتغنى بها كثير من الذين يحنّون لعهد ما قبل الجمهورية والذين صوتوا في أغلبهم لساركوزي.

من يدقّق في الأمثال التاريخية التي يضربها نيكولا سرعان ما تنتابه الدهشة. ما معنى التماهي والتباهي بالملك لويس التاسع؟ ألم يكن مسؤولا عن مذابح كثيرة زمن الحروب الصليبية؟ ألم يضطهد اليهود وكل من لم يكن على دينه؟ أليس هو الذي أسس لقمع ” الكفر” بحرق الألسنة؟ ألم يحرق كتب التلمود وحرّم فرنسا على اليهود الذين رفضوا التمسّح؟ أليس من الغرابة أيضا أن يعود نيكولا ساركوزي إلى برنار دو كليرفو، ذلك الداعية المسيحي الكبير، صاحب المقولة الشهيرة أثناء الحروب الصليبية: ” التعميد أو الموت”. هل هي بريئة تلك الإحالات التاريخية؟ أهي إحالات مناساباتية أم قناعات رمزية ثابتة يراد بها نسف اللائكية ؟

حاول الخطاب أن يرسم صورة وردية لتاريخ العلاقة بين البابوية وملوك فرنسا في حين أنها كانت صراعا مريرا بينهما إذ كان كل طرف يحاول استخدام الآخر لمصلحته، فإلى اليوم لم يهضم الإكليروس البابوي لائكية ما كان يسميه ظلما “البنت الكبرى للكنيسة”. لم يترك مناسبة تمر إلا وأبدى فيها معارضته التامة لفصل الدين عن الدنيا في فرنسا.

في سنة 2005 وبالضبط في يوم 11 فبراير كتب البابا يوحنا الثاني في رسالته إلى أساقفة فرنسا ما يلي:

” كان قانون فصل الكنيسة عن الدولة سنة 1905حدثا مؤلما وصادما للكنيسة في فرنسا “. ويوضح عذاب رجال الدين آنذاك مما خلفه قانون 1905 كاتبا أنه ” لم يبقِ سوى على حرية العبادة… ولم يعترف لمؤسسة الإكليروس ولا للحياة الدينية بأي مكان في المجتمع.. وهكذا تجاهل القانون طبيعة الإنسان الفردية والاجتماعية بما فيها البعد الروحي.” وهو ما يقوله تماما نيكولا ساركوزي في قانون 1905: ” أُدرك ما خلفه تطبيق القانون من عذاب بين الفرنسيين الكاثوليك وبين القساوسة وفي المعاهد الدينية وذلك قبل وبعد 1905″.

لئن تعجبنا لأول وهلة من كلام يقوله رئيس دولة علمانية كبرى فنحن لا نتعجب مما يقوله رئيس دولة الفاتيكان إذ أدان قداسته النهضة الأوروبية ذاتها ولم يكن يحمل في قلبه سوى الحقد الدفين لعصر الأنوار. لنقرأ ما كتبه في “ذاكرة وهوية” سنة 2005: ” النظام الأخلاقي النابع من الرب هو القاعدة الثابتة المقدسة لكل تشريع إنساني في أي نظام سياسي وعلى الخصوص في النظام الديمقراطي. لا ينبغي للقوانين التي تصدر عن البشر وعن البرلمانات ومن لدن كل الهيئات التشريعية الإنسانية أن تتعارض مع الناموس الطبيعي أي مع قانون الرب الأبدي.”

كلما اقترب امرؤ من مواقف الفاتيكان حول اللائكية كلما ابتعد عن روحها وفتح المجال واسعا لكل المغامرات الفكرية والسياسية بما فيها “صراع الديانات” المسمى باطلا بـ “صراع الحضارات” من طرف سامويل هنتغتون. في حالة ساركوزي لا يحتاج المرء إلى كبير عناء ليعرف مدى اقترابه من الأطروحة في مقاربته الجيواستراتيجية لحقيقة الواقع العالمي المعاصر، مما حدا بالبعض إلى التساؤل فيما إذا لم يكن إيمانه بالنظرية هو الذي دفعه للعودة إلى الدين وليس العكس؟ لكن ألا يزعم كل الذين يقولون بصراع الحضارات المفترض بما فيهم هنتغتون ذاته بأن النظرية وسيلة لتفادي ذاك الصراع المرتقب ليس إلا؟ يصرح الرئيس الفرنسي نفسه أمام سفراء فرنسا في سنة 2007 أن التحدي الكبير الذي يواجه العالم هو بلا أدنى شك كيفية تجنب المواجهة بين الإسلام و الغرب؟ لكن ألا تفرز النظرية، ولو ضمنيا من جراء قراءتها الشاملة تلك للواقع، حلولا منسجمة مع منطق منطوقها؟

لقد استعمل ساركوزي مرارا وتكرارا عبارة “سياسة الحضارة”. أليست تعبيرا ساركوزيا مُلطفا لمقولة “صراع الحضارات”؟ في كلمته أمام السلك الدبلوماسي بمناسبة حلول سنة 2008، يعزف ساركوزي نغمة هنتغتونية جلية: “سيساهم تحديان في بلورة وهيكلة المجتمع الدولي للقرن الحادي والعشرين وربما بشكل أعمق من الإيديولوجيات التي شكلت القرن العشرين. التحدي الأول هو ذاك المتعلق بتبدل الطقس والآخر هو شروط عودة الدين في أغلب مجتمعاتنا. وهو أمر واقع لا يتجاهله سوى من كان ضيّق أفق.

تلك حقيقة لا مناص منها قد سبق و تنبأ بها الكاتب مالرو. في خطاب سان جون دو لا تران، ذلك الخطاب الذي أوليه أهمية كبرى، حددتُ تصورا لللائكية تكون النظرة للدين فيها أكثر إيجابا.”

ولكن هل يقصد الأديان كلها؟ يقول في خطاب الرياض :” من واجبي أن أعمل ليكون لكل شخص سواء كان يهوديا أو كاثوليكيا ، بروتيستنتيا ، ملحدا ، ماسونيا أو عقلانيا أن يشعر بسعادة العيش في فرنسا وأن يكون حرا و مُحترما فيما يخص قناعاته وقيمه وأصوله…” وإلى هنا لا يحصّل ساركوزي سوى حاصل لأن هذا الحق كفلته فرنسا اللائكية الحالية ولم تنتظر وصول السيد نيكولا ساركوزي إلى الحكم في مايو 2007. الجديد هو ما يضيف بعد “لكن”:

” لي واجب أيضا هو أن أصون إرث ثقافة وتاريخا طويلا وأقول بجرأة صون حضارة”.

فما هو جوهر تلك الحضارة في نظر الرئيس؟ يقول ساركوزي في نفس خطاب السعودية أنه لم يسمع عن بلد ليس لإرثه و ثقافته وحضارته جذور دينية وإن ضمت مؤثرات فلسفية أخرى. ولا يعرف ثقافة أو حضارة أو أخلاقا ليس لها أصل ديني ولو بقدر قليل. ويستنتج أن في عمق كل حضارة شيئا دينيا، شيئا يأتي من الدين.

لكن ما يضحك فعلا هو قول ساركوزي أن الديانات هي التي علمتنا المبادئ الأخلاقية الكونية، فكرة الكرامة البشرية، قيمة الحرية والمسؤولية، الأمانة والنزاهة. ويذهب في تديين العالم إلى النهاية في الرياض فيقول كأن رائحة النفط قد أسكرته: ” عندما يلتقي صاحب السمو الملك عبد الله بالبابا، يعتبر هذا أمر أكثر أهمية للسلم ولمستقبل الحضارة من انعقاد كثير من المؤتمرات الدولية”. يكاد المرء أن لا يصدق ما جاء على لسان رئيس دولة ذات لائكية عريقة: ” الزمن ليس زمن تناحر الأديان فيما بينها بل لتكافح معا ضد تراجع القيم الأخلاقية والروحية وضد المادية والإفراط في الفردية” .

هكذا تكلم عاشق ساعات الرولكس والنظارات الشمسية باهضة الثمن وهاوي التشمس على ظهور الياختات وتـأبط خصر الحسناوات… في نفس خطاب الرياض يقول من ضاعف مرتبه الشهري فور اعتلائه منصب الرئاسة أن “حياة الإنسان لا تختصر في بعدها المادي، فلا يكفي أن يستهلك الإنسان ليكون سعيدا”. لو كان الشيخ إمام حيا لأسعدنا بأغنية تُبهدله…هل الرجل مهتم بالعلاقات الدولية أولا وقبل كل شيء وتأتي القناعة الدينية في المقام الثاني أم العكس؟ ألا يكون تمظهر إيمانه الديني وثيق صلة بنزوعه الأطلسوي؟

لئن بدا ساركوزي منشغلا ومتخوفا من مواجهة محتملة بين الإسلام والغرب فإنه لا يتوانى لحظة واحدة في اختيار فريقه إذ يقول بالفم الملآن : ” لقد أردت أولا وبدقة وصراحة، وهنا تكمن القطيعة الأولى، وضع فرنسا ضمن العائلة الغربية “. يبدو أن الانضمام إلى العائلة الغربية يستلزم تعميد الدولة واستحداث وزارة للهجرة والاندماج والهوية الوطنية. وهو ما أدى إلى استقالة مؤرخين من مناصبهم من أجل الاحتجاج على إنشاء تلك الوزارة الغريبة، مستهجنين الجمع بين الهجرة و الهوية الوطنية ومعتبرين أنه ليس من مهمة الدولة الديمقراطية تحديد الهوية الوطنية. فهل يستعصي على فرنسا الجمهورية والعلمانية أن تكون ضمن تلك العائلة أم المقصود من الانضواء تحت العائلة الحضارية الغربية هو الاستعداد لصدام الخرافات؟

فهل انتخب الفرنسيون رجلا ليحكم البلاد عهدة في إطار قوانين جمهوريتهم أم تعدى الأمر حدود الرئاسة إلى نوع من الإسكاتولوجيا؟ هل انتخبوا رئيسا أم رسولا مخلّصا؟ كيف يمكن حكم بلد ينتج 365 نوعا من الجبن؟ هكذا تساءل الرئيس ديغول ذات عام بمرارة. فهل ينجح حفيده ساركوزي في فرض “حِمية ” إيديولوجية محافظة على المجتمع الفرنسي رغم أنف اللائكيين والجمهوريين والاستقلاليين واليساريين وورثة انتفاضة ماي 1968..؟ ؟