
حتى أواسط القرن الثالث الميلادي لم يكن باستطاعة آباء الكنيسة الاتفاق على تحديد شهر ويوم ميلاد يسوع، ولذلك فقد كان المسيحيون الأوائل يحتلفون به إما في 20 إبريل / نيسان، أو في 20 مايو / أيار، أو في 6 يناير / ك2 وهو اليوم الذي يبتدئ فيه فيضان نهر النيل في مصر، واعتُبر مناسبة للاحتفال بميلاد الإله أوزيريس. وقد بقيت هذه المسألة موضع جدل إلى أن أقر البابا ليبيريوس في عام 354 م أن يسوع المسيح ولد في 25 ديسمبر / ك1 (1) . وفي الحقيقة فإن تاريخ يوم الميلاد هذا يتعارض مع رواية إنجيل لوقا التي تقول أن ملاك الرب رعاة مبتدين كانوا يحرسون قطعانهم عندما ظهر لهم ملاك الرب وقال لهم أنه وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح ( لوقا 2: 8-11). فالكل يعرف أن شهر ديسمبر ليس الوقت المناسب لخروج الرعاة لرعي قطعانهم، لأن السهول في هذا الوقت تكون خالية من العشب والكلأ الصالح للرعي. فلماذا تم التغاضي عن هذه الواقعة في النص المقدس، وصُرف النظر عن الميلاد الربيعي إلى الميلاد الشتوي الذي يتوافق مع يوم الانقلاب الشتوي في 25 ديسمبر ؟ قبل الشروع في الإجابة التفصيلية على هذا السؤال، سوف نلقي نظرة على معنى وأهمية هذا اليوم لدى العديد من الثقافات العالمية .
في القارة الهندية كان هذا اليوم مناسبة احتفالية كبرى قبل قرون عديدة من العصر المسيحي. وفي الصين اعتُبر يوم الانقلاب الشتوي مقدساً، وكانت تُغلق فيه الحوانيت ويتوقف الناس عن العمل. وفي فارس كانت تقام أفخم الاحتفالات في هذا اليوم الذي اعتبروه عيد ميلاد إله الشمس. وكان المصريون القدماء يعيِّنون يوم حبل الإلهة إيزيس بابنها حوروس في اليوم الأخير من شهر مارس /آذار ويوم ولادتها به في 25 ديسمبر، عندما يخرج المحتفلون من معبد حوروس وهم يحملون صورة الطفل الإلهي مثلما تُحمل صورة البامبينو (أي الطفل الوليد) اليوم في روما لتعرض على المحتفلين بميلاد يسوع. وكان عباد الإله أدونيس والإله باخوس خلال العصر الهيلينستي والروماني يحتفلون بميلاد هذين الإلهين في يوم الانقلاب الشتوي، وتقول أسطورة ميلاد أدونيس أنه ولد في مغارة كما ولد يسوع في أناجيل الطفولة المنحولة. وكان للجرمان القدماء احتفالات كبيرة في يوم الانقلاب الشتوي يدعونه احتفال يولي Yole، فيه يتم تجديد العهود والمواثيق وتُقدم القرابين إلى الآلهة وتشعل النار في جذوع أشجار مقطوعة. وقد بقيت كلمة يولي حتى الآن في اللغة الألمانية للدلالة على عيد ميلاد يسوع. وفي بريطانيا وإيرلندا كان السلتيون القدماء يحتفلون بالانقلاب الشتوي بإشعال الحرائق على رؤوس الجبال والمرتفعات. ومن حضارة العالم الجديد في أميريكا لدينا العديد من الشواهد على قدسية يوم الانقلاب الشتوي والاحتفالات الدينية التي كانت تقام في هذا اليوم (2) .
على أننا إذا أردنا فهم المؤثرات الثقافية المباشرة الكامنة وراد اختيار الكنيسة ليوم الانقلاب الشتوي باعتباره يوم ميلاد يسوع، علينا تضييق مساحة الخلفية الثقافية ذات الصلة بهذا الموضوع، وحصرها زمنياً في القرون الميلادية الثلاثة الأولى، ومكانياً في الرقعة الممتدة من نهر الفرات السوري شرقاً إلى نهر التيبر الإيطالي غرباً ومن البحر الأسود شمالاً إلى مصر جنوباً. ففي هذا المُتَّصَل الزماني المكاني نشأت التصورات الفلسفية والدينية ذات الصلة بموضوعنا .
{{إله الشمس الحمصي :}}
ابتدأ تدفق الآلهة الشرقية على روما منذ دخول القائد الروماني بومبي إلى سورية عام 66 ق.م . ولكن الطبع الروماني المحافظ لم يقبل طقوس الآلهة المستوردة إلا بعد تهذيبه للكثير من أصولها الشرقية وجعلها منسجمة إلى هذا الحد أو ذاك مع الطابع العام للديانة الرومانية التقليدية. في عام 193م وعقب اغتيال الإمبراطور كومودوس، نجح القائد العسكري سبتيموس سيفيروس ذي الأصول الفينيقية الأفريقية في القضاء على اثنين من منافسيه على العرش، ودخل روما منتصراً حيث سلمه مجلس الشيوخ الرداء الأرجواني القيصري، وحل في القصر الإمبراطوري مع زوجته السورية جوليا دومنا ابنة كاهن الشمس في حمص وملكها. وكان سيفيروس قد تزوجها عندما كان قائداً للفيلق العسكري الروماني الرابع المتمركز في سورية .
كان الحكم في مدينة حمص بأيدي أسرة شمسي غرام العربية الأصل، والتي كان ملوكها يقبضون على زمام السلطة الزمنية والدينية بيد واحدة في ظل نظام حكم ثيوقراطي. ووفق التنظيم الإداري الجديد للمنطقة السورية فقد تم تثبيت أسرة شمسي غرام الحاكمة في حمص تحت سلطة الوالي الروماني المقيم في أنطاكية. خلال الفترة التي نتحدث عنها هنا كانت حمص تحت حكم الكاهن الأكبر لمعبد إله الشمس إيلاجا بال (= إله الجبل) المدعو جوليوس باسيان (أو باسيانوس). وقد حافظت عبادة إله الشمس الحمصي على الطابع الأصلي للعبادات الساميّة التي لم تكن تصور آلهتها في هيئة بشرية تنزيهاً لها، وإنما ترمز إليها بحجر طبيعي غير منحوت غالباً ما يتخذ شكلاً مخروطياً. كان حجر معبد حمص على ما يصفه المؤرخون حجراً أسوداً لا يزيد ارتفاعه عن الـ60سم، ذا رأس مستدق وقاعدة عريضة، وكان الكهنة يجللونه برداء مزركش صقيل عليه صورة نسر وهو الرمز الشائع للألوهة الشمسية، ويقيمون أمامه الطقوس في قدس أقداس المعبد .
لم يرزق الكاهن باسيان بأولاد ذكور وإنما بابنتين، الأولى جوليا دومنا وهي الكبرى والثانية جوليا ميسا ( = ميساء ). وقد عمل ما في وسعه ليقدم لابنتيه ثقافة منفتحه جمعت بين الحكمة الشرقية والفلسفة اليونانية، وأوكل إليهما منذ صغرهما خدمة إله الشمس في معبده، وهكذا فقد تشربت جوليا دومنا ديانة إيلا جابال التي ضربت جذورها في أعماق نفسها وزودتها بنظرة شمولية عالمية. فقد كانت عبادة الشمس في حمص عبادة توحيدية، ولكنها لم تكن بالتوحيدية المتعصبة، التي لا تعترف بالديانات الأخرى (كما هو شأن اليهودية والمسيحية ومن بعدهما الإسلام)، وإنما توحيدية منفتحة ترى أن كل أشكال العبادة هي طرق تؤدي إلى معرفة الله الحق .
عندما استقرت جوليا دومنا في روما وراحت تشارك زوجها شؤون الحكم، أجبرها حسها البراجماتي كإمبراطورة على إخفاء ميولها الدينية، ولكن أفكارها الإنسانية العالمية تبدَّت في سلوكها العام. فقد راحت تتصل بالأدباء والفلاسفة وأحاطت نفسها بهم، وكان يحضر مجلسها في بيتها الصيفي مفكرون من مختلف الشيع والمدارس الفلسفية. من بين كل هؤلاء كان فيلوسترات هو الصديق المقرب إليها، وقد وضع بإيحاء منها وبالتعاون معها كتاباً دعاه ” حياة أبولونيوس “، عبَّر فيه عن أفكار جوليا دومنا في احترام جميع الأديان، والنظر إليها كصيغ فكرية تسعى إلى غاية واحدة (3) .
أما سبتيموس سيفيروس الذي انتقلت إليه من زوجته هذه الرؤية الدينية العالمية، فقد تأثر بعبادة شمولية أخرى هي عبادة الإله سيرابيس التي نشأت في مصر منذ أوائل عصر البطالمة الذين حاولوا أن يجمعوا في شخصه آلهة الشرق والغرب معاً وتلتقي عنده خصائص الآلهة طراً. وقد انتقل هذا الإله إلى روما وطمحت عبادته لأن تكون عبادة أممية تجمع شعوب الإمبراطورية حول إيمان واحد، وكان عدد من الأباطرة الرومان ميالين إليها مشجعين على انتشارها، وبينهم كاليجولا وتيتُس وفبسبازيان. وتروي أخبار فيسبازيان أنه كان يشفي حالات العمى بقوة إلهه سيرابيس (4). ونظراً لطبيعته هذه فقد حصل على لقب بانثيوس، أي كل الآلهة .
عندما ورث كركلا إبن جوليا دومنا عرش أبيه حافظ على عبادة سيرابيس، ولكنه بتأثير أمه طابق بينه وبين إله الشمس الكلاسيكي هيليوس الذي كان إله الشمس السوري يختفي وراءه. وتظهر على نقوش كركلا الهالة المشرقة للشمس ورمزها التقليدي الآخر وهو الأسد، ويظهر القيصر وهو يرفع يده اليمنى مشيراً إلى الشمس. في عهد كركلا لم يكن لإله الشمس اسم يدل على منشئه، غير أن أحداً لم يشك في أنه إله الشمس الحمصي لأن الأم كانت حمصية الأصل ومن نسب أسرة كهنة إيلاجا بال. ولكن هذا الإله أسفر عن وجهه السوري بعد اغتيال كركلا، عندما رفعت الفرق العسكرية المرابطة في سورية إلى المنصب الإمبراطوري الفتى باسيان حفيد جوليا ميسا الأخت الصغرى لجوليا دومنا، والذي أُطلق عليه اسم جده الكاهن باسيان وكان وريثه في منصب كاهن الشمس .
وصل باسيان إلى روما بزيه الكهنوتي الشرقي، ولم يرتد بعد ذلك الزي الروماني إلا مكرها وفي مناسبات قليلة. وبعد استقراره في العاصمة تفرغ لخدمة إلهه إيلاجا بال والتبشير بديانته، فاستقدم الحجر الأسود من حمص وبنى له معبداً في روما، وراح يقود بنفسه بصفة الكاهن الأعلى طقوس المعبد، ويرقص حول المحاريب على ألحان الجوقات المؤلفة من نساء سوريات وإيقاع الطبول والصنوج. وكان من بين مشاهدي هذه الطقوس كبار أعضاء مجلس الشيوخ وطبقة الفرسان، وكان ذوو المناصب العليا في الدولة يشاركون فيها .
لقد كان باسيان تحت تأثير التصورات الدينية لوطنه، وكل ما حرك عواطفه كان له أصل في الطقوس السورية أو الشرقية بشكل عام، ويظهر فيما وصلنا له من صور على هيئة شاب بوجه ناعم وشفتين ممتلئتين ونظرة عميقة حالمة تعكس استغراقاً في التأملات الصوفية. غير أن جهود القيصر الكاهن لم تتوقف عند عرض الطقوس الشرقية الغريبة على الطبع الروماني، بل كان همه يتجه بشكل أساسي إلى نشر ديانة الشمس ورفع إلهها رباً أوحداً للإمبراطورية الرومانية. وخلال ثلاث سنوات فيما بين 220 و222م، بذل القيصر السوري كل جهد تبشيري ممكن، إلا أن سعيه آل إلى الفشل وتخلى عنه في النهاية كل نصير، حتى أن جدته جوليا ميسا نصحته بالاعتزال والتنازل عن صلاحياته تدريجياً لألكسيان ابن ابنتها الثانية جوليا ممايا، وفي إحدى الليالي من شهر آذار عام 222م هاجمه الجنود وقتلوه في قصره مع أمه، ونودي بألكسيان آخر أفراد الأسرة السورية إمبراطوراً تحت اسم أليكسندر سيفيروس. أما القيصر القتيل فقد خلده التاريخ تحت اسم إلهه ودعاه إيلاجا بال .
بعد وفاة إيلاجا بال وانهيار مشروعه كان على ديانة الشمس السورية أن تسلك طرقاً غير مباشرة في التبشير. وقد تمحورت جهودها أخيراً في اتجاهين معتمدة على الرواية الآدبية والفلسفة الأفلاطونية المحدثة .
{{ هيليودور الحمصي :}}
كان هيليودور الحمصي من الأدباء البارزين في أواسط القرن الثالث الميلادي، وقد كتب رواية عنوانها الإثيوبيكا (أي الإثيوبية) لقيت انتشاراً واسعاً في العالم الروماني، ثم ابتُعثت مجدداً في العصور الحديثة ولقيت تقديراً كبيراً بين مثقفي عصر النهضة الأوروبية وعصر الباروك، وكانت محل إعجاب كل من رفائيل، وتاسو، وسيرفانتس، وكالديرون، وشكسبير، وراسين. تعود هذه الرواية إلى الفترة التي تلت مباشرة سقوط الإمبراطور إيلاجابال، أي إلى زمن كان الإله الحمصي فيه معروفاً للقارئ، وتدور أحداثها بين مصر وإثيوبيا، ويلعب الدور الرئيسي فيها إله الشمس الكلاسيكي هيليوس الذي لا يربطه الكاتب بمكان معين، فهو الإله المطلق الذي يعبر عن حضوره في العالم من خلال قرص الشمس الذي يشرف من عليائه على كل الأقطار، وبذلك يُخرج هيليودور إلهه من معبده ومن حجره الأسود في حمص ويبشر به إلهاً كونياً. وفي نهاية الرواية فإن القارئ الذي مال قلبه إلى هذا الإله لكونه أنقى الآلهة، ولما سمع عن أعماله وانتشار عبادته إلى بلاد الإثيوبيين، يفاجأ بأن إله الرواية هو الإله الحمصي. عندما يشير المؤلف في النهاية إلى أنه مواطن حمصي ينتمي إلى أسرة هيليوس. لقد حفظ هيليودور هذه المفاجأة لآخر القصة، وهي خدعة فنية ماهرة ومؤثرة، ولكنها تدل على ما تركه تهور الإمبراطور السوري الشاب من آثار سلبية دعت إلى توخي الحذر في الدعوة إلى الإله الحمصي القديم في حلته الجديدة (5) .
{{ الأفلاطونية المحدثة :}}
على التوازي مع الرواية كان فلاسفة سوريون من تلاميذ أفلوطين الاسكندري مؤسس الفلسفة الأفلاطونية المحدثة (205-270م) يمزجون تعاليم معلمهم مع ديانة إله الشمس السوري التي أخذت بالتقاطع مع الفكر الفلسفي اليوناني إبان فترته الخريفية .
يمثل فكر أفلوطين نهاية التفكير الفلسفي القديم، ويؤذن ببداية تفكير جديد يندمج فيه الدين بالتفكير العقلي إلى أبعد الحدود. يقوم النظام الفلسفي لهذا المعلم الكبير (الذي ما زال فكره فاعلاً في الديانات المشرقية) على فكرة تَدَرُّج الموجودات هبوطاً من المبدأ الأول عبر ثلاث مراتب آخرها مرتبة المادة التي تعتبر أدنى الموجودات. هذا المبدأ الأول يسميه أفلوطين بالواحد الخيِّر، ويندر جداً أن يطلق عليه اسم الله. ونحن إذا أردنا أن ننسب للواحد الخير صفات لما استطعنا وصفه إلا أنه بخلاف كل ما نعلم، لأنه الكمال المطلق بالقياس إلى كل ما عداه. ولأفلوطين في وصف صدور مراتب الوجود عن الواحد صور وتشبيهات مختلفة؛ إنه أشبه بفيض النور عن الشمس، أو فيض الماء عن النبع، أو صدور الأقطار عن مركز الدائرة. والصفة المشتركة بين هذه التشبيهات هي تأكيدها على بقاء المصدر ثابتاً مع صدور غيره عنه، واحتفاظه بوحدته الأصلية. وقد كانت أول المراتب صدوراً عن الواحد الخيّر هي مرتبة العقل الذي يرى الواحد من خلاله ذاته؛ وعن العقل فأضحت المرتبة الثانية وهي النفس التي تتصف بطبيعة مزدوجة، ففي جانبها الداخلي تتجه إلى أعلى صوب العقل أما مظهرها الخارجي فيهبط إلى عالم الحسن الذي تكون خالقة له، فهي أصل العالم المادي (6) . وبذلك يكتمل الثالوث الأفلوطيني الذي تحول فيما بعد إلى الثالوث المسيحي المؤلف من الأب (=الواحد الخير)، والابن (=الكلمة، اللوغوس، العقل) ، والروح القدس (=النفس) .
لم تتخلَّ الأفلاطونية المحدثة عن عالم الآلهة المتعددة الذي ميز التراث اليوناني، ولكنها أفرغته من محتواه ومعناه وذلك بإرجاع التعدد إلى الوحدة. وبقدر ما جُردت الآلهة القديمة من جوهرها الإلهي برزت أهمية الذي احتواها جميعاً في جوهره الشامل وهو إله الشمس: العقل الإلهي المدبّر للكون. ولكن هذا الإله لم يكن إلا الصورة المرئية والأداة للواحد الكبير الذي فوقه. وتتوضح هذه الفكرة بشكل خاص لدى تلاميذ أفلوطين المباشرين والذين كانوا ينتمون إلى دائرة شرقية محددة. من أبرز هؤلاء : آمونيوس سكاس وهو مصري، وفورفوريوس الصوري نسبة إلى مدينة صور، ولونجين، وكلينيكوس، وأميليوس ويامبليخوس وجميعهم سوريون. كان فورفوريوس الأبرز بين هؤلاء وهو الشارح الرئيسي لأفكار أفلوطين. من أهم مؤلفاته الكتاب الذي يشرح نظريته في ألوهية الشمس وهو بعنوان ” فيما يتعلق بالشمس “. وخلاصة آرائه في هذا الكتاب هي أن الآلهة طراً ليست إلا درجات متفاوتة من قوى إله الشمس وطاقاته، فهو النور الأعظم وهم النجوم. إلا أن الشمس بدورها ليست إلا وسيطاً بين الواحد الخير والآلهة، وبين العالم الروحاني والعالم المحسوس، إنها الصورة المرئية لله في العالم وقوته الفاعلة فيه والمنظمة لأحواله، فهي سيد وملك بإرادة من الخير الروحاني الأعلى (7) .
وبهذه الطريقة تمت صياغة الأساس الفلسفي الذي كان يفتقد إليه إله الشمس السوري وكاهنه الإمبراطور الشاب، الذي لم يكن في حوزته من أدوات التبشير بإلهه الواحد سوى الطقوس التي لم تقنع الكثيرين في عصر يموج بالأفكار والمدارس الفلسفية .
{{أورليان وعبادة الشمس الإمبراطورية :}}
قضى أفلوطين الشطر الأخير من حياته في روما، وهناك التحق به تلميذه المفضل فورفوريوس الصوري. وفي عهد الإمبراطور غالينوس لقيت الأفلاطونية المحدثة سنداً سياسياً لها في شخص الإمبراطور الذي كان يجلس الساعات الطول إلى أفلوطين ويحاوره. وعندما اغتيل غالينوس عام 268 م، وجدت الأفلاطونية المحدثة سنداً لها في ملكة الشرق زنوبيا، التي استولت على كامل بلاد الشام ووادي النيل في محاولة لخلق إمبراطورية مشرقية موحدة ومستقلة عن روما، وربما كانت تفكر في التوجه إلى روما ذاتها. وقد التحق ببلاطها في تدمر عدد من الأفلاطونيين مثل فورفوريوس، وكلينيكوس، ولونجين الذي جعلته الملكة مستشارها الخاص وموجهاً لسياستها الخارجية .
ولكن الإمبراطور الجديد أورليان كان مصمماً على القضاء على طموحات الملكة السورية. فبعد أن استقرت له الأمور في روما توجه إلى سوريا وهزم الجيش التدمري في معركتين، كانت الأولى عند أنطاكية والثانية عند مشارف مدينة حمص. وعلى ما ترويه السيرة المدونة لأورليان فإن جيش أورليان قد تضعضع في المعركة الثانية أمام استبسال جنود زنوبيا وشرع الجنود الرومان بالفرار. وفي هذه اللحظة تراءى للجنود تجل إلهي أوصاهم بمتابعة القتال، وأحرز أورليان النصر ولم يبق أمامه سوى تصفية حساب سريع مع زنوبيا التي تحصنت في تدمر. عندما دخل أورليان إلى حمص توجه إلى معبد الشمس فيها وقدم القرابين إلى إيلاجا بال الذي رأى فيه تلك القوة الإلهية التي منحته النصر. وفي عودته إلى روما مصطحباً أسيرته الملكة التدمرية، حمل معه عبادة هذا الإله وطابق بينه وبين إله الشمس الكلاسيكي هيليوس تحت اسم سول إنفيكتوس أي الشمس التي لا تقهر، وجعل منه رمزاً لوحدة الإمبراطورية التي تشرق على أصقاعها أشعة إله واحد. وقد بنى أورليان معبداً لهذا الإله في روما كانت تقام فيه احتفالات دينية بميلاد الشمس كل أربع سنوات في يوم 25 ديسمبر. كما صك الإمبراطور عملة معدنية يظهر عليها قرص الشمس كسيد للإمبراطورية وأورليان باعتباره ممثله الأرضي. وهكذا عاد إيلاجابال إلى روما في حلةٍ إمبراطورية تاركاً حجره الأسود في حمص، وتحول إلى قوة عالمية وإلهاً صالحاً لأن تعبده جميع شعوب الإمبراطورية (9) .
في هذا الوقت كانت عبادة الشمس تتلقى دفعاً جديداً من فلسفة أخرى وعبادة شمسية أخرى، وهما الفلسفة الرواقية المتأخرة وعبادة الإله الشمسي ميثرا القادم من إيران، والذي انتزع لنفسه لقب سول إنفيكتوس – الشمس التي لا تقهر. وكانت المسيحية قد تحولت في أواسط القرن الثاني الميلادي من فرقة يهودية منشقة إلى ديانة شمولية ذات طموح عالمي، وترافق هذا التحول مع تبدلات جوهرية في اللاهوت المسيحي قادت إلى تأليه يسوع المسيح الذي دخل في تنافس مع آلهة العبادات الشمولية الأخرى، انتهى بعد نحو خمسين سنة من وفاة أورليان إلى المطابقة بين المسيح والشمس التي لا تقهر .
وهذا ما سوق نلتفت إليه في الحلقة الثانية من هذه الدراسة .
{{الهوامش :}}
1 – بخصوص هذه التواريخ انظر :
– H. Spencer Lewis, The Mystical life of Jesus, Amorc, San Jose, California, ch.7
– Joseph Campbell, Occidental Mythology, Penguin, 1977, P 339 .
2 – انظر هربرت سبنسر لويس ، المرجع أعلاه ، الفصل السابع .
3 – للتوسع في موضوع إله الشمس الحمصي وفترة حكم الأسرة السورية في روما، انظر المراجع التالية :
– جان بابلون: إمبراطورات سوريات، ترجمة يوسف شلب الشام (عن الفرنسية) دمشق 1987 .
– جود فري تورتون: أميرات سوريات حكمن روما، ترجمة خالد أسعد عيسى ، دمشق 1983 .
– فرانتز ألتهايم: إله الشمس الحمصي، ترجمة إيرينا داود (عن الألمانية) ، دمشق 1990 0
– من أجل كتاب حياة أبولونيوس انظر :
– F.W.Geoves Campbell, Apollinius of Tyana, Chicago, 1968 .
4 – بخصوص الإله سيرابيس انظر :
– Joseph Campbell, edt, The Mysteries, Princeton, Newjersey, 1978, p.116-118 .
5 – فرانتز ألتهايم، المرجع أعلاه، الفصل الرابع .
6 – من أجل الخطوط العامة لفكر أفلوطين. راجع مقدمة كتاب :
– الدكتور فؤاد زكريا : التساعية الرابعة لأفلوطين ، القاهرة 1970 .
7 – فرانتز ألتهايم ، المرجع أعلاه ، ص 117-121 .
8 – من أجل أخبار الإمبراطور أورليان وعبادة الشمس الإمبراطورية راجع :
– إدوار جيبون : سقوط الإمبراطورية الرومانية ، ترجمة أحمد نجيب هاشم ، الجزء الأول ، الفصل 11.
– فرانتز ألتهايم ، المرجع أعلاه ، الفصل 6 .