في الوقت الذي يتهيأ فيه المشهد السياسي التركي لاستحقاق الانتخابات العامة في 22 يونيو المقبل، في ظل التجاذبات الداخلية، يرتفع منسوب توقعات المراقبين لتدخل عسكري تركي في إقليم كردستان العراق لضرب مواقع حزب العمال الكردستاني (التركي) وربما حماته من الأكراد العراقيين؛ بل يمكن القول إن التدخل المذكور قد بدأ، استناداً إلى استدعاء الحكومة العراقية للسفير التركي في بغداد وتسليمه احتجاجاً على قصف مواقع في الإقليم الشمالي بالقنابل. وإذا كانت الحكومة التركية لم تعترف إلى اللحظة بوقوع القصف المذكور، فالنقاش في أنقرة لا يدور حول مبدأ التدخل، بل حول توقيته وحجمه ومداه الزمني وأهدافه.
فقد أججت عمليات مقاتلي حزب العمال الكردستاني في الأسابيع الأخيرة وقتل فيها عدد من الجنود الأتراك، والتفجير الانتحاري الذي نفذ في أنقرة قبل أسبوعين واتهمت السلطات التركية الحزب المذكور بتنفيذه (رغم نفي هذا الأخير مسؤوليته عنه)، وتصريحات مسعود البارزاني قبل شهر، وتوعد فيها بالرد على أي تدخل تركي في شأن كركوك، بتدخل مماثل في ديار بكر، واعتبرتها أنقرة “استفزازية”… أججت من المشاعر القومية في الرأي العام التركي، الذي أخذ يمارس ضغطاً متصاعداً على الحكومة للتدخل العسكري في شمال العراق، إضافة إلى ضغط المؤسسة العسكرية طبعاً، وهي التي ازداد تدخلها في شؤون السياسة الداخلية بمناسبة أزمة الانتخابات الرئاسية.
والحال أن ما يسمى في الرأي العام التركي بالعمليات ما وراء الحدود، له سوابق كثيرة فيما خص العراق أيام نظام صدام حسين، كما وصلت الأمور إلى حافة الحرب مع سوريا في العام 1998، عندما هددت تركيا جارتها الجنوبية بعمل عسكري، ما لم تنه دعمها لحزب العمال الكردستاني، الأمر الذي انتهى باتفاق أمني بين الطرفين، كان من نتائجه إبعاد عبد الله أوجلان خارج الأراضي السورية وتسليم أعداد من أعضاء حزبه إلى السلطات التركية. ويذهب الكاتب عوني أوزغورل إلى القول بأن القرون السبعة الأخيرة لم تشهد أية فترة لم يتواجد فيها الجيش التركي في العراق. أي أن لعقيدة العمليات العسكرية خارج الحدود جذورا ضاربة في التاريخ.
ولكن ماذا تعني عملية عسكرية من هذا النوع في شروط اليوم؟ إنها تعني، قبل كل شيء، صداماً مباشراً مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، أي سلطة الاحتلال الرسمية المكرسة في مجلس الأمن. ولم تتأخر الولايات المتحدة في إعلان معارضتها للتدخل العسكري التركي المحتمل، على لسان كل من وزير دفاعها روبرت غيتس ووزيرة خارجيتها كوندوليسا رايس، إضافة إلى الاختراق الرمزي للمجال الجوي التركي الذي قامت به الطائرات الأميركية في الآونة الأخيرة.
تعود جذور فتور العلاقات الأميركية – التركية إلى العام 2003، عندما رفضت تركيا المشاركة في حرب احتلال العراق عن طريق توفير ممر للقوات المتحالفة من خلال أراضيها، بما في ذلك استخدام المجال الجوي التركي أو الانطلاق من القاعدة العسكرية الأميركية في “إنجرلك”. وكان قراراً مفاجئاً بالنظر إلى علاقات التحالف التقليدية بين البلدين، وإلى عضوية تركيا في حلف شمالي الأطلسي. ويعد القرار التركي ذاك بداية لمراجعة دور تركيا في المنطقة والعالم في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فالدور التقليدي الذي أنيط بها كجدار الحماية الشرقي ضد الخطر السوفياتي والشيوعي، انتهى عملياً، وثمة مشكلة تاريخية في تحديد هوية تركيا بين شرق وغرب، إسلام وحداثة، آسيا وأوروبا، لم تجد لها حلاً بعد. وانقلبت، في غضون ذلك، موازين القوى الاجتماعية داخل المجتمع التركي، فاحتل حزب ذو خلفية إسلامية سدة السلطة للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية العلمانية، وتسارعت خطوات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، قياساً إلى العهود السابقة، على الرغم من سلبية الاتحاد ولجوئه إلى سياسة التسويف والمماطلة في قبول تركيا في عضويته. يضاف إلى كل ذلك استمرار النزيف الداخلي في إطار حرب السلطة على حزب العمال الكردستاني والمستمرة منذ أكثر من عقدين، ونجم عنها عشرات آلاف القتلى من الجانبين (ومن المدنيين) وتهجير سكان قرى بأكملها من جنوب شرقي البلاد حيث الأكثرية الكردية، وما يترتب على الحرب المذكورة من توتير علاقات تركيا مع جيرانها.
وعلى الرغم من التفاهم الثلاثي التقليدي (التركي – السوري – الإيراني) في سياساتها نحو العراق، والذي شكل غطاءً للتدخلات العسكرية التركية السابقة، فإن عملية جديدة، في ظل الشروط الجديدة ما بعد احتلال العراق، قد تنهي التفاهم المذكور، وخاصة بالنسبة لإيران التي باتت صاحبة النفوذ الإقليمي الأول في عراق ما بعد نظام صدام حسين. من المرجح أن إيران لن ترحب بدخول منافس جديد لها على الساحة العراقية، منظوراً إليها ككيان واحد وإن كان فيدرالياً، ومواقف حكومة المالكي بهذا الخصوص معلنة على كل حال، وقد تشكل مؤشراً للموقف الإيراني. كذلك من المستبعد أن تكون دمشق مرتاحة أمام عملية عسكرية تركية، تهدد، من جهة، نفوذها داخل العراق، وتشكل إحراجاً لها، من جهة أخرى، في علاقتها الودية بأنقرة. الدول العربية الأخرى (السعودية ومصر وغيرها) التي يقلقها أصلاً الدور الإيراني المتعاظم في المنطقة، يشك في ترحيبها بدور تركي مماثل. فإذا أضفنا دور إسرائيل، بحروبها المتكررة على لبنان ومناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، فسوف تنتعش المخاوف العربية التقليدية من طوق معادي (إسرائيلي – تركي – إيراني)، والتي تراجعت نسبياً بعد ثورة الخميني في العام 1979. أخيراً فإن عدداً من دول الاتحاد الأوروبي قد أعلن رفضه صراحةً للعملية العسكرية التركية المتوقعة. خلاصة القول إن تركيا سوف تواجه موقفاً لا تحسد عليه إذا قامت بمغامرة عسكرية داخل حدود العراق، وهي ليست دولة مدللة كإسرائيل التي تجد من يغطي أبشع جرائمها.
يفسر هذا جزئياً التردد التركي في الإقدام مباشرةً على تنفيذ تهديداتها. ويقول مليح جان، الخبير التركي في الشؤون الدولية، إن النخبة السياسية والعسكرية التركية تتنازعها ثلاثة وجهات نظر فيما خص العملية العسكرية وراء الحدود، ناهيك عن التباين الأولي بين المستوى السياسي والمستوى العسكري. وتركز وجهة النظر الأولى على السياسة الأميركية في المنطقة، وما يمكن أن ينشأ من التدخل التركي من صدام مباشر مع الولايات المتحدة، فتنحاز إلى ضرورة التصرف ببرود أعصاب وعدم الانجرار إلى ردة فعل قد تكلف تركيا غالياً. ويصف جان أصحاب وجهة النظر هذه بأنهم يسعون إلى سياسة خارجية لتركيا ما بعد الحرب الباردة، تعود مرجعيتها إلى الإمبراطورية العثمانية، وتبحث عن مكامن القوة في العمق الاستراتيجي للخارطة الإسلامية، ويطمحون إلى تركيا كقوة لا إقليمية فقط، بل دولية أيضاً. ويضيف قائلاً إن قوة أصحاب وجهة النظر هذه ومشروعيتهم تعود حصراً إلى تمثيليتهم الاجتماعية، ومن الواضح أنه يعني الحزب الحاكم بصورة رئيسية.
أما وجهة النظر الثانية، فهي تنطلق من الورطة التي أدخلت الولايات المتحدة نفسها فيها بعد غزو العراق، وتنادي بالاستفادة من هذه الورطة والقيام بردة فعل فورية مهما كانت النتائج. ويصف خبير العلاقات الدولية أصحاب وجهة النظر هذه، بأنهم فئة متطرفة تدعي النطق باسم مصالح الدولة العليا، وهي منقطعة عن الشعب، وتبذل طاقتها في توتير أجواء السياسة الداخلية أكثر من اهتمامها بشؤون البلاد، الذي لا يتعدى المساجلات اللفظية. من الواضح أيضاً أن المقصود بهذه الفئة، دائماً وفقاً للخبير التركي، هو التيار العلماني المعارض للحكومة.
وأخيراً يصف جان المجموعة التي تمثل وجهة النظر الثالثة، بأنها أكثر خطراً من المجموعة الثانية، فهي انتهازية ومستسهلة وبمعنى من المعاني انهزامية، تستمد قوتها من الخارج وتريد نقل تركيا إلى موقع أكثر تبعية للولايات المتحدة، تحت مزاعم مراجعة السياسة الخارجية، مستهدفة جعل تركيا أداة أمريكية للهيمنة على منطقة تمتد من البلقان غرباً إلى الصين شرقاً. ويحكم جان أن العملية العسكرية الموجهة إلى شمال العراق سوف تساعد على خلق البيئة المناسبة لمصالح المجموعتين الأخيرتين. وتقوم حجج المجموعتين، في دفاعهما عن وجوب العملية العسكرية الآن، على عجز الولايات المتحدة عن فعل شيء أمام التدخل التركي وهي الغارقة في المستنقع العراقي، وعلى استمرار الغطاء الإيراني – السوري التقليدي، ويستند خطابهما التحريضي على التهويل من الخطر الإرهابي الذي يشكله حزب العمال الكردستاني، ومن خطر قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق، على وحدة البلاد.
المؤسسة العسكرية
ثمة مؤشرات لافتة تفيد بأن الجيش التركي بات، في السنوات القليلة الماضية، يبحث عن “خيارات بديلة” لمستقبل تركيا وعلاقاتها الخارجية ودورها في العالم. وتنبع هذه الميول الجديدة من قلق الجيش على انتهاء دوره التقليدي منذ تأسيس الجمهورية، كحامي للنظام العلماني ولوحدة البلاد، وللتدخل وقت الحاجة لـ”تقويم” السلطة السياسية. ذلك أن تشكيل أول حكومة من قبل حزب ذي خلفية إسلامية في العام 2002، وسير هذه الحكومة خطوات متسارعة نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وما يشترطه هذا الانضمام من إخراج الجيش من السياسة الداخلية وتوسيع هامش الحريات الدينية والثقافية للأقليات، وإلغاء القيود على حرية التعبير … كل ذلك ضاعف من مخاوف الجيش، وأخذ يستعد للتدخل على مألوف عادته. لكن موقف الولايات المتحدة المؤيد للحكومة والمعارض لتدخل الجيش في الحياة السياسية، لجم، إلى الآن خططه.
فقد كشفت مجلة “النقطة” قبل شهرين عن أن الجيش خطط لانقلاب عسكري أكثر من مرة في الفترة الأخيرة، الأمر الذي جعل الجيش يداهم مكاتب المجلة ثم يستصدر قراراً بإغلاقها. جدير بالذكر أن جميع الانقلابات العسكرية السابقة في تركيا قد تمت بموافقة أمريكية كاملة. فالجيش التركي العضو في حلف الناتو، كان حليفاً دائماً للولايات المتحدة. ويبدو أن الولايات المتحدة باتت تنظر، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، إلى الجيش التركي، نظرتها إلى الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، التي طالما كانت حليفة لها أو تحظى بحمايتها بشكل أو آخر، ثم انقلبت السياسة الأميركية عليها في مرحلة الحرب الكونية على الإرهاب ومشروع الشرق الأوسط الكبير. ومنذ أقل من شهرين قام رئيس الأركان العامة في الجيش التركي بزيارة إلى واشنطن. بصورة متواقتة مع الزيارة نشر موقع قيادة الأركان على شبكة الانترنت تصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين تضمنت انتقادات عنيفة للسياسة الأميركية. وتفيد الأخبار بأن ثمة ميولاً ودية قوية تجاه روسيا في صفوف ضباط الجيش الأتراك. ويخشى المحللون من أن الجيش التركي بات يدرس خيارات بديلة للتحالف التقليدي مع الولايات المتحدة، وجهتها شرقاً نحو روسيا والصين وربما إيران، ما يحرره من الوصاية الأميركية ويطلق يديه في الداخل، فينهي بضربة واحدة العملية الديموقراطية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي معاً. هذا السيناريو على سوداويته واقعي، ومن الممكن أن يدخل حيز التنفيذ في أعقاب الانتخابات العامة المقبلة، إذا فاز حزب العدالة والتنمية الحاكم بأغلبية برلمانية كبيرة تتيح له الاستفراد بتشكيل الحكومة من جهة، وانتخاب رئيس للجمهورية من صفوفه، من جهة أخرى. ولن يكون الجيش وحيداً أو معزولاً في خطوته الانقلابية، إذ تدعمه الأحزاب العلمانية المتشددة وجزء مهم من الرأي العام بشقيه العلماني والقومي.
{{هل تنصب الولايات المتحدة فخاً لتركيا في شمال العراق؟}}
كان تصريح كوندوليسا رايس الأخير لافتاً للنظر. قالت: “إزاء عملية عسكرية تركية محدودة في شمال العراق، ليس أمام الولايات المتحدة الكثير مما يمكن فعله”. يذكرنا هذا التصريح بما قالته سفيرة الولايات المتحدة في بغداد لصدام حسين إبان استعداده لغزو الكويت، وانطوى على تشجيع ضمني. هل نحن أمام سيناريو مشابه؟ ولماذا؟ ثمة أوساط سياسية تركية تعتقد بوجود مخطط أميركي غير معلن يستهدف خلق الفوضى في الشرق الأوسط بما يمهد لإعادة رسم خرائطها، وصولاً إلى هيمنة أميركية مديدة على منابع النفط للتحكم الكلي بمصير العالم. وتعتقد هذه الأوساط أن اللغة الأميركية المزدوجة والملتبسة تهدف إلى توريط تركيا في المستنقع العراقي من باب العملية العسكرية في الشمال. أما لماذا تركيا، فإنهم يجيبون بأن النظرة الأميركية إلى حليفتها التقليدية قد تغيرت بعد الموقف التركي الحازم من غزو العراق، وباتت الولايات المتحدة قلقة من الدور التركي المستقل بما لا يقل عن قلقها من الدور الإيراني، لذلك باتت المصلحة الاستراتيجية الأميركية تقتضي إضعاف تركيا وربما إشغالها بحروب داخلية (الأكراد) قد تنتهي بتهديد وحدة البلاد.
ولا تستبعد هذه الأوساط تشجيعاً أميركياً سرياً سواء لمقاتلي حزب العمال الكردستاني لتكثيف هجماتهم داخل تركيا، أو لمسعود بارزاني، حليفها، لإطلاق التصريحات “الاستفزازية” بهدف جر تركيا إلى ردة فعل تدفع ثمنها غالياً. والواقع أن الهجمات والتصريحات معاً، صبا الماء في طاحون الجيش والقوى العلمانية في صراعها ضد الحكومة القائمة، سواء فيما يتعلق بأزمة الانتخابات الرئاسية، أو فيما يتعلق بالانتخابات النيابية القادمة. وعلى سبيل المثال وجه الجمهور أصواتاً مهينة إلى رئيس الوزراء أردوغان في تأبين قتلى الجيش التركي في عملية نفذها حزب العمال الكردستاني مؤخراً. الجمهور المشحون بنزعة قومية انفعالية ينظر إلى الحكومة القائمة على أنها منقوصة الوطنية. الجيش، من جهته، يساهم بتأجيج الرأي العام للضغط على الحكومة. فقد صرح قائد الأركان العامة قائلاً: “إن العملية العسكرية تتطلب قراراً سياسياً” ملقياً بذلك مسؤولية عدم تنفيذ العملية على الحكومة.
وفي أوائل يونيو الحالي نشرت قيادة الأركان العامة بياناً، على موقعها الالكتروني، تحض فيه “جماهير الشعب” على التصدي للإرهاب، الأمر الذي قابلته القوى الديموقراطية بقلق كبير، ورأت في دعوة الجيش هذه تحريضاً على الاقتتال الداخلي، في حين أن المنظمات المنسوبة إلى “المجتمع المدني” كجمعية الفكر الكمالي (ويرأسها الجنرال المتقاعد شنر أرأويغور!) وجمعية الدفاع عن نمط الحياة المعاصر، لبت الدعوة وأطلقت أولى التظاهرات “ضد الإرهاب”، وهي نفسها التي لعبت الدور الأبرز في المظاهرات العلمانية في الشهرين الماضيين والتي استهدفت عدم انتخاب رئيس للبلاد من الحزب الحاكم. من المرجح أن تزداد وتيرة الأحداث والفعاليات المماثلة وصولاً إلى موعد الانتخابات، فإذا دفع ذلك الحكومة إلى التورط بالعملية العسكرية، يأمل خصومها أن تشكل ردود الفعل الدولية ضربة قاصمة لها، أما إذا واصلت الحكومة محافظتها على برودة أعصابها، فهم يأملون أن يؤدي ذلك إلى تراجع أسهم الحزب الحاكم في الانتخابات القادمة. الولايات المتحدة التي أعلنت رفضها لانقلاب عسكري في تركيا، لا يبدو أنها بصدد مساعدة حكومة أردوغان في التخفيف من ضغوط الجيش والرأي العام التركيين.