هوس الكتابة

حدث ذات صيف أن تلقّيت دعوة للمشاركة في ندوة بمدينة الصويرة، كان محورها تقديم قراءة في مجموعة قصصية لأحد الأثرياء. فجاءت مداخلتي بعنوان: “في التضادّ ما بين هوس الكتابة وهوس الحياة”. لم أكن لأعنون مداخلتي على ذات النحو، لو لم تثرني مسألة ولع هذا الثريّ بالكتابة. أقصد كتابة كتب بالضبط. ذلك أنّ هوس الكتابة la graphomanie على حدّ تعبير كونديرا، ليست الرغبة في كتابة رسائل أو مذكّرات خاصة أو وقائع عائلية (أي أن نكتب لأنفسنا أو لأقاربنا) بل في كتابة كتب (أي أن يكون لنا جمهور من القرّاء المجهولين)(1) .

أتذكّر بالمناسبة ذلك العشاء الذي تناولناه سويّا، حيث كان يسألني عن التقاطع الممكن ما بين الفلسفة والرواية، وفيما يصلح منظار الفلسفة لتلّقي شطحات الأدب. وبينما هو كان يتساءل مستغربا عمّا يمكنه أن يجمع الفلسفة بالأدب كنت أنا بدوري أتساءل عمّا يمكنه أن يجمع ثريّا بمعوز مثلي، وهل بوسع هوس الكتابة أن يمحو التفاوتات الاجتماعية ويبدّد الفوارق الطبقية جاعلا الأثرياء ينصتون لأندادهم الفقراء؟ الواقع أنّ كلينا بطبيعة الحال، مهووس بكتابة كتب، لكن ما الذي جعل هذا الهوس يخترق الحدود الطبقية غير مبال بالهوّة الفاصلة ما بين الطرفين؟ فإذا كان صاحبي هو من يصدق عليه الشرط الأوّل من بين الشروط الثلاثة التي بها يفسّر كونديرا سرّ انتشار عدوى هوس الكتابة، فأنا على ما أظنّ يصدق علي الشرط الثالث. الشرط الأوّل بتوصيف كونديرا يعود إلى كون ارتفاع مستوى العيش عامّة هو ما يسمح للناس بتعاطي نشاط تافه؛ وهو حال صاحبي بالتمام، باعتبار أنّ ثراءه ويسره جعلا منه كائنا يتعاطى نشاطا أكثر تفاهة بحثا عن شهرة ملعونة لم تحقّقها له ملايير الدولارات التي اكتنزها، بخلافي أنا الذي أحيا في بلد لا يعرف إطلاقا أية تغيرات اجتماعية هامّة، وما عليّ من أجل الاستمرار في الوجود إلا خلق عالم دينامي أتخلّص فيه من جوّ الرتابة القاتل: فعندما نتعاطى الكتابة نكون كمن يحوّل الكلمات والألفاظ جدارا نتحصن به ضدّ كلّ غزو خارجيّ. وبمعنى كهذا تغدو الكتابة كما لو كانت نتاج علة خارجية. علّة تتراوح ما بين التصدّي لما لسنا إياه، أي لهذا العالم الذي ينفلت منا بقدر ما ينتصب عدوّا لنا، والبحث عن اعتراف أو شهرة تشفي غليلنا ورغبتنا في الخلود. لكن ألا يختزل هذا التحديد الكونديري للكتابة، فعل الكتابة ذاته حدّ تتفيهه؟ فأن تكون الكتابة نتاج علّة خارجية تصوّر يختزل الذات المبدعة في منطق عليّ خارج عنها، إذ بدل أن يضحي الإبداع نتاج الذات المبدعة تنقلب الآية رأسا على عقب لتغدو الذات المبدعة كما الإبداع نتاج علّة خارجة عنهما. فالكتاب إذا ما استعرنا تأويل “أندري جيد” يؤثّر في الكاتب الذي يكتبه إبان عملية كتابته له ذاتها. لأنه يخرج الكتاب منّا، بقدر ما يغيّرنا. إنّه يغيّر مسيرة حياتنا كلّها. يعلّق موريس بلانشو على هذا التصوّر قائلا بأننا لا نكتب بحسب ما نكونه بل نكون بحسب ما نكتبه. لكن ما مصدر هذا الذي نكتبه؟ هل هو نحن مرّة أخرى؟ أم هو نتاج إمكانية من إمكانياتنا نحن بالذات؟ إمكانية ستنكشف وستثبت بواسطة العمل الأدبي لا غير. إن كل عمل يغيّرنا، بل كلّ فعل أنجزناه نحن بالذات هو فعل لا محالة يؤثّر فينا. على هذا النحو تكفّ الكتابة عن أن تظلّ مجرد هوس خارجيّ عِليّ لتغدو مسألة علاقة بالذات، إلى درجة تكاد تمّحي فيها الذات المبدعة في العمل الإبداعيّ ذاته. فلكي يكتب المرء بيتا شعريا واحدا وجب عليه أن يستنفد زاد حياته بأكملها. إنّ عليه أن يستنفد حياته بحثا عن الإبداع وسعيا وراءه. وهذا السرّ هو ما نلفيه عند كبار المبدعين أمثال كافكا الذي طالما أكّد أنّ أفضل ما كتبه إنما يقوم على القدرة الكامنة فيه والتي هي قدرته على أن يموت فرحا(2).

وهاهنا نعثر لربما على جوهر الكتابة، بحيث لأوّل مرة نستشعر علاقتها بالموت. لكنه ليس أيّ موت بل هو الموت بفرح، وهذا ما يعني على حدّ تأويل “بلانشو” للشذرة ذاتها، أننا لن نستطيع أن نكتب إلا إذا بقينا أسياد أنفسنا أمام الموت. أي إذا أقمنا مع الموت علاقات سيادة فحسب. لكن إذا استشعر كافكا هنا، وبعمق أنّ الفن في ارتباط بالموت. فلماذا الموت؟ لأنه الحدّ الأقصى l’extrême ووحده من يتحكم في الموت يتحكم جيدا في ذاته ويكون في صلة بكل ما يستطيعه. أي يكون السلطة كلها. فالكتابة إذن، إن كانت هي ما يصلنا بالموت فليس إلا لأنها ما ينمي سلطتنا في الوجود، وهي سلطة قبل أن تكون ذات صلة بعالم خارجي، هي ذات صلة بالذات القادرة على أن تموت بفرح. فالقدرة على الموت بفرح إن كانت تدلّ على شيء فإنما تدلّ على أنّ الرابط القائم بيننا والعالم العادي، رابط انقطع مرّة وإلى الأبد. يعلّق كافكا على مثل هذا الاختيار في مذكراته قائلا: “إنني لا أبتعد عن الناس كي أحيا في سلام، بل أبتعد عنهم كي أستطيع أن أموت في سلام”.

فالكتابة إذن هوس، ولئن يضطرّنا إلى الابتعاد وخلق المسافة مع الآخرين فليس من أجل العزلة ذاتها، بل من أجل مواجهة الموت حدّ تبديد كلّ مخاوفه والموت بفرح بدل الموت بكآبة. فكافكا كنموذج لم يكن ينسحب من العالم إلا رغبة في الكتابة، وهو إذ يكتب فليس إلا رغبة في الموت بسلام. من ثمّة يضحي الموت، الموت بفرح، جزاء الفنّ؛ إنه القصد وكذا ما يبرّر كلّ فعل كتابة.

لكن نظير هذا الهوس الذي شغل مبدعين كبار من عيار كافكا ونتشه، هولدرلين وهيدجر… حدّ سعيهم إلى جعل الموت إمكانا تحقّقه الكتابة، يكاد لا يصدق على غيرهم من المبدعين مهما بلغ شأنهم في الكتابة. يكفينا توضيحا لذلك، الاستئناس بقولة ليونسكو، يوردها في مؤلفه Hygoliade منتقدا فيكتور هيغو قائلا: “إنّ ما يميّز السيرة الذاتية لمشاهير العالم كونهم تحدوهم الرغبة في الشهرة بخلاف بقية الناس الذين لا يرغبون في أن يغدوا مشهورين أو أنهم بالأحرى لا يفكّرون في الشهرة أصلا […] أن يكون الإنسان مشهورا أمر مقزّز..” لكن قد نردّ على انتقاد يونسكو قائلين بأنّ الشهرة مآل كلّ كاتب ولو لم يتقصّدها أصلا. ومع ذلك تبقى مؤاخذاته طيّ الحسبان ما دام أصحاب القلم صنفين على حدّ تأويل نتشه. فثمّة الكاتب الرديء الذي يروم الشهرة منذ البداية، فهي بالنسبة له الغاية والوسيلة. وثمّة الكاتب الجيد الذي لا يلتقيها إلا في آخر المشوار.

فالكاتب الجيّد إذن هو من يختفي وراء مشروعه الإبداعيّ. وبالنسبة له، لا جدوى من الدعاية لحياته الخاصة أو الشخصية على الصفحات الأولى للجرائد.

لكنّ وسائل الإعلام المعاصرة، لا تنفكّ مع ذلك، تتحدّث عن المبدعين على حساب مؤلّفاتهم، مما يساهم في إعلان موتهم دونما سابق إنذار “ففي اللحظة التي كان فيها كافكا يسترعي الانتباه أكثر من جوزيف ك. فإنّ عملية موت كافكا اللاحق قد بدأت(3). وهذا ما نلاحظه اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، بحيث زادت شبكات الانترنيت من حدّة انتشار عدوى النرجسية الذي طفح كمرض غير قابل للشفاء، بموجبه يمدّ الكتاب الرديئون “أناواتهم” نحو الآخرين، ويفرضون حيواتهم الخاصة كما إيقاعاتهم اليومية على الناس، بدل أعمالهم الإبداعية وتأملاتهم الفكرية.

يكفيك تأكدا مما نحن بصدده، زيارة موقع من المواقع، أو الإطلالة على صفحة من صفحات الاستقبال التي تعرض علينا باستمرار على شبكة الانترنيت، لترى ركاما من القصص الشخصية التافهة مصحوبة بصور أصحابها وحكايات عن عبقرية أبنائهم ومدى لطافة كلابهم… وذلكم ربما هوس كتابة جديد بدأ ينمو هو الآخر بين أحضان العالم السبرنطيقي الذي هو قدرنا المعاصر.

{{الهوامش:}}

1- – Kundera, le livre du rire et de l’oubli, traduit du tchèque par François Kérel, éd. Gallimard, 1955 p.110

2- Maurice Blanchot, l’espace littéraire, éd. Gallimard, 1955, P : 110.

3- كونديرا، فن الرواية، ترجمة بدر الدين عرودكي، ص.135 افريقيا الشرق 2001.