ورأس هذه “المعصية”!

في جلسات الخمر العابرة والرائقة، الهادئة منها والصاخبة، وسواء كنت في البارات والمطاعم الشعبية أو تلك الرّاقية في رفقة نديم متوسّط الثقافة أو مع “مثقّف” أحيانا، لا تتفاجأ إن سمعت جليسك يقسم برأس هذه “المعصية” وهو يمسك بيديه أو يشير إلى قاروة بيرة أو كأس من الخمر يتقاسمها معك.

يبدو القسم “ورأس هذه المعصية” غريبا وطريفا في نفس الوقت، حمّالا لدلالات وتأويلات مختلفة وربما متناقضة. فهو يحمل من جهة تقديرا للخمرة حين يختار للقسم بها دون غيرها من الأشياء المحيطة والمرتبطة من السجائر والطعام والغلال وغير ذلك، ما يرفعه لمرتبة ومقام عاليين ممّا يتم القسم به عادة بين عموم التونسيين والمسلمين، حيث نقسم برأس الأم والأب ونقسم باللّه ورسوله وصحابته وأوليائه كلّ بحسب جهته. ولكن القسم لا يسمّى الخمر باسم من أسمائها بل يستعيض عنها بحكم من أحكام الفقهاء الرّائجة بكونها “معصية” من المعاصي.

ومع أنّها معصية كما يشير القسم، فإن الناطق بالقسم يشربها. ما يجعلنا حقا أمام مشهد لا يخلو من عناصر الكوميديا. حيث يقسم “عاص” أمام “عاص” مثله كما يفترض ضمنيا المثل بالمعصية التي يعاقرانها.

فهل يقصد المقسم برأس المعصية إظهار مدى تيقظه الذهني حيث ما يزال مدركا لكونه يشرب” معصية” وأنّها لم تؤثر بعد فيه لتنسيه ما هو بصدد قوله. ما يجعل قسمه في الشأن الذي يخوض فيه دالا على جدية طرحه له وأنّه ليس “كلام سكر” كما يقال عادة للتقليل من شأن حديث أو التزام ما حدث خلال جلسة سكر؟

هل نستطيع أن نغامر بالقول أن هناك نبرة ساخرة، لا تخلو من جرأة طي هذا القسم. تترجم عن حالة قصوى من الالتذاذ والانتشاء الباخوسي، تجعل السكران يقسم بالخمر واصفا إياه بالمعصية على سبيل السخرية من الاستخدام العامي، اليومي للناس؟

ألا يدلّ القسم عن حالة نفسية سيئة من وجهة نظر التحليل النفسي، حيث يستبطن الشارب للخمر شعورا عميقا بالذنب وهو يشرب “معصية” ممّا قد يكون مصدرا غير مباشر لعلاقة متوترة مع الخمر وربما لسلوكات عدوانية تجاه جلسائه وعائلته عند عودته للبيت. وهذا على خلاف من يشرب الخمر دون أي شعور بالذنب الديني أو الأخلاقي أو الاجتماعي.

لا شكّ أن استهلاك التونسيين للخمور التي تصنّع منذ تاريخ طويل من قبل مصانع تونسية تعمل في إطار القانون وتروّج في كلّ الولايات خصوصا الساحلية، والسياحية منها في النزل والمطاعم والحانات ووجود شبه إجماع من قبل الرأي العام على أن الخمر حرام دينيا، هو بلا شكّ من العوامل الرئيسية التي تفسّر هذه المفارقة التي يحملها القسم ب”رأس المعصية”. والمعصية في العرف التقليدي التونسي الذي يحتكم للمذهب السني المالكي، ليست كبيرة من الكبائر بدليل رواج قول لدى التونسيين ينصح بالتستر عند ارتكاب المعاصي” إذا عصيتم فاستتروا”.

هكذا لا يشكّ شارب الخمر في تونس في تدينه وانتمائه للإسلام بقي أنّه كعموم التونسيين يسأل اللّه الهداية التي غالبا ما تكون خاتمة أو تطهيرا وتوبة بعد سنوات الشباب التي تعدّ عادة فترة التمرّد والعصيان بحسب ما هو متواضع عليه.

في كثير من المرّات سعيت لإقناع عدد ممن أقسموا أمامي برأس المعصية، بأن الخمر ليس معصية وأن القرآن بصريح النصّ لم يحرمها بل نصح بتجنبها فقط، وكنت أطيل الحديث لشرح كيف توجه عدد كبير من الفقهاء في مذاهب دون غيرها للتحريم بحسب السياق التاريخي الذي عاشوا فيه وكيف أنّ لدينا بالمقابل تاريخا طويلا وآدابا مختلفة عكست مناخ التسامح والانفتاح في علاقة المسلمين بالخمر.

مع ذلك واصل جلّهم القسم ذاته برأس المعصية وهو ما يدفعني لتفسير الأمر على أن هناك ربما متعة يجدونها في تجرؤهم على المعصية باعتبار أن كلّ ممنوع مرغوب كما يقول المثل وأن تحوّل الخمر إلى مشروب حلال قد يفقده في أذهانهم ربما الكثير من جاذبيته بالنسبة لهم. على كلّ حال فإن إباحة شرب الخمر بالنسبة لبقية شعوب وأمم الأرض لم يضعف في غرامهم به، بل حرّرهم من الكثير من الكبت والنفاق والكذب والتستر والارتباك والخجل والخوف وعقدة الذنب التي مازلنا نعاني منها و تتسبّب في الكثير من التوتّر والعنف بين شارب الخمر ومحيطه العائلي والاجتماعي.