
من دأب الأمم في حال انحطاطها وتراجع مستوى مشاركتها في بناء الحضارة الدائرة عليها ومن حولها أن تصاب بحالة من اليأس والإحباط التام أو الجزئي فتنغلق على نفسها وتتقوقع على ذاتها بحيث لا تكتفي بالعمل على نبذ ومحاربة كل وافد من الخارج، مهما كان شكله أو مضمونه، بل وتسعى داخلياً إلى خنق كل مبادرة يرجى منها خير مستخدمة ما لديها من فتات الوسائل الاستخباراتية والسياسات "العصملية" المتوارثة كابراً عن كابر وتحت مسميات كاذبة وخادعة لم تعد تقنع أحداً كالعودة إلى الأصالة والتمسك بالتراث والحفاظ على الذات ومعركة البقاء وصراع الهوية وسوى ذلك من المسميات والتعابير البطولية التي تمتح من التاريخ الرسمي المقلم والتي تستهوي بها أسماع وأنظار وعقول عوامّ شعوبها من الأميين وأنصافهم بالإضافة إلى الأجيال الجديدة الناشئة من أبنائها الذين لا يلبثون تحت تأثير البروباغاندا المستمرة بالضغط على عقولهم وحواسهم أن ينتظموا زرافاتٍ ووحداناً على هذه السكة ذاتها متحولين إلى وقود حي يطيل أمد الانغلاق ويمد حبل التخلف إلى مداه الأقصى.
هكذا كانت الأمة اليابانية حتى قبل ميجي ( 1868 – 1912 ) والأمة التركية قبل أتاتورك (1881 – 1938 ) والأمة العربية ومن خلفها معظم الأمم الإسلامية قبل البعثة المحمدية في القرن السابع وبعد الهجمة المغولية في القرن الثالث عشر وخلال فترة تسلط العسكريتاريا والحكومات الوراثية في النصف الثاني من القرن العشرين.
ومن سخريات الأقدار ومفارقات التاريخ أن جميع إمبراطوريات العصر القديم قد مرت – وما زال بعضها – بتلك المرحلة البائسة التي أعقبت زوال ملكها وانحلال سلطانها فوقعت في حمأة ليس الهوان المادي والضعف العسكري أسوأ مظاهرها بل فقدان الروح الجمعية وذوبان جوهر الثقافة الوطنية ورجحان كفة المقال على كفة الفعال، الأمر الذي وصل بها إلى القطيعة مع الأرض لصالح الاتصال بالسماء واتخاذ الشرائع الكهنوتية بديلاً عن القوانين المدنية ونبذ التغيير والتوجس منه.
يمكن ملاحظة أن واحداً من أهم حوامل الهوية الزائفة ومكونات الذات الوهمية لدى جميع الأمم المتقوقعة بدون استثناء عنصرا الخرافة والسحرية اللذان يصبحان البديل الوحيد المتاح عن الفعل فتنحدر الأمة إلى درك سحيق من الوهن حتى يصبح شعارها غير المعلن " اليد التي لا تقدر على كسرها بوسها وادع عليها بالكسر " أي ابتلاع ثمرة الميتافيزيقا المحرّمة دفعة واحدة بعد نزع لبّها بهدف معلن هو استدعاء العون السماوي لتغيير الواقع الأرضي الرديء والخسف بالأعداء وهدفين غير معلنين هما التخدير والابتزاز.
ولعل خرافة قراءة الطوالع واستنطاق الأبراج التي تزين سحنتها القبيحة أحياناً بمسمى علمي خادع ومضحك هو " علم الفلك " أحد أهم نتائج هذه الحالة التي نتحدث عنها أعني عجز الأمم عن المشاركة في إنتاج المعرفة أو استثمارها أو حتى استهلاكها.
قراءة الطوالع من الفنون المغرقة في القدم يرجع بها التاريخ حداً يضعها بين يدي مثقفي البشرية الأوائل من السحرة والكهان ويجعل منها أمّاً غير شرعية لسلاسل الأنبياء والمصلحين التي تتالت بعد ذلك ويروي لنا ما كان لأصحاب الكهانة من منزلة هامة في معظم العصور وفي الدول والإمبراطوريات ولدى الزعماء والملوك.
ليس على وجه الأرض من لا تغويه فكرة الاطلاع على ما يخبئه له المستقبل من خير أو شر لأن التشوق إلى استطلاع تلك المعرفة طبيعة جبل عليها جميع الناس منذ تعرفهم على مفاهيم الزمن والفناء وظهور أولى بوادر الوعي الوجودي لدى الجنس البشري.
وقد استغل الإعلام منذ الأزل هذه الظاهرة وكان استغلالاً متبادلاً على ما يبدو خاصةً في العصر الحديث لأن هذا الفن قد طوّر وسائل الدعاية لنفسه طرداً مع / واعتماداً على تطوّر وسائل الإعلام كما استفاد الإعلام من التنجيم للترويج لنفسه بهدف اكتساب عدد متزايد من المشاهدين.
تستغل الكثير من الفضائيات العربية المعاصرة الاستعداد الروحي الوراثي والتاريخ الديني العريق للعرب والمسلمين فتقدم على شاشاتها الدجالين والدجالات والكذابين والكذابات بصفة شيوخ وشيخات ومنجمين ومنجمات. وأمام سيل الاتصالات التي تتلقاها بعض البرامج الفضائية الشهيرة المتخصصة في هذا المجال ويخرج منها الشيخ أمام سمع وبصر الملايين ظافراً مرفوع الرأس لما يعلمه من مخبآت الأمور عن أناس محجوبين عن بصره وأمام مذيعة لبنانية أو مصرية ظريفة لطيفة ومحتشمة في نفس الوقت كتلك التي يقابلها الشيخ النطاسي المسلح بالقرآن لا يملك المشاهد العربي المسكين إلا أن يشاور عقله فيشكك بقناعاته ويراجع بديهياته حول ما يكون قد نشأ عليه من الثقة بالعلم ونبذ الخرافة وهذا بالضبط ما يرمي إليه مرتكبو مثل هذه البرامج من الأنس والجنّ.
يكفي أن يعرف الشيخ اسم المتصلة واسم والدتها وتاريخ ولادتها بالتقويم الميلادي حتى يباشر التمتمة والغمغمة وإغماض العينين وتحريك اليدين في الهواء لتقع الفريسة غائبة عن الوعي ومضرجة بدماء عقلها، يخبرها – بإذن الله طبعاً – بجميع ما وقع ويقع وسيقع معها لا تستثني من ذلك رزقها وصحتها وساعة وفاتها والمسكينة أمام كل ذلك لا حول لها ولا قوة وقد اجتمع عليها في الوقت ذاته سلاطين الدين والجهل والفضول والعصر الذكوري بكل جبروتهم فلا تثريب عليها ساعتئذٍ.
يذكرني هؤلاء ببعض تجار العملة والمخدرات الذين يفتح الله عليهم فيفتحون في بلداننا – التي تستورد كل شيء – مكاتب استيراد وتصدير من باب التغطية على نشاطهم الحقيقي. ووجه الشبه هنا هو أن كهنة الفضائيات وسحرة العصر الحديث الذين يتلبسون بلبوس العلم الديني – الإسلامي غالباً – زاعمين أن جميع الكشوفات والعلاجات التي يلقيها الله على أيديهم وألسنتهم إنما تتم ببركة تلاوة السورة الفلانية من كتاب الله أو الدعاء الفلاني من سنن رسول الله بالإضافة طبعاً إلى توابعها الشامانية من التنقيع والتبخير والتمسيح والتمطيط والتمائم والحجابات وسوى ذلك من منكر الترهات وباطل الخرافات ولكن – لبراعتهم وسوء حظنا – ليس بتلك الصورة البشعة المتخلفة والمضحوك عليها التي نراها ونسمع بها في السينما المصرية منذ عقود وإنما بشكل يلاعب فيه العقل ويدغدغ المنطق ويقنع أنصاف المتعلمين وأرباع المثقفين.
لا يزعم هؤلاء الدجالون أنهم مطلعون على الغيب – يمنعهم تواضعهم الجم من التصريح بعكس ذلك – ولكنهم لا ينطقون على الشاشة إلا بأن كذا سيقع وكذا سيحدث في يوم كذا وساعة كذا ومكان كذا حتى وصلت الوقاحة بأحد أساطينهم أن أعلن على الشاشة وهو في قمة الزهو أنه رأى بأم عينه الشخص الذي " يقول للشيء كن فيكون " !!!
لم يعد خافياً على أحد أن تلك القنوات ترتزق من هؤلاء ما يعينها على تغطية أجور القمر الصناعي الباهظة ولكن على حساب تغييب عقول آلاف مؤلفة من المشاهدين والمشاهدات، وتلك صفقة أقلّ ما يقال عنها أنها غير منصفة .