وسائل الإعلام وثقافة الجموع (4)

  هناك ضرورة للحوار المجتمعي داخل كل مجتمع يتجه نحو البناء الديمقراطي. فالمجتمع الحواري ديمقراطي بهذه الصفة، أو هو مجتمع في الطريق السليم نحو هذا النظام المجتمعي. هناك عوامل متعددة تلعب دورا في تطوير الحوار المجتمعي، ونأخذ في هذه الدراسة الإعلام من حيث هوعامل من عوامل الدفع بالحوار المجتمعي نحو الارتقاء شكلا ومضمونا. وغايتنا الآن هي البحث في المظاهر التي تتيح للإعلام بأشكاله المختلفة أن يلعب هذا الدور المجتمعي، دون أنغفل البحث عن المظاهر التي تعوق هذا الدور.

 

نأخذ الإعلام هنا بكل أشكاله: الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي. وقد عرف الإعلام في كل هذه الأشكال تطورا تمثل في توسعه وتجديد تقنياته، كما توسعت إمكانية الاتصال به مع أكبر عدد من المتلقين لإنتاجه. زاد، كذلك، الوعي بأهمية الإعلام في صيرورة الحياة المجتمعية، والسياسية والثقافية بصفة خاصة، كما نما الوعي لدى كل الجهات المعنية بضرورة الأخذ بكل مايساعد الإعلام بأشكاله المختلفة من مظاهر التطور التقنية، وتنويع أشكال التواصل والبرامج المرتبطة بالوظيفة المجتمعية المنشودة.

 

قدمنا الظاهرة الإعلامية في تناول سابق لها بوصفها ظاهرة ثقافية، أي بوصفها جزءا من الفعالية الثقافية( كان ذلك في مقال تحت عنوان: الثقافة والإعلام، وقد نشرناه في البداية ضمن ركن أوراق فكرية ضمن تناولنا للمسألة الثقافية، وذلك سنة 1993، ونشرناه سنة2007، ضمن كتابنا البعد الثقافي 2007 )، وركزنا حينئذ على علاقة التداخل وتبادل التأثير بين الثقافة والإعلام. ونحتفظ من ذلك في مقامنا الحالي بتأكيدنا على أن المهمة الإعلامية تتطلب تكوينا ثقافيا عاما، ، وتكوينا ثقافيا متخصصا في الظواهر التي يتعلق بها الفعل الإعلامي من جهة أخرى.( ظواهر ثقافية عامة أو علمية بصفة خاصة، ظواهر اقتصادية أو سياسية أو مجتمعية أو رياضية…الخ) فالمهمة الإعلامية، كما أكدنا ذلك في دراسة سابقة أخرى، ليست مجرد مهمة إخبارية، بل هي مهمة إخبارية- دون ازدراء هذا المستوى منها-  وفوق ذلك مهمة تقدم لمتلقيها تحليلا للخبر يساعده على تمثل الوقائع وفهمها. وهذا هو الجانب الذي تفيد فيه الثقافة العامة والمتخصصة للإعلامي ( راجع مقالنا: الممارسة الإعلامية بين الخبر وتحليله، وقد نشر بموقع" الأوان") ذلك أنّ الجانب الثقافي للإعلام ضمانة من ضمانات قيامه بوظيفته في كل مستوياتها على أفضل وجه.

 

ننطلق من الإيمان بأن الإعلام في كل مجتمع مظهر من مظاهر نموه أو تأخره في هذا النمو، وهو يتبادل التأثير في ذلك مع مظاهر أخرى في الحياة المجتمعية، ولذلك نرى تأثيره إيجابيا أو سلبيا بحسب وضعه وتوجهات تطوره. وللنمو، كما نأخذ به، مظاهر مادية وأخرى ثقافية وكيفية، والإعلام واحد من هذه المظاهر الأخيرة. وللحوار المجتمعي دور في الوعي بمظاهر النمو المطلوبة وتحديد الوسائل والطرق بالسير في اتجاه ذلك النمو. المطلب الحالي هو البحث في مدى مساهمة الإعلام بكل أشكاله في تنمية الحوار المجتمعي، ثم عبر ذلك في مساهمته إلى جانب عوامل أخرى في التطور نحو التنظيم الديمقراطي للمجتمع. لكن الإعلام الذي نطلب منه هذا الدور يكون هو ذاته في حاجة إلى شروط تؤهله لكي يلعب الدور المنتظر منه.

 

نشعر في السياق الحالي لموضوعنا بالفائدة الإجرائية بتحديد المعنى الذي نتحدث به عن الحوار المجتمعي. فإننا لا نأخذه بالمعنى الضيق الذي تنحصر فيه دلالته على المشكلات المتعلقة بالمطالب التي تتعلق بالشغل وشروط الطبقات الشغيلة وما تنادي به من حقوق في إطار عملها. فما نقصده بالحوار المجتمعي هو ذلك الانفتاح الذي يكون للمجتمع بكل مكوناته على القضايا الأساسية المطروحة فيه بكل جوانبها وبكل مستوياتها، وبمشاركة كل التوجهات الفكرية والسياسية المتواجدة في المجتمع. ومن شأن الإعلام أن يحقق هذه المشاركة، بل وإنه يبدو قادرا على إشراك كل الفئات يما فيها تلك التي تكون متلقية أكثر منها مساهمة في الحوار بطريقة مباشرة. الحوار الذي نرى المجتمع في حاجة إليه ممارسة ديمقراطية تتوافق مع رغبة المجتمع في السير في طريق هذا النظام المجتمعي، كما تعبر في الوقت ذاته عن جدية تلك الرغبة وصدقها. المجتمع الذي لا يتحاور حول قضاياه ليس مجتمعا ديمقراطيا، بل وإنه لا يسير، كما قد يعلن عن ذلك، في هذا الاتجاه.

 

يتركز سعينا في المحاولة الحالية في الحديث عن الإعلام الذي نرغب في تطويره وفي حضور دوره الإيجابي في سيرورة الحوار المجتمعي. ولكننا تمهيدا لهذا المسعى نبحث في العوائق الذاتية، أي التي تخص المنابر الإعلامية، والمجتمعية التي تعوق الإعلام عن القيام بدوره المطلوب.

 

منذ ظهور المطبعة تطور الإعلام المكتوب، وصار وسيلة بدون نظير في السابق لنشر الخبر والرأي والتحليل. وقد صار بإمكان الناس في نفس البلد، في البداية على الأقل أن يعلموا عبر الإعلام المكتوب ذاك الوقائع الجارية في محيطهم المباشر وفي بلدهم ككل. ونعلم أنه صار من الممكن بعد ذلك انتقال الصحف من بلدها الأصلي إلى بلدان العالم الأخرى، وأن ذلك تطور مع تطور وسائل النقل وسرعتها. وهكذا، كما صار العالم موحدا بفضل وسائل الاتصال والتواصل، صار كذلك واحدا بأخباره وبتحليل الإعلام لتلك الأخبار.

 

   تطور بعد ذلك الإعلام المسموع وصار الصوت الناقل للخبر والمحلّل له قابلا لتلقيه في أنحاء العالم المختلفة، وهو كما نعلم أسرع انتشارا من الإعلام المكتوب وأوسع تأثيرا من حيث إنه يعم من يقرؤون ومن لا يقرؤون.

 

ظهرت تطورات علمية وتقنية زادت من قوة الإعلام وانتشار دوره وزيادة تأثيره. ونقصد هنا الإشارة إلى ظهور التصوير، ثم التصوير الملون، ثم الصورة الحركية، ثم التلفزيون، والقنوات التلفزيونية الأرضية وبعد ذلك الفضائية التي يمكن التقاطها في أنحاء العالم المختلفة. كان لهذه الاكتشافات العلمية- التقنية التي توالت منذ القرن التاسع عشر، وزادت وتيرة ظهورها في القرن العشرين أثر على مهمة الإعلام التي تطورت في أشكالها وطرق تفاعلها مع الجمهور المتلقي لها.

 

عرف القرن العشرون ، في نصفه الثاني بصفة خاصة، إضافة مصدر جديد للمعلومة بصفة عامة وللخبر والتواصل بصفة خاصة هو الشبكة الإلكترونية للمعلومات التي أصبحت تضم إلى جانب مظاهر أخرى منابر إعلامية إلكترونية. أصبحت المعطيات متوفرة، وأصبح التواصل بها سريعا وفعالا، وصار له دور جعل التواصل بالأخيار والمعلومات مباشرا بين الناس من مختلف أنحاء العالم، متجاوزا كل الحدود وكل أشكال الرقابة على المعلومة والخبر.

 

   أدت التطورات السالفة الذكر التي استفادت فيها الممارسة الإعلامية من التطور العلمي- التقني، إلى تزايد الطلب في المجتمعات الإنسانية المختلفة على الدور الثقافي للإعلام، وعلى ضرورة انخراط وسائل الإعلام بكل أشكالها في طرح القضايا المجتمعية وفي تطوير الحوار بصددها. وقد لعب الإعلام بالفعل دورا تثقيفيا عاما بحيث يمكننا القول إن الإعلام ساهم في الرفع من المستوى الثقافي العام، بما في ذلك مستوى أولئك الذين لا يقرؤون ولا يكتبون. فلم يعد هؤلاء محرومين نتيجة لأميتهم من متابعة أخبار بلادهم ومتابعة أخبار العالم بصفة عامة، بل وأكثر من ذلك، فإنهم غير معزولين عن تحليل الوقائع والأخبار، وخاصة عبر الإعلام المسموع والمرئي.

 

ويتعزّز الدور الثقافي للإعلام بما تقدمه وسائل الإعلام المسموعة والمرئية بصفة خاصة من برامج وثائقية، وأحرى حوارية، وكذلك التقارير المتعلقة ببعض القضايا.

مهدنا لقصدنا البحث في شروط تطوير الإعلام لكي يلعب دوره في تنمية المجتمع ببيان أهمية الإعلام، مشيرين بإيجاز في نفس الوقت إلى أهمية الإعلام والتطورات التي لحقت أشكاله وجعلته مؤهلا لكي يلعب دوره في الحوار المجتمعي المرغوب فيه بوصفه شرطا من شروط المجتمع الديمقراطي. ولم نختر أن يكون حديثنا مباشرة عن العوائق التي تعوق الإعلام عن لعب الدور الأساسي المطلوب، لاعتبارنا أن تلك العوائق تظهر خلال صيرورة الإعلام وتطوره، لأنها جزء من هذا التطور ذاته.

 

   نرى ضمن هذا الجدل الذي أشرنا إليه بين الإعلام وإشكالاته، أن التطورات التي عرفها القطاع الإعلامي السمعي والمرئي، بصفة خاصة، بتأثير من التطور التقني، تسمح هي ذاتها بخروج الإعلام عن الوظيفة المطلوبة منه وانتقاله إلى ممارسات مضادة للتوجه الذي يرغب فيه كل مجتمع لدور الممارسة الإعلامية. فكما ساعد التطور التقني على تقوية دور الإعلام وتوسعه في نشر الخبر والمعلومة، فإن ذلك التطور ذاته زاد من قدرة الذات المرسلة للمادة الإعلامية على القيام بالمهمة الإعلامية ضمن مقاصد أخرى منها الكذب والتمويه والتعديل بالزيادة أو النقصان المقصودين من أجل تحقيق غايات معينة، كما أن هناك حالات السكوت عن الخبر أو التعامل معه بالإغفال المقصود، بل وقد يتم تشويه الخبر ونشره على غير حقيقته لإلحاق الضرر بجهات يقصد مثل هذا الإعلام الإساءة إليها. يستخدم الإعلام في هذه الحالة التقيات السمعية والبصرية، ولكن لغير غاية تحسين شروط نقل الخبر أو المعلومة، بل للسلوك بذلك الخير تقتضيها مصلحة المرسل في التمويه على المتلقي. وقد تطورت إلى حد بعيد تلك التقنيات التي تمكن مستخدميها من إجراء تحولات في صيغة الوثيقة التي تدل على الخبر سواء كانت سمعية أو بصرية أو مكتوبة.

 

لا يستخدم الإعلام الذي يسير في هذا الاتجاه من التقنيات المستخلصة من القوانين الفيزيائية فحسب، بل يستفيد أيضا من التقدم الحاصل في مجموع العلوم الإنسانية، النفسية والاجتماعية واللغوية والسيميائية والسيميولوجية، إذ قدمت هذه العلوم معارف عن الإنسان وتشكلت منها تقنيات للتعامل مع هذا الإنسان. والذي يهم الإعلام هنا هو متلقي المادة الإعلامية. تنصب دراسات الإعلام المستندة إلى العلوم الإنسانية على دراسة المتلقي من أجل معرفة مكوناته وآليات سلوكه، وتدرس بصفة خاصة الكيفيات  التي تتيح التأثير فيه في الاتجاه الذي تريده الجهة المرسلة للمادة الإعلامية. إصباح الإعلام في حالات منه يقصد إلى توجيه المتلقي لتقبل تأويل معين للأحداث، إذ الخبر المتعلق بها لا يكون متحررا من كل العوامل الذاتية لمرسله، علما بأن ذلك لايسير في اتجاه الخبر الصحيح وخدمة المصلحة العامة للمجتمع.

 

    حين تصبح الوجهة التي أشرنا إلى معالمها الأساسية هي الطاغية على المهمة الإعلامية، فإنه لا يمكن للإعلام في هذه الحالة أن يكون له الدور المأمول منه في الحوار المجتمعي الذي موضوعه القضايا الأساسية المطروحة على كل مجتمع. فالحوار المجتمعي الحق مظهر من مظاهر الديمقراطية في المجتمع، وعامل من العوامل المساهمة في إقامة المجتمع على أساس هذا النظام السياسي والمجتمعي. وهو، من هذه الناحية ولكي يؤدي الدور المطلوب منه، مضاد لكل أشكال التمويه الذي يقصد توجيه الفكر وجهات غير ملائمة لحقيقة الوقائع التي يفكر فيها.

 

   حين يمرّ الحوار المجتمعي في القضايا الأساسية التي تهم المواطنين عبر وسائل الإعلام، وبخاصة أقواها تأثيرا اليوم، أي القنوات الإعلامية المسموعة- المرئية،  فإنه يصل بذلك إلى عدد كبير من الناس، وهو عنصر إيجابي من حيث إن ذلك يساعد على تكوين وعي لدى عامة الناس بالقضايا المطروحة على المجتمع وبوجهات النظر المختلفة المتواجدة يصددها. يساهم الإعلام بذلك في إشراك جمهور واسع في التفكير في مشكلات المجتمع وفي دعم الحوار القائم بصدد تلك المشكلات، وهذا هو المطلوب منه.لكن، حين يكون حضور مشكلات المجتمع في الإعلام  مؤطرا بالتقنيات الفيزيائية والنفسية والاجتماعية التي تبعد المتحاورين عن الموضوع وتدفعهم إلى التفكير في هوامش ليست من جوهر الإشكال المطروح، فإن الإعلام يلعب في هذه الحالة دورا سلبيا في الحوار.

 

   الحوار المجتمعي الجاد والناجع بالنسبة لمشكلات المجتمع هو الذي ينبني على معطيات حقيقية حول الموضوع الذي يتناوله ويقوم فيه المتحاورون بعرض وجهات نظرهم. أما إذا قع عن قصد، وهو ما يهمنا هنا، تغيير المعطيات وتوجيهها لصالح فرض بعض التأويلات أو لإخفاء جزء من تلك المعطيات، فإن الحوار في هذه الحالة يكون فاقدا للفعالية المرجوة منه ، وهي الحالة التي تؤدي به إلى نتائج عكسية تجعله نوعا من التمويه على المشكلات المطروحة أكثر مما هو عامل مساعد على فهمها والاتجاه نحو حلها. نخلص من الذي انتهينا من ذكره إلى أن التقدم التقني ليس في حد ذاته عاملا من أجل بلوغ الدقة في الخبر لكي يكون مطابقا للوقائع التي يتعلق بها، وذلك لأن ذلك التقدم التقني قد يستخدم للذهاب في الطريق المؤدي إلى القصد المضاد لما هو مطلوب منه. وهذا ما نلاحظه في إعلام اليوم سواء داخل نفس المجتمع أو في العلاقة بين المجتمعات. ونلاحظ أن الدور التمويهي للإعلام يظهر مع احتداد الصراعات المجتمعية أو الدولية. وقد ظهر منذ بداية التسعينات من القرن العشرين اعتماد الإعلام على التمويه في حالة الحروب التي شهدها العالم منذ ذلك الوقت.

 

يظل موقفنا، مع ما سبق ذكره، مع الإعلام الذي يلعب في مجتمعه دورا إيجابيا في تعميق الحوار المجتمعي حول القضايا التي تشغل المجتمع، وتظهر بصددها مواقف ووجهات نظر مختلفة، بل وقد تكون موضعا لصراعات مجتمعية. يكون المجتمع في هذه الحالة في حاجة إلى حوار يوضح مكونات تلك المشكلات المطروحة، ويبرز السبل المقترحة لتجاوزها، ولذلك فإن المجتمع ينتظر من الإعلام أن يكون له دور الدفع بالحوار خطوات إلى الأمام. ولهذا السبب نرى أنه من الملائم في إطار تنمية شاملة أن تتجه السياسة الخاصة بالإعلام نحو تطويره وتجهيزه بكل التقنيات التي تمكنه من أن يلعب الدور المأمول منه. المجتمع ذاته هو الذي يترجم حاجته لدور الإعلام بتقوية هذا الإعلام بكل أشكاله. ونوجز القول في الشروط المجتمعية للإعلام بقولنا إنها تتمحور حول شرط أساسي هو الحرية. فالإعلام بكل أشكاله في حاجة إلى الحرية لكي يقوم، حقا، بالدور المطلوب منه.إنها حرية تمسه في مؤسساته، ومصادر معطياته، وفي العاملين به من حيث التعبير عن آرائهم ووجهات  النظر التي يذهبون إليها في تحاليلهم لما يجري في المجتمع من وقائع تمس الحياة السياسية والاقتصادية والمجتمعية.إن هذه الوقائع تهم الجميع ، مادامت تجري على مستوى الحياة العامة المشتركة، وليس من حق السلطة، ولامن حق أية فئة من فئات المجتمع الاستئثار بمعرفة تلك المعطيات، والذهاب في تأويلها في اتجاه معين.

 

نلاحظ أن البلدان المتقدمة في مسارها الديمقراطي متطورة أيضا في توفير مناخ الحرية بالنسبة للإعلام فيها، وهو الأمر الذي جعل الإعلام فيها منفتحا، بدون قيد عدا قيد القانون،على كل قضايا المجتمع، وعلى كل وجهات النظر المتعلقة بها في الوقت ذاته.وعلى العكس من ذلك، فإن البلدان التي تغيب فيها الديمقراطية أو يكون مسارها متأخرا في هذا المجال لا توفر القدر المطلوب من الحرية لإعلامها حتى يكون مؤهلا للمساهمة في تنمية الحوار المجتمعي بصفة خاصة، وفي تطوير المجتمع بصفة عامة.فبقدر ما تكون السلطة مطلقة متحررة من كل قيد ديمقراطي بالنسبة للمجتمع، فإنها تميل إلى فرض هيمنتها على كل مجالات الحياة والفعالية المجتمعية،ويكون الإعلام من بين أهم هذه المجالات ، إذ هو المجال الذي يقع بفضله الاتصال ويجري عبره التواصل بالمعطيات التي تهم قطاعات المجتمع.والهيمنة على الإعلام يكون في هذه الحالة من بين مظاهر الهيمنة الشاملة، ومن بين مظاهر الاستئثار بالاتصال ومراقبته واستخدامه لصالح الفئات التي توجد في السلطة.يتلاءم الإعلام الذي لا تتوفر له شروط الحرية مع الوضع المجتمعي الذي تسود فيه حقيقة واحدة هي حقيقة الفئات المهيمنة فيه.

 

    بدأ الوعي يتطور بضرورة تحرير الإعلان من كل تبعية، وذلك من أجل مصداقيته وتحقيق شروط المهنة فيه، ثم من أجل إنجاز مادة إعلامية تكون متحررة من كل توجيه مسبق عدا التوجيه الذي يفرضه عليها موضوعها.وقد نشأ بدافع من هذه الفكرة إعلام مستقل عن الدولة وعن الأحزاب في الوقت ذاته.وقبل أية ملاحظات تقال في حق هذا الإعلام المكتوب الذي نما بشكل ملحوظ، لابد من الاعتراف له بالخطوات التي خطاها بالواقع الإعلامي في اتجاه تحريره من الأطر المسبقة.فالإعلام المتحرر من التوجيهات القبلية يكون أقرب إلى التوجه إلى حقيقة الموضوعات التي يتعلق بها.ومن دلائل ذلك أن هذا الإعلام الجديد بدأ يتطرق لموضوعات ظلت إلى حين قيامه في الظل بالنسبة للإعلامي التابع للدولة أو للأحزاب. فالحرية التي تمكن منذ نشأته من انتزاعها ساعدته على تناول كثير من الموضوعات وطرحها للنقاش العلني الجماعي.

 

جاء بعد التطور السابق تطور أقل منه فيما يخص الإعلام المسموع والمرئي.ولكن الحريات المطلوبة في هذا المجال هي في طور المشروع أكثر مما هي في طور المنجز.وهي منتظرة من أجل إعلام مهيّإ للمساهمة في تنمية البلاد ، وفي إيجاد شروط الحوار المجتمعي.

 

عالجنا في دراستنا الحالية علاقة الممارسة الإعلامية بالحوار المجتمعي، ولكننا لا نغفل أن كل طرف منهما موضوع أكثر سعة من مجرد حصره في هذه العلاقة، لأن كلا من الإعلام والحوار المجتمعي يدخل في علاقة مع مظاهر أخرى من الصيرورة المجتمعية العامة. فهناك دائما مجال لتناول الإعلام أو الحوار المجتمعي في علاقته بشروط نمو المجتمع الأخرى.

تقرؤون في هذا الملف:

 علي جازو، وسائل الإعلام وثقافة الجموع (1): وسائل الإعلام الجمـاهيري… طغيـان الأسـلوب الصـوري وضحـالـة القيمة الفكريـة

 

إبراهيم فرحان خليل، وسائل الإعلام وثقافة الجموع (2): في أحوال علم التنجيم الفني

 

سعيد ناشيد، وسائل الإعلام وثقافة الجموع (3): من يتحكّم في السّلطة الرّابعة؟