يا طير البرق .. أخيراً وصلت!

عبدلكي، اسم من الصعب تجاهله. منذ ما يقرب من النصف قرن، وهذا الرجل لم يكف عن بناء حياته، وبالأحرى تاريخه، خطوة خطوة. وكان في كل الحالات، رجلاً متعدداً، عدوه اللدود التشابه. لم يكن سياسياً، كما لم يكن فناناً، كان فناناً سياسياً، مسكونا بهموم الوطن، والإنسان، الترجمة الحرفية لهذا الوطن.

اختار المنفى منذ وقت مبكر، وآثر الغياب على الاختناق في صيغة حكم الحزب الواحد، واللون الواحد والشعار الواحد….. وكانت باريس وجهته ومنفاه.

في هذا اللقاء لا نطل على عبدلكي بوصفه فناناً، بقدر ما نطل عليه بوصفه إنساناً سوريا مسكونا بلغة الرفض.

“اليد المقطوعة” إحدى لوحاتك، المهداة لجيل السبعينات (جيلك) ماذا تفكر أن تهدي الشعب السوري في انتفاضته الراهنة؟

العلاقة بين الحدث والعمل الفني ليست علاقة ميكانيكية، مباشرة، أو قريبة في الزمن بالضرورة، في بعض الأحيان من الممكن أن تخلق أعمال هي فعلاً بنت اللحظة، وممكن أن تستغرق أعمالا أخرى سنوات طويلة حتى تنجز، لوحة “غرينكا” أنجزت أثناء الحرب الأهلية، وبعد أسابيع من قصف القرية الإسبانية، من قبل الطيران النازي؛ بينما لوحة “الحرية تقود الشعب” لـ “ديلا كروا” رسمت بعد خمس وعشرين سنة من الثورة الفرنسية، بالتالي العلاقة بين العمل الفني والحدث ليست علاقة مرتبطة بالزمن المباشر، بل لها زمنها الخاص، لذا الفنان عليه ألاّ يستعجل العمل وألاّ يؤخره، بل أن يستجيب لمتطلباته الداخلية تجاه الحدث.

تقول ذلك رغم أنك الآن في قلب الحدث!! حدث بهذه الضخامة، كيف يمكن أن تنجو كفنان من تأثيره المباشر على أعمالك؟

أعمالك بالمجمل ليست بريئة من الفعل السياسي، سأذكرك بمجموعة لوحات “أشخاص” التي اعتبرتها شهادة من قبلك على مرحلة الثمانينات، كيف بإمكانك الآن بعد أكثر من عشرين عاماً أن تنظر إلى هذه الشهادة؟

 

خلال الخمس عشرة سنة الماضية، كان عملك منصباً على الطبيعة الصامتة، وكنت بذلك تحاول الابتعاد عن الهم السياسي وتحاول الاقتراب من الهم الاجتماعي، هل هذا الكلام ساري المفعول لحد الآن؟

 

هذا بناءً على إحدى الردود التي قدمتها في إحدى المقابلات!!!

أعمال مجموعة “طبيعة صامتة”، وأسميها بهذا الاسم تجاوزاً، كون العناصر التي أعمل عليها، هي عناصر لها علاقة بالطبيعة الصامتة، مثلما رُسمت منذ قرنين أو ثلاث في كل العالم، هذا الموضوع “الطبيعة الصامتة” بغض النظر عن العناصر الموجودة فيه، هو (لطيف، مهذب، هزيل) يمكن أن توضع اللوحة في غرفة المعيشة أو في الصالون… إلخ، أرسم أحياناً ورد، أسماك …، لكن دلالاتها أو الشحنة التعبيرية الموجودة فيها ليس لها علاقة أبداً، بالشحنة التقليدية التي تحملها الطبيعة الصامتة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، عندما أرسم أسماكاً رؤوسها مقطوعة أو مربوطة أو زهرة محبوسة بصندوق، أو يداً مقطوعة، أو جمجمة مربوطة…. الخ، كل هذه العناصر يمكن أن تراها في الطبيعة الصامتة، لكن دلالتها والشحنة التعبيرية التي تحملها هي نقيض للشيء الهادئ والتزييني الموجود في لوحات الطبيعة الصامتة المتعارف عليها، لذا المصطلح نفسه مصطلح ملتبس بالنسبة للوحاتي وغير دقيق، أعتقد أن أي إنسان عندما يرى لوحة لسمكة مثبته بمسمار، أو مقطوعة الرأس رغم ذلك تفتح عينيها احتجاجاً على مصيرها، أعتقد أن الدلالة السياسية لهذه اللوحة واضحة، وهناك تعريج على شرط أبعد من الشرط السياسي المباشر، الشرط الإنساني، ومصائر البشر، النكهة السياسية واضحة حتى بهذه المجموعة.

 

نحن متفقون على أن الفن مثل الفلسفة يأتي بعد الحدث، أحياناً هناك فن تنبؤي إن جاز التعبير، أنا عندما أنظر إلى لوحة السكين والعصفور، أراها حاضرة في هذا الحدث الآن، السكين العملاقة لا تتناسب -ضمن المفارقة المطروحة في اللوحة- مع العصفور اللطيف، لأي درجة قادرة هذه اللوحة أن تكون راهنية كلغة احتجاج لما يجري الآن؟

 

هل فاجأك الحدث في سورية؟

لا … بمعنى أن كل العوامل الموجودة، في المجتمعات العربية الأخرى، التي قامت بها حركات الاحتجاج والثورات موجودة في سورية.

نعم… فوجئت لأنه خلال فترة طويلة، ظننت أن جملة التعقيدات المتعلقة بالمجتمع السوري، والتركيبة الدينية الموجودة من جهة، وعدم حيادية مؤسسة الجيش من جهة أخرى، كلها عوامل يمكن أن تؤخر هذا الحدث، لكن لحسن الحظ أن شجاعة البشر هي أفضل وأرقى من توقعات المراقبين، ومن ينظروا ببرود، للعناصر المحيطة بأي مجتمع.

 

مجتمعنا مهدد في هذه اللحظة بانفجارات طائفية أو غير ذلك، يرفضها الشارع، رغم التسويق الإعلامي الموجود للطائفية، برأيك هذا التخريب السياسي والإعلامي الممنهج، عبر العقود الأربعة الماضيةً، هل يمكن أن يشجع على أشكال من الصراعات التي لا نقبلها كمثقفين ومسيَّسين؟

 

عبر العقود الماضية تم تفريغ الساحة السورية من كل العمل السياسي بكل مضامينه، والثورة السورية فاجأت الجميع، لأي درجة الآن هناك مسافة تفصل بين النخب المثقفة والسياسية وحركة الشارع المنفصلة عن تلك النخب؟

برأيك لا خوف على “الثورة” بسبب غياب قيادات سياسية واضحة المعالم، ومن الممكن استمرارها رغم الغياب الجزئي للقياديين؟

(العسف الدموي وإمكانية تفجر احتقانات طائفية هما الخطران اللذان يهددان الثورة).

ماذا عن لوحتك “قيد الإنجاز”؟

لقد رسمت لوحة لانتصار الثورة في مصر، وأسميتها بالكلمات الأولى من أغنية الشيخ إمام، (صباح الخير على الورد اللي مفتح..)، أما هذه اللوحة، لم أنته منها، ولم أوقع عليها، يمكن أن أضيف عليها أو أحذف منها، أو أحذفها كلها…. لكن لدي حالة عاطفية في داخلي، لم أستطع التعامل معها بعد بانضباط كما هي عادتي، في أسوأ الأحوال يمكن أن تكون هذه اللوحة بداية لسلسلة لوحات عن الوضع الذي تمر فيه البلد الآن، رغم أني بالمعنى النظري لست مستعجلاً على إنجازها، لكن لدي ضغوط عاطفية شديدة تجعلني أعمل وأقف، أعمل وأحجم، وأتابع وأتريث… لذا لا بأس سأعطي اللوحة المزيد من الوقت، لكي تريك نفسها كما هي، أو تتغير ، أو تحذف نفسها، أو تولد منها لوحات ثانية.

سأدع الزمن يلعب اليوم أيضاً كما كانت عادته دائماً، وسأحاول ـ ولست واثقاً من نجاحي ـ ألّا أدعه يلعب على هواه.