
ربما بدا تبجّحا وغرورا بل وغير لائق على الاطلاق أن أقول إن 11 سبتمبر قدّم لي أكبر خدمة في حياتي. ما كنت أتوقّع هديّة بمثل هذا الحجم! على الأقلّ هكذا كان شعوري عندما حصلت الضربة أو بعدها بثواني. لم أتجرّأ في السّابق على قول هذا الكلام خشية حصول سوء فهم وتأويل خاطئ لمقصدي. وإذ أقول ذلك فإنّي أعتذر بالطبع لعائلات الضحايا من أميركان وغيرهم وأنحني أمامهم جميعا. فما قلته شماتة بهم ولا استهانة بفجيعتهم وتضحياتهم..على العكس تماما. أريد أن أقول وهذا أكبر عزاء يقدّم لهم: إنّ دماء أبنائكم وضحاياكم لم تذهب سدى. بل إنها سرّعت حركة التاريخ وسوف تعود بالخير العميم على البشرية. ذلك أنّها ستعجّل حركة الاصلاح والتنوير داخل العالم العربيّ والإسلاميّ ..ولكن اسمحوا لي يا أهالي ضحايا 11 سبتمبر أن أثني أيضا على الضحايا الآخرين الذين سبقوا ضحاياكم ومهّدوا لهم الطريق بشكل من الأشكال. اسمحوا لي أن أتوقّف دقيقة صمت على أرواح المثقفين والجامعيين والأطباء والصحفيين والكوادر الأخرى الذين سقطوا تحت رصاص الأصوليين في سوريا الثمانينات وفي مصر والجزائر والسودان وايران وبقية انحاء العالم العربيّ والإسلاميّ. ولا أنسى الذين سقطوا في تفجيرات تونس والدار البيضاء والرياض وشرم الشيخ و11 مارس في مدريد و7 يوليو في عاصمة التنوير الأولى: لندن. وربّما في أماكن أخرى ..كلّ هؤلاء دلّونا على الطريق وسقطوا نيابة عنا..
لكن لنعد إلى صلب الموضوع. كنا قلّة قليلة نشتغل على مسألة الأصولية الإسلامية ونعتبرها القضية الأساسية لعصرنا. وكنا نستغرب كيف لا يشعر الآخرون بذلك أو لا يولون الموضوع الأهمية التي يستحقّ. هل كنّا نشعر بالوحدة والعزلة لأنّنا نقضي معظم وقتنا في ترجمة هذا النصّ أو ذاك عن معنى السلفية والأصولية والتعصّب الدينيّ الأعمى؟ بدون شك. وكنا نخاف الأصولية. كنا نشتغل في الظلّ والصّمت وتقريبا نمشي على رؤوس أصابعنا.. حتى من التّرجمة كنا نخاف فما بالك بالكتابة المباشرة التي تتحمل مسؤوليتها أنت وحدك؟ وكنا نتحاشى طرْق الموضوعات الحساسة بشكل مباشر ونتّخذ احتياطات عديدة كيلا نُتّهم بشتّى التّهم حتى من قبل المثقفين الذين يزعمون ظاهريا أنهم مع الحداثة والديموقراطية وحقوق الانسان بل ويزايدون عليك في ذلك. ولكن ما ان تلمس مشكلة الأصولية حتى يقولوا لك: قف! هنا خطّ أحمر. ممنوع الدخول. هذا تراث الآباء والاجداد، هذه مقدّسات الأمّة وثوابتها ولا نقبل أن يمسّها أحد..ثم إنّها لا تعرقل إطلاقا إدخال الحداثة والديموقراطية الى العالم العربيّ الإسلاميّ. أين هي المشكلة يا رجل؟ أنت تخلق مشكلة من العدم..الإسلام ليس مشكلة ، الإسلام غير الأديان الأخرى لأنه دين التسامح والعقل ولم يعرف في تاريخه محاكم التفتيش ولا ملاحقة العلماء والمفكرين على عكس ما حصل في المسيحية الاوروبية. ثم انه لا كهنوت في الإسلام ولا إكراه في الدين ولا قمع ولا تمييز طائفي ولا يحزنون.. وبالتالي فلا توجد أيّ مشكلة دينية عندنا. المشكلة هي فقط في الأنظمة الحاكمة والامبريالية الغربية والاستعمار والصهيونية…
بعيد عني أن أقلّّل لحظة واحدة من خطورة الأنظمة البوليسية الحاكمة ومدى فسادها وتهافتها. ولكن من لا يرى أنّ المعارضات الأصولية التي تريد الحلول محلها هي بالنسبة لنا كالمستجير من الرمضاء بالنار؟ ألا تكفينا تجربة ايران وافغانستان الطالبان والسودان والباكستان وسواها كي نفهم ونتّعظ؟ ثم ّإن الأصوليين، أو لنقل بوضوح أكثر الإخوان المسلمين، يحكمون العالم العربيّ حتى وهم في المعارضة. وأكاد أقول انّهم ليسوا في حاجة للوصول الى السلطة كي تطبق برامجهم على ارض الواقع. فهي مطبّقة. والأنظمة تزايد عليهم من حيث انتهاج سياسة التتريث وبناء الجوامع الى ما لا نهاية بدلا من الجامعات والمدارس والمستشفيات والمعاهد العلمية الحديثة. إنها تزايد عليهم من حيث تطبيق ما يدعى بالشريعة والتضييق على الحريات العامة في الاكل والشرب واللبس والكتابة الحرة والتفكير والنشر والتوزيع وأكاد أقول التنفس..في كل يوم نسمع عن مصادرة هذا الكتاب أو ذاك لانه مضاد للشريعة التي اصبحت مضادّة لروح العصور الحديثة ولكل إعلانات حقوق الانسان الكونية. بل تشكّل خطرا على البشرية بأسرها اذا ما طبّقت حرفيا من حيث قطع يد السارق أو رجم المرأة المخطئة او جلد شارب الخمرة أو منع الاختلاط أو عرقلة تدريس نظرية داروين وبقية النظريات العلمية والفلسفية الحديثة.. ولا أعرف كيف يمكن تطبيق الديموقراطية في أي بلد عربيّ او اسلاميّ بوجود الشريعة وكلّ فقه القرون الوسطى المرافق لها! وهو فقه طائفيّ بالضرورة لانّه يفرق ليس فقط بين المسلم والمسيحيّ العربيين وانما الأصولية بين المسلم والمسلم. انظر الصراع السنّيّ- الشيعيّ المندلع حاليا في أماكن شتى.. أين هي المواطنة عندئذ؟ وهل لها معنى في نظر هؤلاء؟ اللهم الا اذا كانوا من أنصار المواطنة من الدرجة الأولى والمواطنة من الدرجة الثانية وربما الثالثة والرابعة الخ.. لم يشرح لي المثقفون المؤيّدون للتحالف مع القوى الأصولية كيف يمكن حلّ هذه المعادلة البسيطة..ولذلك ينبغي تحييد الشريعة وتعطيل تطبيق الحدود فورا كما قال المفكر التونسيّ المسلم المستنير محمد طالبي.
قلت شكرا لـ 11 سبتمبر لانّه فتح مسألة الأصولية الإسلامية على مصراعيها وساعدنا على حشرها في الزاوية بعد أن كانت هي التي تحشرنا. لولاه لما استطعنا طرح هذه الاسئلة وغيرها. ويعجبني هنا ردّ فعل مستشار ألمانيا السابق غيرهارد شرودر الذي لا يستطيع أحد اتهامه بالعمالة للاميركان أو الركوع أمامهم. فله شخصيته القوية المتميزة وغير معروف بعداء مسبق للعرب والإسلام. لقد صرح مباشرة بعد الضربة قائلا: هذه ليست معركة بين الحضارات. هذه معركة من أجل الحضارة. هذه معركة بين الحضارة والبربرية. اين هي الحضارات التي تتصارع مع بعضها البعض رغم كل مآخذنا على السياسة الامريكية؟ وهل بن لادن او ايمن الظواهري او الطالبان يمثلون حضارة؟ هذا صراع للحضارة الحديثة ضد السلفية الظلامية العمياء. نقطة إلى السطر. بعد أن نقول ذلك يمكن أن نفتح ملفات السياسة الاميركية وجرائمها وتجاوزاتها وتضحيتها بالمبادئ لحساب المصالح الانتهازية العاجلة. ولكن ينبغي العلم بأنّ الصراع الدائر حاليا على مستوى العالم كلّه ضدّ الأصولية الإسلامية لا يختلف في شيء عن صراع قوى التنوير الاوروبيّ ضدّ الأصولية المسيحية طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بل وحتى منتصف القرن العشرين فيما يخص اسبانيا فرانكو والبرتغال في عهد سالازار.
شكرا اذن لـ 11 سبتمبر لانّه فرز المواقع وكشف عن نوعية المشكلة الأساسية التي سوف تشغل القرن الواحد والعشرين حتى منتصفه على الاقل. شكرا له لانّه كشف عن حجم المرض العضال الذي ينخر في أحشاء العالم الإسلامي من أقصاه الى أقصاه دون أن يتجرّأ أحد على الاشارة اليه بالبنان مجرد اشارة. بهذا المعنى فهو حدث تاريخي بامتياز. وأكاد أقول بانّه مفصّل تفصيلا على قدّ الوضع! كان يلزم ان يحصل حدث هائل شكلا ومضمونا كي يستيقظ العالم من غفوته أو غفلته ويعرف أنّ هناك مشكلة ضخمة وهائلة تدعى: مشكلة الأصولية الإسلامية. صحّ النوم! نحن كنا واعين بها وبخطورتها قبل ذلك بعشرين سنة على الاقلّ. ولم ننتظر 11 سبتمبر كي نفهم أنّ هناك مشكلة بحجم الجبال..لقد جاءت الضربة للتأكيد على صحة حدسنا لا لنفيه او لنقضه..من هنا فرحتنا المخجلة..
ولذلك،عندما حصل هذا الحدث تنفّسنا الصّعداء وأكاد أقول فرحنا بالمعنى الفلسفي لكلمة فرح: أي بمعنى انه أكّد على حدثنا الأساسيّ الذي بنينا عليه كلّ مشروعنا الفكريّ وضحّينا من أجله بالغالي والرخيص وسهرنا عليه الليالي. وقلنا بيننا وبين أنفسنا: ليتحمّل الآخرون الآن مسؤوليتهم فقد تعبنا ونريد أن نرتاح ولو قليلا..بالطبع لم نرتح ولا ساعة واحدة .على العكس لقد شمرنا عن سواعدنا وفعلنا ما نستطيع ولا نزال. ولكن لم نعد وحدنا في الساحة. لم نعد مجرّد حفنة من المثقفين العرب الهامشيين المنبوذين..
ومع ذلك يمكن القول بان 11 سبتمبر لم يحصل بعد! فمازال قسم كبير من المثقفين العرب، أو بالأحرى أشباه المثقفين، غير مدركين إطلاقا بأنّ هناك مشكلة داخلية في الإسلام وأنّه بحاجة الى إصلاح وتنوير. ما زالوا يكابرون ويرفضون أن يروا الحقيقة الجارحة وجها لوجه. هؤلاء لم يفهموا إطلاقا المغزى العميق لـ 11 سبتمبر. وهم الذين يمكن تصنيفهم في خانة الايديولوجيا القومجية- الأصولية التي ما زالت مسيطرة على العالم العربيّ والفضائيات التلفزيونية إلى حدّ كبير. وهم الذين صفّقوا لصدام حسين وبن لادن والزرقاوي ورأوا فيهم أبطالا. ولهذا السبب فإنّ مصداقيتهم ضربت في الصميم وبداية نهاية هيمنتهم أوشكت. وكلّ هذا من فضائل 11 سبتمبر. كيف تريدونني إذن ألّا أشكره؟ لقد دلنا على الطريق الخطأ الذي لا ينبغي انتهاجه بأيّ شكل لأنّ فيه دمار العرب وتراجعهم مئات السنين الى الوراء. وهو إذ دلّنا على الطريق الخطأ كشف لنا عن الطريق الصحيح في ذات الوقت.
عندما غزا نابليون بونابرت المانيا وهزم جيشها في معركة “يينا” الشهيرة صفّق له فيلسوف شابّ مغمور يدعى: هيغل. ورغم أنّ جنود نابليون دخلوا غرفته ونهبوا بعض الأشياء البسيطة لأنّه كان فقيرا ولا يوجد فيها إلا كرسيّ وطاولة وتخت وبعض الصحون الا انّه صفّق للامبراطور وقال عبارته الشهيرة: رأيت الامبراطور، روح العالم، على حصان..لاحظ هذه الكلمة: روح العالم. هيغل كان يعتقد جازما انّ نابليون يجسّد في شخصه روح العالم، أي روح الأزمنة الحديثة أو جوهر الوجود، في تلك اللحظة على الأقلّ. انه يحمل معه رياح الثورة الفرنسية في الحرية والمساواة والاخاء. وقد جاء لدكّ عروش الاقطاع والأصولية المسيحية في المانيا. فلماذا لايصفّق له هيغل؟ الا يتوافق ذلك مع جوهر فلسفته؟ من يصدق لحظة واحدة انّ هيغل كان عميلا للفرنسيين اذ صفّق لهم وهم يغزون بلاده بل وينهبون غرفته الفقيرة؟ وقد تركهم يفعلون ما يشاؤون. فقط سارع الى إنقاذ مخطوطته الشهيرة التي كان قد أنهاها للتوّ وضمّها إلى صدره بقوّة وكأنها أغلى عليه من روحه. ولحسن الحظّ انّه استطاع إنقاذها والا لكنّا خسرنا واحدا من أهمّ عشر كتب في تاريخ الفلسفة على مدار التاريخ: انه “فينومينولوجيا الروح”، أو علم تجلّيات الفكر البشريّ وصعوده المتدرّج عبر التاريخ. من يستطيع أن يقول إنّ هيغل كان خائنا لالمانيا اذ صفّق للغزاة؟ وهل يندم على أنهم خلّصوه من حكم الاقطاع والأصوليين؟ لا، لم يندم فيلسوف المانيا المقبل الذي لم يكن قد نشر شيئا يذكر بعد. كيف يندم وهو الذي ذهب مع صديقيه شيلنغ وهولدرلين لزرع شجرة الحرية تيمنا بالثورة الفرنسية بمجرد ان سمعوا باندلاعها.. وكانط أيضا، ألم يصفّق لها؟ ولكن ماذا فعل المثقفون العرب الأشاوس؟ لقد صفّقوا لصدام حسين وبن لادن! كارثة. مصيبة. أنا لا ألوم الشارع العربيّ لأنّه صفّق لهما. فهو مغلوب على أمره وجاهل وأمّيّ في معظمه وفقير يؤخذ بالعاطفة.. ولكني ألوم المثقفين الذين يمكن أن يتوهّموا ولو للحظة واحدة أنّ اشخاصا من هذا النوع وهذا المستوى يمكن أن يكونوا قادة للتاريخ العربيّ!
لقد أرسلوا لي أحد الاخوة آنذاك في قرية شاتني مالبري في الضواحي الباريسية لإقناعي بوجاهة فعلة صدام والتوقيع على بيان لتأييده في غزوه للكويت. وجنّ جنوني. أذكر أنّي قلت له: لو أنّ صدام سينشر الحرية في الكويت بعد أن ملأ بها العراق لزحفت زحفا وراءه. بل ولطالبته بأن يغزو سوريا وبقية البلدان العربية. يا أخي على الاقلّ توجد في الكويت مجلّة العربي التي تربّينا عليها صغارا وكانت إحدى فرحات طفولتي. وتوجد سلسلة عالم المعرفة ومجلة عالم الفكر وأشياء اخرى عديدة. ويوجد برلمان واضرب واطرح…أمّا عند صدام فماذا يوجد؟ ثم تريدني بعد كل ذلك أن أدعم مجرما سفاحا سوف يخنق نسمة الحرية في بلد آخر بعد أن أخمدها في العراق؟ لا والله لا أمشي اطلاقا وراء شخص من هذا النوع…بعدئذ بفترة قصيرة شاءت الصدفة ان ألتقي بالمفكر الفلسطيني فهمي جدعان في نواحي معهد العالم العربي بباريس حيث كنت أتسكّع على غير هدى… وسلّمت عليه دون ان افتح موضوع غزو الكويت الذي كان الشغل الشاغل للعالم آنذاك خوفا من أن يكون هو الآخر مع صدام. ودعوته الى فنجان قهوة او دعاني لست ادري.. قلت لنفسي: سوف أتحاشى الموضوعات الشائكة. فاذا به هو الذي ينفجر بالغضب ويشتم صدام وكل ما يمثله وانا اكاد لا اصدق ما اسمع. قلت له: انت الوحيد الذي يتخذ هذا الموقف. هل تعلم بان تسعين بالمائة من عرب باريس مدينة النور والانوار معه؟.. في الواقع ان الشيء الذي هالني وقتها ليس حماقة صدام بغزو الكويت ولا حتى حماقة بن لادن بضربة 11 سبتمبر. لا. الشيء الذي هالني وأقضّ مضجعي وما زال يقضّه حتى هذه اللحظة هو: التأييد العارم لهما من قبل المثقفين والجماهير على حدّ سواء. عندئذ أدركت انّ المسألة خطيرة فعلا وانّ الداء مستفحل، عضال. عندئذ أدركت انّ نهاية النفق المظلم ليست غدا ولا بعد غد..عندئذ أسقط في يدي وأظلمت الدنيا في عيني. وقلت: مش معقول. الا يوجد بصيص نور في هذه الأمة كلها؟ هل أعمت الايديولوجيا القومجية- الأصولية الغوغائية جميع البشر؟ أين هم أحفاد ابن رشد وطه حسين ونجيب محفوظ ومحمد الشرفي وعشرات غيرهم؟ هل يعقل اننا تشوّهنا فكريا الى مثل هذا الحدّ؟ ومن المسؤول يا ترى؟ وما العمل؟
كان كانط يقول عبارة عميقة ورائعة بخصوص الثورة الفرنسية. كان يقول ما معناه، وأنا انقل هنا من الذاكرة ومن الدرس الشهير الذي خصصه ميشيل فوكو لتحليل نصّه عن التنوير في الكوليج دو فرانس: ليس المهمّ هو الثورة في حدّ ذاتها بقدر ما هو درجة التعاطف الشعبيّ معها. فاذا كانت هناك حماسة شعبية تحيط بها فهذا يعني انّها تحمل في طياتها بذرة الخير للبشرية وانّها لن تموت وانما ستؤتي ثمارها.. واذا طبقنا نظرية كانط هذه على العالم العربيّ خرجنا بكارثة حقيقية أو بنتيجة معكوسة. فالجماهير، والمثقفون أيضا الا من رحم ربّك، لا يتعاطفون مع الأحداث الخيرة العظيمة وانّما فقط مع الأحداث الشريرة المقيتة. هنا يكمن وجه الخطر والخطورة في الوضع الحالي للعرب والمسلمين بشكل عامّ.
أخيرا شكرا لـ 11 سبتمبر لانه سوف يجبرنا على مراجعة كلّ حرف وكلّ نقطة وكلّ فاصلة في القرآن والحديث النبويّ وكتب الفقه والفتاوى الصفراء وكلّ التراث العربيّ الإسلاميّ. بعد الآن لم تعد هناك تابوات ولامحرمات ولا ثوابت الامة ولا كلّ هذا الكلام الفارغ الذي يهدف الى قطع الطريق على كل إصلاح أو تجديد. والله سوف تشرّح كتب التراث تشريحا وتفكّك النصوص المقدسة تفكيكا من بسم الله الرحمن الرحيم وأنت نازل حتى تصل إلى كلام الشيخ القرضاوي على قناة الجزيرة في قطر أو إلى كلام أصغر شيخ جامع في كلّ أنحاء العالم العربي الإسلامي. العدّ العكسيّ للاصولية الظلامية ابتدأ ونهاية السلفية العمياء اصبحت قضية عالمية تخصّ الجماعة الدولية بأسرها. ولن تتوقّف هذه المعركة قبل أن تصل نهاياتها: اي قبل ان يكون هناك غالب ومغلوب. هذه هي المعركة الكبرى المطروحة علينا اليوم وغدا: إنّها معركة التنوير العربيّ الإسلاميّ ولا شيء غيرها.. وبهذا الصدد أحبّ أن أشير الى فكرة هامّة لدى فيلسوف التنوير الأكبر في الغرب حاليا: يورغين هابرماس. فهو يقول إنّه في عصر العولمة الكونية لم تعد هناك قضايا داخلية وقضايا خارجية في هذا العالم. كل شيء أصبح قضية عالمية داخلية. بمعنى آخر فانّه يحق للجماعة الدولية ان تتدخل في أيّ بلد يحصل فيه انتهاك لحقوق الانسان والقيم الاساسية للحداثة الكونية. فحيثما يكون هناك أناس في حالة خطر فانّ حقّ التدخل ضدّ الطغاة أو البؤر الأصولية يصبح مشروعا. وهذا يعني انّ انتهاك كرامة أيّ شخص على وجه المعمورة يعني انتهاكا للكرامة البشرية بأسرها.