نحو مراجعات للدّراسات النّسائيّة في تونس

تكونّ في كلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات بجامعة منّوبة فريق للبحث في الأنواع الاجتماعيّة والذّاتيّات. وهو فريق بحث متعدّد الاختصاصات يشتغل في مخبر “نحو الخطاب وبلاغة التّداول” بالمؤسّسة نفسها. وفي هذه الورقة التي أعدّتها المشرفة على الفريق الأستاذة رجاء بن سلامة بسط موجز للأسئلة والقضايا التي سيتدارسها الباحثون ضمن هذا الفريق.

يمكن أن نتحدّث عن مدرسة تونسيّة في مجال الدّراسات النّسائيّة، متكوّنة في الغالب من باحثات ينتمين إلى اختصاصات مختلفة، منها الآداب والتاريخ والدّراسات العربيّة والإسلاميّات، والقانون، والفلسفة. إلاّ أنّ بين هؤلاء الباحثات وشائج فكريّة كثيرة تنبني قيميّا على الإيمان بالمساواة وبالقيم الكونيّة، وتنبني معرفيّا ومنهجيّا على تبنّي أدوات قراءة غير تراثيّة للتّراث، من مقتضياتها تنزيل النّصوص المقدّسة في إطارها التّاريخيّ.

ومن أهمّ أهداف تكوين هذا الفريق التّفكير في هذه المدرسة، وجعلها تعي بنفسها، والبحث في ما تمّ القيام به داخلها، وفي ممكنات الأبحاث القادمة، وما يساعد على فتح الآفاق وتطوير المناهج والبرامج. وقد حرصنا على إيجاد هذا البعد النّقديّ الانعكاسيّ نظرا إلى المعطيات التّالية : 

– ندرة العمل الجماعيّ وفرق البحث في بلادنا،وغلبة الطّابع الفرديّ للأبحاث رغم وجود بنية تحتيّة وموارد مرصودة للمخابر والفرق البحثيّة.

– عدم توفّر مجالات الالتقاء بين الاختصاصات، لا سيّما عندما يتعلّق بمفهوم وأداة تحليل تقاطعيّةtransversalle مثل النّوع الاجتماعيّ أو الجندر. وهذا لا يعني طبعا أن يكون الباحث الواحد متعدّد الاختصاصات، بل أن يذهب باختصاصه إلى الأطراف التي يلتقي فيها بمباحث أخرى يفيد بها اختصاصه، أو أن ينتقل من اختصاص أصليّ إلى اختصاص آخر، فتنتج عن ذلك أعمال فريدة من نوعها مثرية لكلا الاختصاصين، أو مبدعة لاختصاص آخر. وقد رأينا في قسم العربيّة من انطلق من البحث في اللّغة والآداب العربيّة إلى مجالاتالأنتروبولوجيا أو التّحليل النّفسيّ، أو الأديان المقارنة، أو الميديولوجيا أو تحليل الخطاب…

– وجود “سندروم” تدمير المؤسّسات في بلادنا. مثال ذلك أنّ ماجستير الدّراسات النّسائيّة الذي أطلق سنة 2003، وتشرّفت بالمساهمة في إطلاقه والتّدريس فيه، لم يتمّ تجديده، لأسباب لم نفهمها إلى اليوم.

– مازالت مجالات البحث في العلاقات النّوعيّة، وفي الأنواع المختلفة والذّاتيّات بكرا رغم وجود تآليف كثيرة قيّمة. ففيما يخصّ تاريخ النساء مثلا، لا نجد إلى اليوم موسوعة ضافية تخصّ النّساء التونسيات أو العربيات أو المغاربيات. فأمامنا بحران متلاطمان يقتضيان النّظر والغوص: الواقع المعاصر بتعقّده، وتعقّد ذواته، وتعبيراتها وإنجازاتها، وكتب التّراث التي تثير العجب والإعجاب لثرائها اللاّمتناهي.

إذن ينطلق هذا الفريق من هذه المدرسة التّونسيّة. وينطلق من واقع مخصوص هو في تقديرنا تعرّض نظام الأنواع الاجتماعيّة (مؤنّث/مذكّر وغيرهما) إلى انفجار نقدّر أنّه يفسّر الكثير ممّا نشهده اليوم من مظاهر التّحوّل والإفراط الذّاتيّين لا سيّما في المجال الدّينيّ. إنّنا نريد أن نرسّخ الوعي بهذه المدرسة التّونسيّة، لكنّنا نريد أيضا الاستفادة من “المابعدات” المختلفة، أي من الأبحاث مابعد نسوية، وما بعد بنيوية، ما بعد كولونياليّة، لنقوم بأنواع من العدول، أو لننهض معرفيّا بعبء الأنواع التّالية من العدول :

1- بيّن ميشال فوكو أنّ للسّلطة وظيفة إيجابيّة منتجة، فهي ليست مصدر منع وضبط فحسب، بل مصدر إبداع للمقولات والتّصنيفات. ومن بين هذه المقولات والتّصنيفات ثنائيّة مذكّر/ مؤنّث. لقد تبيّن ضيق هذه الثّنائيّة التي تعتمدها النّسويّة والدّراسات النّسائيّة. ولهذا استعملنا الجمع في “النّوع الاجتماعيّ”.

2- أردفنا كلمة “الذّاتيّات” بالجمع أيضا، لنبرز توجّهنا إلى الاهتمام بالفرادة الذّاتيّة وإلى الاهتمام بذات اللاّشعور، وهي مختلفة عن ذات الحقّ، موضوع النّسويّة، والجانب الأهمّ من الدّراسات النّسائيّة.

3- نحتاج إلى مساءلة ثنائيّة أخرى هي ثنائيّة جنس/نوع اجتماعيّ، وهي ثنائيّة يراد بها تقليديّا التّفريق بين المعطى البيولوجيّ والدّور الاجتماعيّ المبنيّ ثقافيّا. فقد تبيّن أنّ الجنس نفسه خاضع إلى بناء ثقافيّ، وإلى هرم سلطويّ.والحياة الجنسيّة قارّة سوداء فيها الكثير من ملابسات السّلطة، ولكن فيها الكثير من ألاعيب اللاّشعور. فما العلاقة مثلا بين الذّات الأصوليّة أو المتديّنة تديّنا مفرطا والمثليّة الجنسيّة من حيث هي موضوع كره ورفض ونبذ؟ ولماذا يخيّل إلينا أحيانا أنّ الثّورات العربيّة تحوّلت إلى انفلاتات جنسيّة تتّخذ أحيانا أشكالا دينيّة؟

4- لا نريد دراسة جدولي مؤنّث/مذكّر على اساس أنّ التّنشئة تؤدّي إلى كائنين اجتماعيين مختلفين. بل إنّنا نريد البحث في إشكاليّات من قبيل “اضطراب في الجندر” (جوديتباتلر)، ونريد أن نفكّر انطلاقا من هذا الاضطراب في “قلق الحضارة” كما نظّر له سيغموند فرويد مؤسّس التّحليل النّفسيّ. ما هو دور الدّوافع الجنسيّة والعدائيّة في الثّقافة في كلّ عصر؟ وما علاقة الدّفعيّ بالدّينيّ، وكيف تتفاعل الصّراعات النّفسيّة مع الأشكال الثّقافيّة في عصرنا وفي العصور السّابقة؟

هذه هي الفرضيّات والأسئلة التي ستوجّه فريق البحث في الأنواع الاجتماعيّة والذّاتيّة.

ينشر هذا النص بالتّزامن مع مجلّة أكاديميا، تونس، ديسمبر 2013.