في رؤية التّقدميّين للمسألة الحضاريّة (4/2)

2- في خصوصيّة التّصور التّقدمي للهويّة والنّمط المجتمعي:

“إنّي قَصدْتُ مباغتةَ الأفكارِ؛ للفْتِها إلى مأْلُوفها. وإنْ كنْتُ لا أجْهَلُ أنّ إلقاءَ حجرٍ في المستنقعاتِ الرّاكدةِ لا يُقلقُ الضّفادعَ المطمئنّة” (شبلي شميّل).

2. 1. خصوصيّات البيئة التّونسيّة:

لئن بات التّيار التّقدمي – بعد الانتخابات الماضية – يبدي اهتمامًا متزايدًا بضرورة مناقشة وطنيّة واسعة حول النّمط المجتمعي (هويّة متعدّدة الرّوافد مصطبغة بالطابع العربيّ الإسلامي وفي تناغم مع الحداثة) ونظام الحكم (برلماني، أم رئاسي، أم مختلط…) فإنّه بقي يتحدث في الخطوط العامّة مع شيء من التّفاصيل غير الدّقيقة والتي لا تشكّل بعدُ رؤية متكاملة. ولم يعدَّ ترسانة نظريّة شاملة لنقد الطّرح ذي الخلفيّة الدّينيّة سواء ما كان منه ذا طابع وهابي أم مالكي أم غير ذلك.

وبسبب غموض رؤية اليسار وعدم اكتمالها، لم نرَ سياسيّيه ومثقّفيه ينتشرون للمحاضرة في الجماهير بما يتلاءم وإدراكها. ولم يتمكّن من أن يشرح حتى لقواعده وأنصاره معنى أن يكون الحكم مدنيّا قائما على تديُّن متلائم مع البيئة التونسيّة، فكيف له أن يشرح ذلك للنّاس البسطاء؟ ! ولم يحلّل اليسار ما يسمّيه بالطّابع التّقدمي للإسلام الحضاري، ولم يوضّح المصادر العقلانيّة –خاصّة في البيئة التونسيّة والمغاربيّة – لما يراه ضروريّا لإحياء النّزعات العقلانيّة التي تشكل الخلفيّة العربيّة- الإسلاميّة الصّحيحة للهويّة التّونسيّة. بل لم يحدّد اليسار بعدُ أيّ مضمون تفصيلي للطّابع الحضاريّ التّقدمي الذي يرتئيه للهويّة التونسيّة: فنرى مناضلي اليسار يجمعون أحيانا تراث الشّخصيات العلميّة الأشعريّة إلى جانب الشّخصيات المعتزليّة دون إدراك للفروق الجوهريّة بينهما، وإذا تحدّثوا عن عالم معتزلي أو فيلسوف وضعوه في أعلى قمم الحداثة، في حين أنّ العقل المعتزلي عامّة، وحتى الفلسفي، ما قبل الحداثة، لم يكن قادرا على التخلّص من الطّابع الواحدي الذي يَسِمُ الفكر في العصر الوسيط.

ولم يبلور اليسار- بما فيه الكفاية وبشكل واضح وقادر على المحاججة والإقناع – فكرةَ تساوي الرّوافد الحضاريّة التي صاغت هويّة البلاد وتركت بصماتها الإبداعيّة فيها فشكّلت شخصيّة مغاربيّة -تونسيّة تحديدا – متميزة إلى حدّ ما عن بقية الهويّات المغاربيّة ناهيك عن الشخصية المشرقية، ولذلك فإنه مازال مدعوّا إلى تشخيصها وتحديد قسماتها بوضوح من أجل تبيان ما تتميّز به من الطّابع العقلاني في الحياة العامّة والاعتدال الدّيني في بعدها الرّوحي والعقدي: وهُنا بالذات لا نرى اليسار يختصّ عن اللّيبراليّين مثلا –فضلا عن المحافظين- باكتناه البُعد التّقدمي للثّقافة التونسيّة، ولا نجده يطرح القضايا اللّغوية والعرقيّة والثقافيّة والحضاريّة بأوجه تناغمها وتكاملها رغم بعض جوانب تناقضاتها الظّاهرية.

2. 2. إشكاليّة التّديّن وحريّة المرأة وأحوال الأسرة:

وفي ما يتعلّق بصلة اليسار بالمتديّنين والمؤمنين، نرى اليسار قد نجح إلى حدّ ما في إزاحة غشاوة أسهم الإسلاميّون بل حتّى الدّساترة قبلهم في إلقائها على أعين التّونسيّن حين اتّهموا اليساريّين ظلما وبهتاناً بالإلحاد والعمل على محاربة الدّين، بل أوغلوا في الطّعن في أخلاقهم حتّى نعتوهم بالإباحيّة. وتمكّن اليسار أيضا من أن يستقطب عددا من المتحجّبات والمتديّنين في أحزابه (في الجبهة الشّعبية بدرجة ما حاليّا، والمسار الاجتماعي بدرجة أقلّ).

وفي حين كان له ذلك، فإنّه لم يناقش فكرة تحرّر المرأة التونسيّة على مدى التّاريخ من وصمة العورة التي كثيرا ما ترتبط بظاهرة التّحجب في بعض البلدان المشرقيّة خاصّة، حيث لم يبيّن مثلا ما يلي:

– أنّ المرأة التونسية التي كانت تضع على رأسها ما يغشي بعضه لا تفعل ذلك لأنّ عادات المجتمع التّونسي وفهمه للدّين تفرض عليها الاحتجاب بالضّرورة فرضاً وإنّما لشيء من الاحتشام وكمظهر للانضباط والعفاف والتّميز عن الخليعات، مع استخدامه في الوقت نفسه للاحتماء من غائلة الحرّ صيفاً والقرّ شتاءً؛ بدليل أنّ نصف الشّعر قد يكون ظاهرا وكذلك الأذنان والرّقبة والنّحر، خاصّة في البوادي والأرياف، وأنّ بعض أصناف غطاء الرأس هي ضرب من الزّينة في الأفراح… وبدليل أنّ الرجال يُغشُّون رؤوسهم بالشّاشيّة أو الطّاقيّة واللّحفة في الربيع أو وقت الحرّ، والبُرنس والقشّابيّة في وقت القرّ …

– ولم يوضّح أنّ البيئة التّونسيّة لم تتبنَّ النّقاب ولم يظهر إلاّ في بعض المدن غالبا وعلى نطاق ضيّق.

– وأنّ الدّعوات الخافتة والسّعي إلى الفصل بين الجنسين في المدارس والجامعات هي دعوات لا تتلاءم مع الثّقافة الشّعبيّة التّونسيّة الضّاربة في القدم.

وعلى كلّ حالٍ، فإنّ مجمل هذه الظّواهر تحتاج إلى دراسات ميدانيّة أنتروبولوجيّة واجتماعيّة دقيقة وعميقة وشاملة.

وخلاصة القول؛ إنّ حريّة المرأة – هذه المسألة المركزيّة في فكر الطّاهر الحداد – لم تجد من اليسار مزيدا من استقراء خلفيّتها الحضاريّة البعيدة الماقبل–إسلاميّة والإسلاميّة المبكّرة في البيئة التونسيّة والمغاربيّة عموما، ولم تلقَ مزيدا من تقويم نواقصها في العهد البورقيبي وعهد “بن علي”؛ ممّا يهدد اليوم بالتّراجع عن هذه المكتسبات بسبب الاتّجاه الإخواني المسيطر والسّلفيّة الوهّابيّة الزّاحفة.

ولا تقلّ مسألة نظام الأسرة عن قضية حرية المرأة قيمة، ورغم ذلك فإنّ اليسار لم يكشف بشكل منهجي على أنّ السّعي غير المعلن لتمرير نظام الكفالة – بدل التّبنّي- يحطّم النّقلة الحضاريّة الكبيرة الحاصلة في تونس والتي تمّتْ بكثير من المصداقيّة والتّوافق مع الخصوصيّة الاجتماعيّة في بلادنا، وفي كنف المحافظة على الإطار الأخلاقيّ الدّيني الذي قرئ قراءة مقاصديّة موفّقة ومتناغمة إلى حدّ ما مع نظام العادات والتّقاليد الإيجابيّة والانفتاحيّة التي ميّزت الأسرة المسلمة في البلاد التّونسيّة. ولم نرَ اليسار يشدّد على مقاومة السّعي التّدريجي الخفيّ إلى الإقرار بأنماط من الزّواج غير المدني كالزّواج العرفي (وربّما لاحقا زواج المسيار)، والدّعوات إلى تعدّد الزّوجات وغير ذلك من الإجراءات التي تسعى إلى ما يسمّى بأسلمة الأسرة والمجتمع، ولم يبدِ الوقوف بشكل صارم في وجه كلّ ما من شأنه أن يهدّد الشّخصيّة التّونسيّة.

ونلاحظ أيضا فتور المطالبة بنظام الإرث بالتّساوي بين المرأة والرّجل والمطالبة بحريّة المعتقد بناءً أوّلاً وأساسًا على حقّ الاختلاف الذي تضْمنه المبادئ القانونيّة العالميّة وشِرعة حقوق الإنسان، بل تكفله أيضا الشّرائع الدّينيّة في تأويلاتها المتسامحة. وهذه مطالب ظهرت منذ أمَدٍ في الحياة الفكريّة والسّياسيّة التّونسيّة قبل الثّورة واستمرّت بل قويت بُعيْد الثّورة بقليل، ووجد قادة حزب النّهضة أنفسهم في حرج شديد عند مناقشتها وقتئذٍ؛ لأنّ المدّ الحداثيّ كان مؤثّرا وفاعلا؛ ممّا يعكس حقيقة ضعف مشاركة النّهضاويّين في الثّورة واضطرارهم للمهادنة في بداياتها ومسايرتهم لطروحات الفاعلين الرّئيسيّين فيها، في حين انقلبت الموازين خاصّة بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 وبات التّقدميّون والحداثيّون في حالة دفاع، يتمسّكون بالحدّ الأدنى من مظاهر المدنيّة والمساواة.

2. 3. الموقف من المشروع المجتمعيّ الإسلامويّ:

لكي يتم تعميق السّقوط الإخواني في مصر وتزعزعه في العالم العربي والاسلامي، على الفئة المثقفة والسياسيين التقدميّين التّوقف طويلا عند هذا المشروع وتعميق مناقشة ما يأتي: إن المشروع المجتمعي الإسلامي متمسّك بالشّورى وبإلباس الدّيمقراطية جبّة الشّورى غصبًا وإكراهًا. ويجب الانتباه إلى أنّ الكثير يعتقد أن مسألة الإخوان سياسية في حين إنها ثقافيّة بالدرجة الأولى؛ ولذلك فعلى التّقدميين مراجعة انطباع خاطئ لديهم بأنّ الإسلام السّياسي في المحيط العربي لم يعد يسعى إلى تحقيق الخلافة حتّى وإن كان يميل إلى الدّيمقراطية الشكليّة القائمة على فكرة التّفويض، ويرون أنّ شعار الخلافة مجرّد خطاب تحشيدي يتحدّث به القادة لجلب الأنصار؛ لذلك فهم يرونها مجرّد أحلام عند البعض وكوابيس عند البعض من الشّعب التّونسي، والعربي عامّة . إن هذا الانطباع خاطئ ويجب التخلي عنه جوهريا والعمل الفوري على صياغة سياسة ثقافية جماهيّرية فعّالة لإبطال مفعوله الذي مازال سحريا وجذابا. وبدون ذلك ستظّل قدرة الإخوان عن نشر الفكر الخليفي البائد وغزو عقول الشباب به قائمة. إنّ هذا الانطباع السّابق ذكره ناشئٌ عن قراءة مبتسرة للواقع والفكر والمشاريع المقابلة؛ حيث لم ينهض التّقدميّون بمهمّة تفكيك العلاقة بين الخلافة والملك العضوض على الوجه المرضيّ؛ ذلك أنّ التّجارب التاريخيّة الشّيعيّة والإباضيّة والسُّنيّة كلّها آلت إلى نفس المآل؛ أي إلى النّظام الملكي أو السّلطاني، طال الزمان أو قصر. كما لم يدركوا بوضوح أنّ مآل النّموذج الخليفيّ هو بقايا أنظمة اتّسمت بالتّيوقراطيّة أو تسربلت بعلمانيّة قشريّة، مع مظاهر برلمانيّة أو مجالس شورى مفرغة من المحتوى. وها نحن نرى أنّ الثّورات قد تنتهي على عكس ما يريدها مفجّروها، وتعيد إنتاج أو فبركة ما يشاكل النّمط الخليفيّ أو الإماميّ؛ فمّما يقوم دليلا على ما نذهب إليه نظام ولاية الفقيه كما يتبدّى في الثّورة الإيرانيّة رغم إدّعائها نظام الجمهوريّة، وكذلك نظام الكلّيانيّة السّلفيّة الطّالباني الذي حكم أفغانستان، ونظام الطّغمة العسكريّة باسم الإسلام في السّودان.

ولذلك لن يخرجَ الحكم المُرْشِدي – أي ما قد يؤول إليه الحكم الإخواني في مصر وتونس وليبيا إن مُنح فرصة الاستمرار أو فرصا للعودة – عن هذه التّرسيمة ونموذجها في مثالنا الحاليّ هو الدّيمقراطية التّفويضيّة الشّكليّة الشّوهاء التي يراد تمريرها عبر التّحالفات الانتهازيّة والمشبوهة والمحاولات المستميتة من أجل السّيطرة على المؤسسة الأمنيّة لجعلها مؤسّسة حزبيّة لا مؤسّسة جمهوريّة، وإفراغ القضاء والإعلام من استقلاليّتهما، وتوجيه التّربية والتّعليم إلى المحتوى الإسلاموي، والمحاولات واضحة في السّيطرة على دور الحضانة ورياض الأطفال. كما تشهد المدارس الثّانويّة والجامعات محاولات السّيطرة والإخضاع المستمرّة.

وفي هذا الإطار أيضا، تندرج محاولات ترهيب المعارضة وقوى المجتمع المدني بقوّة الميليشيات والأمن الموازي والجمعيّات التي تدّعي المدنيّة في حين تجدها تلعب أدوار مؤسّسات “الحسبة” و“الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر” وتتكلّم باسم الشّريعة لتحاصر المجتمع السّياسي في أنشطته وفعاليّاته، وتنفّذ حتى الاغتيال كما حصل مع الشّهيد لطفي نقض والشّهيد الرّمز شكري بلعيد، كما تتعاطى مع المجتمع ككلّ بالمراقبة وكتم الأنفاس، والتّدخّل في حرّيات الأفراد وخاصّة محاصرة النّساء وتبكيتهنّ، واستغلال بقايا رواسب اجتماعيّة ذكوريّة متسلّطة باسم الدّين والعادات والتّقاليد في محاولة لسلبهنّ مكاسبهنّ. ولا ننسَ أنّ فكرة الدّيمقراطية لم تتجذّر بعدُ لدى الشّعب، بل مازال في المخيال الشّعبي بعض أثر خليفي – سلطاني في جوهره، وهذا ما يبني عليه الإسلاميّون المحافظون إمكانيّة إحياء الخلافة، وإن اختلفوا فيما بينهم حول تفاصيلها.

إنّ اليسار العالميّ الرّاهن – خاصّة ما بعد الحرب العالميّة الثّانية – بات يرى أنّ الأفكار يُعاد بعثها حتى لو زالت شروطها التّاريخيّة؛ لأنّ الفكر قوة فاعلة وحقيقيّة باعتباره رأسمالا رمزيّا كما وضّح ذلك كثير من الفلاسفة والمنظّرين والباحثين الاجتماعيّين والمختصين في النقد الثقافي أمثال بيار بورديو؛ حتّى أنّ ما مات من الأنساق والأنظمة بل الدّول يمكن أن يعاد إحياؤه، ومن الأدلّة الواضحة على ذلك إسرائيلُ التي بُعثت إلى الوجود بعد آلاف الأعوام.

ومن المعلوم أنّ المحافظين الدّغمائيّين جاهزون بكلّ ما أوتوا من المال والإعلام وجميع أسباب القوّة التي أعدّوها أو سعوا إلى اكتسابها في غمرة هذه الثّورات وسيتجرّؤون، وسيسعون إلى فبركة خلافة بأيّة صورة من الصّور؛ لأنّهم يوهمون أنفسهم أنّ ما يفعلونه صحيح وأنّهم يؤدون واجبًا دينيًّا. ومثلما هناك عمالة غير واعية بعمالتها “الموضوعيّة” هناك رجعيّة غير واعية برجعيّتها “الموضوعية” أيضا، والرّجعيّة -في عصرنا- صورة من صُور العمالة، ولهذا نرى قوى العولمة، وخاصّة تلك التي تحمل بذور المحافظة، تجرّب الآن مساندتها ودعمها على احتمال أنّها قد تكون كفيلة بحراسة مصالحها.

وفي صدد إحياء الأفكار البائدة أيضا، وعودة التّاريخ في شكل مآسٍ ومهازلَ، يمكن الاستشهاد بانبعاث الشّخصيّة السّلفية في تناقضاتها كمثال فاقع: الثنائيّة الحادّة بين السّيارة “هامر” أو “ليموزين” وحذاء الرّياضة “نايك” وسترة الجلد الرّاقي، كذلك الأسلوب التّعبيري “الآخر صيحة” في “التّمدّن” المرفّه إلى درجة الميوعة لدى البعض من جهة، وما هو بصدد اعتقاده كإديولوجيا مفرطة في التّكفير، وممارسات وأفعال غاية في الفضاضة والغرابة والنبوّ عن الذّوق السّليم، بل ما يمكن أن تبلغه من هوس اندفاعي ولاعقلاني وأداء موغل في صميم الفجاجة كما يتبدّى لدى الأطراف الأكثر تطرّفا وشناعة كما في التّنظيمات المسمّاة جهاديّة.

أمّا من يستشهد من الإسلامييّن بالمثال التّركي الحالي، فإنّ نظامه السّياسي والاجتماعي قد حسم أمره مع الخلافة منذ كمال أتاتورك: إنّ النّموذج السّياسي اللّيبرالي ذي الخلفيّة الدّينية الذي تمّ اختياره حاليّا في تركيا (وكذلك في ماليزيا وأندونسيا) ليس على تناقض مع النّموذج الأتاتوركي(الذي سيتمّ الحديث عنه في المحور اللاّحق)، الذي من الواضح أنّه من العسير جدّا أن يتمّ التّراجع عنه… أمّا النّموذج السّياسي الخليفي في العالم العربي فهو بصدد محاولة التّفصيل والحياكة الآن بما يضمن استقرار اسرائيل ودوام التّبعية للغرب أيضا؛ فالذين يراهنون على الغرب – دون التّمييز بين قواه التّقدميّة وقواه المحافظة – ليقف ضدّ هذا المشروع باعتباره مشروعا لاتاريخيّا، هم واهمون؛ لأنّ “الخطر” الذي يمثّله الإسلام السّياسي على الغرب – حتّى وإنّ ظلّ قائما افتراضيّا – مازال بعيدا جدًّا وهو لا يشكّل تحدّيا في المدى المنظور. وإنّ حاضر الإسلام السّياسي الإخواني – وحتّى السّلفي لدى بعض الفئات- يغلب عليه الطّابع النّاعم في “مواجهة” العولمة، بل يتّصف بمهادنتها والسّير في ركابها حفاظا على تواجده. ومن جهة أخرى، فإنّ إسرائيل قوّة رجعيّة، وهي مشروع لا تاريخي، ويبدو نظام عقيدتها في بعض جوانبه “ضدّ” الغرب و“ضدّ” جوهر ثقافته سواء أكانت مسيحيّة أم علمانيّة أم ليبراليّة فضلا عن تيّاراته اليساريّة، ومع ذلك فقد دعمها الغرب نفسه ولا يزال. وعلى الرّغم من أنّ نصف إسرائيل الآن أو يزيد قوى موغلة في الأصوليّة، فمازال الغرب يجد فيها رأس الحربة المتقدّم لاستنزاف الشّرق الأوسط بل مقايضة الاستقرار في العالم.