في رؤية التّقدميّين للمسألة الحضاريّة

3- الحريّة، الدّولة، المجتمع…أو الحياة بين الدّيني والمدني: 

“إنّ الدّيمقراطيّة تتضمّن لا محالة حريّة الرّأي والتّعبير والعقيدة، فهل نحن على استعداد لتقبّل”لوثر“مسلم و”فولتير“عربي؟” (جورج طرابيشي).

3. 1. حول رؤية السلفيّة الوهابيّة:

ليس عسيرا على التّيار التّقدّمي أن يلاحظ أنّ الفكر الوهّابي المراوغ المتسلّل مؤخّرا إلى البيئة التّونسية بتواطئ سكوتيّ ملحوظ من الحكّام النّهضاويين بدأ بتكفير المجتمع بطريقة خفيّة وهي المسماة عنده (لحظة التّكفير) ولها مرحلتان كبريان :

أ‌) المرحلة الأولى: وفيها أيضا فترتان: تبدأ الفترة الأولى بالتدرج عبر ما يسمّيه الوهابيّون “تكفير الفعل” (“لا تكفير الفاعل” كما يدّعي “مشايخهم” في المرحلة الأولى). وفي المثال التّونسي نراهم بدؤوا بالتهجم على ظاهرة زيارة مقامات الأولياء والتّبرّك بهم؛ وهي إحدى المسائل الأثيرة لديهم. وقد لاحظنا كيف يراوغون في الحِجاج بالدّعوة إلى عدم زيارة مقامات الأولياء ولا يدينون في الوقت نفسه تهديم مقاماتهم، وينهون نهيا خفيفا غير صريح عن نبش قبورهم. ويسعون أن تنتهي إلى الفترة الثّانية حتما عبر انتشار الظّاهرة والإكثار من ممارستها وفرضها بالتّشنج أو بالاستمالة أو بأيّة وسيلة أخرى، وكذلك بتعوّد النّاس عليها. والفترة الثّانية هذه هي الشّروع في تكفير الفاعل بل جعله مشركا. والشّرك أشد من الكفر في المنظور الدّيني.

ب‌) المرحلة الثانية: ليس من العسير أن يرى المتأمّل فى الخطاب الوهّابي منتهى الخداع حتى يحين موعد التّمكين وهي المرحلة التي يمكن الاصطلاح عليها بمصطلح (لحظة التّفجير) التي تبيح فيها الوهّابية دماء المسلمين وأموالهم في صورة المقاومة؛ وإن ما يحدث في الشعانبي لأبلغ دليل!

ولكن ليس سهلا الوقوفُ على الفروق الدّقيقة والمهمّة، حتى وإن لم تكن جوهريّة، بين العقيدة الأشعريّة والعقيدة الوهّابية؛ لأنّ هذا يحتاج إلى معرفة معمّقة وبحوث يجب أن ينهض بها المختصوّن. وعلى ذلك، فإنّ التّقدميين – في الجبهة الشعبيّة وغيرها من المواقع – الذين مازلوا لا يضعون هذا الخطر الدّاهم في أعلى سلّم أولويّاتهم العمليّة، كأنّهم يضربون صفحا عن التّخوفات التي تنصّ عليها الفقرة الأولى من البيان التّأسيسي للجبهة الشّعبيّة التي تقول: “لقد مضت شهور عن انتصاب”الائتلاف“الحالي في الحكم، وقد تبيّن أنّ المخاطر والأزمات التي ولّدتها سياسات هذا الائتلاف تتجاوز حدود الالتفاف على أهداف الثّورة وإجهاضها إلى تهديد غير مسبوق للنّسيج الاجتماعي والسّيادة الوطنيّة وقيم الجمهوريّة”.

إنّ التّكفير بل النّعت بالشّرك من أعظم أنواع المخاطر التي تهدّد بتمزيق النّسيج الاجتماعي وبتقسيم المجتمع التّونسي عموديّا بشكل غير مسبوق في الحقبتين الحديثة والمعاصرة، بل يغلب على الظنّ أنّ المجتمع التّونسي لم يعش هذه المحنة منذ نهاية القرن الخامس الهجري-الثاني عشر الميلادي عندما توحّد دينيّا ومذهبيّا وعقديّا، واستوعب الأطراف المسمّاة “خوارج” وخاصة الإباضيّة المرنة المعتدلة فباتت في العرف الاجتماعي مذهبا “سنيّا” خامسا، كما رضيت الأطراف الأخرى، مثل بقايا الشّيعة والدّروز وغيرهم، بالبقاء كحالةٍ ثقافيّة عامّة لا مذهبيّة مخصوصة. فهل ينتظر التّقدميون أن يشنّ الإسلاميّون إخوانا متسلفنين وسلفيّة جهادية وسلفية “علمية” أقصى التّدافع الذي قد يبلغ درجة الحرب الأهليّة، وهي النّتيجة الحتميّة لتقسيم المجتمع على قاعدة الشّرك والإيمان؟! أو أن يقوموا بانقلاب إذا ما وجدوا الفرصة أدنى لذلك ؟! إنّ هذا الأمر الخطير يستوجب من المناضلين والقادة إعادة ترميم خطابهم حتّى يكون أكثر تناسقا مع مواقفهم، وأن تكون مواقفهم أكثر تلاؤما مع رهانات الواقع وتحدّياته.

3. 2. النّموذج العلماني بين الأتاتوركي والبورقيبي:

وفي الجهة المقابلة يحتاج مشروع الجمهوريّة الثّانية، الذي تهدف إليه الثّورة، إلى التّوسّع في مناقشة تفصيليّة لمرتكزات النّموذج العلماني للفصل بين السّياسة والدّين مع قيام الدّولة برعاية شؤون الدّين، ومن أمثلته في العالم العربي-الإسلامي النّموذج التّونسي والنّموذج التّركي، فهذه مهمّة عادت لتكون ضروريّة. صحيح أنّ النّموذج التّونسي يقدّم صورة من الصّور التي تمزج بين قيم المدنيّة والدّين الإسلامي، ورغم ذلك فإنّ معظم تيّارات الإسلام السّياسي تعاديها، غير أنّ النّموذج التّركي يقدّم صورة أخرى موازية وأكثر قوّة للعلمانيّة في ديار الإسلام. ويبدو أنّها تجربة أنجح من النّموذج التّونسي رغم أنّها أكثر اقترابا من التّصور الفرنسي اللاّئكي الذي تنعته بالعلمانيّة الشّاملة أو اليعقوبيّة -بدون تمحيص ولا تدقيق – حتى بعض الاتّجاهات الإسلاميّة الأكثر “تحرريّة” من بين الإخوان المسلمين إن وجدوا عمليّا، أو غيرهم- أيْ الإسلاميّين “المحافظين النّاعمين” الذين ينظرون إلى التّجربة التّركية بكثير من الإعجاب- في حين تبدو التّجربة التّونسية فيما يخصّ علاقة الدّين بالدّولة هي الأقرب إلى التّجربة الإنجليزيّة أو الأمريكيّة التي يسميّها الإسلاميّون العلمانيّة الجزئيّة والتي –يا للمفارقة !– يفضّلونها أو يشجّعونها، بالمقارنة مع اللائكيّة الفرنسيّة.

إنّ الفروق بين العلمانيّة الكليّة والجزئيّة مجال شبه بكر على الفكر التّقدمي، وعليه أن يخوضه بكثير من العمق والرّويّة والدّقة المنهجيّة لكشف خطل الإدّعاءات الإسلامويّة ومغالطاتها الواعية أو الغافلة. والحقّ أنّه كان على التّيار التّقدمي أن يُقدِم على دراسة النّموذج التّركي والوقوف على خصائصه منذ أمد بعيد، وخاصّة منذ وصول الإسلاميّين الأتراك إلى السّلطة، ومحاولاتهم تحوير هذا النّموذج أو الحدّ ولو طفيفا من مظاهر العلمنة كما تظهر في الحياة التّركية خاصّة في عهد أربكان، رغم تصريحات أردوغان حاليّا بأنّه لا تعارضَ بين العلمانيّة والإسلام، وكان يجب مقارنته أيضا بالنّموذج التّونسي في العهد البورقيبي، مع بيان نواقص النّموذجين ودوران النّموذج التّركي في فلك العولمة بصيغة أوضح وأكثر صراحة من النّموذج التّونسي. 

لقد كان على التّيار التّقدمي– إذن – أن يطرح إشكاليّات من قبيل: كيف نفهم علاقة بورقيبة بأتاتورك والعلمانيّة واللاّئكيّة؟ وما الفروق الدّقيقة بينهما؟ وهل يمكن أن تنتج تلك الفروق مشروعين متقاربين ولكن مختلفين إلى حدّ ما؟ وما نتائج ذلك الاختلاف؟ وكيف نفهم موقف بورقيبة – المعجب بأتاتورك! – في ضوء النّص الآتي حين يقول: «إنّ أتاتورك كان يحبّ الظّهور بمظهر المجدّد المقتفي لآثار العصر ففضّل تقليد مظاهر الحياة في باريس وجرّد الدّولة التّركيّة من كلّ صفاتها الدّينيّة وجعلها لائكيّة لا تعترف بالأديان رغم تشبّث الشّعب التّركي بدينه الإسلامي إلى حدّ التزمّت أحيانا، وذهب في نشر اللاّئكيّة إلى حدود لم تذهب إليها فرنسا بالذّات؛ إذ لم يُبْقِ أي مدرسة تلقّن الدين الإسلاميّ، في حين أن النّزعات الدّينيّة بقيت حيّة في فرنسا لوجود مدارس عديدة للكاثوليكيّين ولوجود البابا حامي حمى الكنيسة…وزادت حالة المسلمين في تركيا تدهورا من الوجهة الدّينيّة، ولم يبقَ فيها إلا الاتّجاه إلى الدّراويش.». (الحبيب بورقيبة: حياتي، آرائي، جهادي).

ألم يفت بورقيبة إدراك كنه طبيعة المدارس الدّينيّة في أوروبا بعد الإصلاح الدّيني وبعد مرحلة الأنوار؟ أفلا يكون قد أهمل تحوّل تلك المؤسّسات التّعليميّة من مدارس تنتج رجل الدّين والسّلطان إلى مدارس تنتج المفكّر الدّيني، ومن مناهج تخريج مبشرين مستنفرين و“جهادييّن” صليبييّن إلى مناهج دارسيّ الفكر الدّيني وتطبيق الفكر التّاريخي والتّفكير النّقدي في الشّأن العقدي؟ وهل كان على بورقيبة أن يخطو الخطوة نفسها التي خطتها أوروبا ومنها فرنسا اللاّئكيّة التي حوّلت السّوربون- بالتّدرّج- من مؤسّسة دينيّة عقائديّة إلى مؤسّسة يتمّ تناول الدّين فيها بالبحث والدّراسة، وإلى جامعة شاملة للعلوم الإنسانيّة وغيرها. ألم يكن من الأجدى الانتقال بالزّيتونة – بالتّدرّج – إلى مؤسّسات بحث وتفكير، مع مراعاة خصوصيّة الدّين الإسلامي؟

أ لم يكن أحرى ببورقيبة أن يؤسّس للمدنيّة بما هو أعمق حتى من الخطوة الأتاتوركيّة وأصحّ منها على مستوى المؤسّسات الضّامنة وهو المحامي ورجل الفكر الذي يقول إنّه تشبّع بالفكر الإصلاحي العربي وفكر الأنوار في أوروبا؟ أليس انتقاد بورقيبة لمن سماهم جميعهم “دراويش” كان خطأ فكريّا وحضاريّا؟ هل تكون العلمانيّة كما طبّقت في تركيا أكثر منهجيّة من التّجربة التّونسيّة رغم نواقصها الكثيرة ورغم تعويلها على الجيش وحده لحماية العلمانيّة؟ هل تكون “العلمانيّة” التي طُبِّقت في تونس علمانيّة مجتزأة وغير واعية في أغلب الأحيان؛ ولهذا أعطت فيها بعض الأجنحة المحافظة والانتهازيّة من الدّساترة البورقيبيّين أنفسهم فرصة –واعية غالبا أو غير واعية أحيانا – لظهور الإسلام الإخواني والمتسلفن؟

ألم يكن من الأفضل إرساء علمانيّة مؤسسيّة متبيِّئة تونسيًّا من النّاحية الفكريّة، تحميها المؤسّسات الدّيمقراطيّة والمدنيّة وحتّى مؤسّسة الجيش التي هي من أهمّ المؤسّسات الضّامنة في التّجربة التّركية مع وضع كلّ الحدود أمام الجيش حتى يبقى وفيًّا للجمهورية ولا يبيح ضابط لنفسه – مثل بن علي –أن يسطو على الدّولة فيُدجِّن الجميع؟ في حين يُجري الجيش التّركي انقلابات غير مرّة، ثم يسلّم السّلطة للمدنيّين؟! أظنّ أنّ التّقدميين والحداثيّين في تونس في حاجة أكيدة إلى إعادة تقييم هذا الاتّجاه بدل المراوحة فيه وحوله وقبله وبعده؛ حتّى نتفادى إمكانيّة الالتفاف عليه والتّراجع عنه، ونوقف محاولات إفراغه من محتواه التي تحصل الآن.

والحقّ أنّ النّخبة التّونسيّة الدّستوريّة واللّيبراليّة بقيادة بورقيبة لم تعلن العلمانيّة الشّاملة لأسباب سياسيّة وثقافيّة أيضا: فأمّا الأسباب السّياسيّة، فتعود إلى المعارضة التي نشأت في أوساط الحزب الدّستوري القديم (أنصار الثّعالبي) والجديد (اليوسفيّون الموالون للأمانة العامّة) والتي يبدو أنّ بعضها على الأقلّ لجأت إلى تكتيك استثارة الشّعور الدّيني ضدّ الجناح البورقيبي بالتّركيز على إثارة قضيّة الهويّة العربيّة الإسلاميّة مقابل التّفرنس، بل التّلميح إلى الطّعن في عقيدة بورقيبة والمقرّبين منه؛ من أجل سحب البساط من تحت أرجل الدّيوان السّياسي. وهو تكتيك معروف لجأ إليه الدّساترة بقيادة بورقيبة نفسه في حوادث الجّلاز والمؤتمر الأفخرستي مثلا، والحال أنّ أغلب اليوسفيّين علمانيّون مثل رفاقهم السّابقين من البورقيبيّن. وأمّا الأسباب الثّقافيّة فتتمثّل في تغلغل الفكر التّقليدي لدى العوام والنّخبة الزّيتونيّة التّقليدية الموالية لحكم الباي خاصّة، كما حدث تقارب فكريّ ظاهريّا، ولكنّه تكتيكيّ سياسيّ جوهريّا بين قسم من الزّيتونييّن والحركة اليوسفيّة وذلك لصدّ البورقيبيّة، ممّا جعل البورقيبيّين يميلون إلى التّخفيف من نزعتهم العلمانيّة ويعمدون إلى إضفاء الطّابع التّوفيقي-التّلفيقي بين التّوجه التّقليدي والتّوجه التّحديثي.

3. 3. مدنيّة الدّولة وعلاقة السّياسي بالديّني:

يجب أن يتحلّى التّقدميّون بالشّجاعة الأدبيّة الكافية لمواجهة مشكلة تداخل السّياسي بالدّيني في تجربة الحكم باسم الإسلام في كلّ مراحل التّاريخ العربي عامّة والتّونسي خاصّة. كما يجب أن يتمّ تحليل تجربة الحكم البورقيبيّة “الزعاماتيّة الأبويّة” بجانحيها اللّيبرالي-الوسطي، والمحافظ-الانتهازي وبتردّدها بين اللاّئكيّة وإدماج مظاهر دينيّة في الحياةِ العامّةِ. ويجب دراسة المرحلة التّجمعيّة (بن علي) من جانب التّوظيف السّياسي الفجّ للدّين واللّعب على أوتار المشاعر الدّينيّة لاسيّما في الفترة الأخيرة حتى أنّ النهضاويّين شرعوا في إعادة غزل خيوط التّقارب مع بن علي.

كما تقع على عاتق التّقدميّين مهمّة مواجهة الاضطراب والانفصال الحاصل بين التّدين العالم والتّدين الشعبي، ونقد مظاهر الحداثة المجتزأة في التّجربة التّونسيّة، هذا من جهة، كما عليهم من جهة أخرى أن يقوموا بتحليل النّصوص والكتابات التّقدميّة حول هذه الظّاهرة بأدقّ تفاصيلها؛ لإدراك أسباب عدم قدرة الجميع على فهم ظاهرة الإسلام السّياسي كما هي بجميع تشعّباتها، ومعرفة كلّ أبعادها قبل الثّورة وبعدها حتّى يُمكن تحجيمها وتشجيع الإسلاميّين المستنيريين على إعطاء صورة للإسلام الحداثي المتناغم مع العصر.

إنّ تركيا -إلى حدّ الآن- رغم الانقلابات العسكريّة المتتالية في تاريخها المعاصر لم تشهد نكوصا وتهديدا مثلما شهدته أكثر تجربة تقدميّة في العالم العربي، وأعني بها التّجربة التّونسيّة (إذا استثنينا التّجربة اللّبنانيّة التي لها خصوصيّات مختلفة). والجيش التّركي رغم أنّه المؤسّسة الضّامنة الرئيسة للعلمانيّة – وهذا يظلّ نقصا أو خطأ – فإنّه لم يمسّ من جوهر الدّولة حتّى وإن مسّ بالدّيمقراطيّة في بعض الفترات.

ومع هذه الضّبابية البادية في سماء المسألة الحضاريّة في تونس، يمكن القول –دون جزم – أنّ تونس ليست بيئة للإسلام السّياسي المناهض للحداثة. إنّ للتّونسي خصوصيّات كثيرة في التّعاطي مع الدّيني يراها “الإخواني” و“السلفي” زيغا وضلالا، ولكن التّونسي يتمثّلها على أنّها أنسنة للدّيني وربما تأنيس للإلهيّ، وليس ذلك بمناقض للدّين حسب التّدين الشّعبي؛ فالتّونسي معروف بحبّه لشيء من اللّهو وإن كان ذلك على حساب بعض مظاهر التّديّن. وحتّى من الْتزم بالطّقوس، كثير منهم يتبنّون شعار «إدِّ الفرض وانقب الأرض»، بل يصل الأمر إلى حدّ تثبيت حقائق اجتماعيّة وعمرانيّة تتمثّل في المجاهرة بوضوح لدى قطاعات واسعة من الشّعب التّونسي بعدم التزامهم ببعض الشّعائر، وهم لا يرون في ذلك زيغا عن الدّين.

لقد استقرّ حتّى في أذهان بعض الإسلاميّين المؤمنين بالتّحديث أنّ بعض مظاهر التّديّن المفرط المنافي للتّراث التّونسي والمتعارض معه تحتاج إلى بيداغوجيا ومعالجة خاصّة؛ لأنّ حامليها معظمهم توانسة لم “يتأخْوَنُوا” بعدُ، ويمكن “إنقاذهم” من “التّسلفُن”. وكثير من الإسلاميّين التّقليديّين حتّى من النّهضاويّين أنفسهم باتوا بعد عامين من الثّورة وعام من حكم النّهضة وتوابعها يدركون أنّ التّوجّه الإسلامي لا يستطيع أن يفرض عاداته الشّخصية على العادات التّونسيّة؛ لأنّ معظم التّونسيين يرونها دخيلة، ويعتقدون أنّ التّعايش هو الطّريقة المثلى، ويتّفقون – ضمنيّا- على أنّ القبول بمبدأ “الرّؤية الأنفذ للواقع هي الأقدر على الاستقطاب”، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

لكلّ ما تقدّم، يجب التّذكير أنّه على اليسار ألاَّ يدعَ الآخرين من المتديّنين “المستنيرين” والإصلاحيّين واللّيبراليّين والتّحرّريّين الوسطيّين يتفرّدون بمناقشة علاقة السّياسي بالديّني وبتبنّي ما يصلح لهم منها. وعلى اليسار أن يبادر بإعداد العدّة للدّفاع عن رؤيته لهذه المسألة والتّصدّي لكلّ من ينال منها، وعليه أيضا يقع عاتق نشرها في صفوف الجماهير الواسعة والعمل على تعميق وعيها بها حتى لا تبقى نخبويّة وفوقيّة، وحتى لا يتمّ توظيفها فئويّا وسياسيّا مثلما حصل في مرحلتي الحكم الدّستوري-التّجمعي السابقتيْن.

3. 4. نموذج الحكم الإسلامويّ الحالي في ميزان ثراء التّجربة التّونسيّة:

من الملاحَظ أنّه من العسير على الإسلام السّياسي أن يتمكّن من تحويل وجهة المجتمع التّونسي؛ فبالإضافة إلى المعطيات الأنتروبولوجيّة حول شخصيّة التّونسي المذكورة في الفقرتين السّابقتين ثمّة أسباب عديدة أهمّها العوامل الحضاريّة ذات الصّلة بانخراط تونس في منظومة التّحديث منذ قرن ونصف تقريبا، والأخرى الجيو- سّياسية التي تربط تونس بعمقها المغاربي المتوسّطي الأفريقي أكثر من محيطها العربي أو الإسلامي، وهذا ما سيظل يهدّد أيّ مشروع إسلامي سياسي إخواني أو سلفي بالبقاء معلّقا بين الفئات المسمّاة “ملتزمة” دينيّا والشّعب الذي تغلب عليه علمانيّة ذات طابع خاصّ، وإن كان قد تبنّى بعض المقولات المتفاوتة بين الأفراد والأجيال للإسلام السّياسي وذلك خاصّة بسبب الإرث السّلطاني القابع في اللاّوعي الجمعي، ولكن في كلّ الأحوال دون التزام سياسي وتنظيمي وحزبي بالانخراط مع الطّرف الإسلامي المسمّى “ملتزما”.

أمّا نتائج الانتخابات السّابقة فليست دالّة على “تَأَخْوُن” المجتمع من جهة، بل قد تكون -من جهة أخرى – اختبارا عمليا، ربّما أجراه الشّعب بذكائه الفطري؛ ليرى هل سيلتزم الإسلام السّياسي بالشّعارات المدنيّة التي ادّعى أمام التّونسيين أنّه يقرّها ويرتضيها رغم ترسانته الإيديولويجيّة والتّشريعية التي لا تمتّ للحياة المعاصرة أو الحداثة إلاّ بأوهن الخيوط.

غير أنّ هذه المعطيات – بغضِّ النّظر عن مصداقيّتها – لا تُعفي التّيار التّقدّمي من الإضطلاع بدوره التّنويري. والحقّ أنّه يقوم به بدرجة مرضية من التّوفيق، ولكن مازال ينتظره الكثير. وعليه كذلك أن يحافظ على تفاعله الإيجابي مع الحسّ الدّيني لدى الشّعب، وأن يعمّق اتّجاهه النّقدي للتّوظيف السّياسي للدّين: فما لم يصبح الشّعب نفسه صمّام الأمان فستبقى إمكانيّات التّوظيف واردة دائما أمام خطّ الرِّجعة الإخواني السّلفي.

إنّ القول بأطروحة “إسلام يساري” في التّاريخ الإسلامي وفي الوقت نفسه التحفّظ على الإسلاميّين التّقدميين في الحاضر موقفان يحملان المفارقة لدى التّقدميين، غير أنّنا نلاحظ أنّ ذلك التّحفّظ هو في طريقه إلى الزّوال وإن كان حضور اليسار الإسلامي نفسه محدودا وضعيفا. وقد يكون اليسار – كما يرى المفكر سلامة كيله – بحاجة إلى « تبلورِ وعي يساري حقيقي، وتَشَكُّلِ فعْلٍ يساري حقيقيّ يفرضان على الأيديولوجيّة التي تستند إلى الإسلام التّكيُّفَ مع ذلك كما حدث في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين، حينما تحوّل الحديث عن “اشتراكية الإسلام”، و“اشتراكيّة أبي ذرّ الغفاري”، و“العدالة الاجتماعيّة في الإسلام”، وهذه كلّها نبعت من إسلاميّين وليس من ماركسيّين»، في حين مال الماركسيّون إلى تأويل “ثوري” للإسلام في فترة السّبعينات.

إنّ واجب اليساريّين يكمن أيضا في تشجيع الفكر الدّيني الإسلامي على أن يفرز نخبة تقدميّة لمحاورتها وفي الوقت ذاته لمنافستها على استقطاب الجماهير في اتّجاه بؤرة فعل مدنيّ وديمقراطي وحداثي يخدم قيم العدالة والمواطنة الحرّة التي نريد. ولن يحدث ذلك إلا بتغيير زاوية النّظر والمقاربة والمنهج والانتظارات كما فعل المسيحيّون لاسيّما تيّارات التّجديد في اللاّهوت منذ كالفن ولوثر، وصولا إلى التّيارات اللاّهوتيّة والفلسفيّة المعاصرة كما تبلورت لدى بعض المفكرين أمثال رودلف بولتمان وبول ريكور وسواهما، أو لاهوت التّحرير كما في أمريكا الجنوبيّة الذي لا نعرف عنه إلاّ النّزر اليسير، هؤلاء المفكرون المسيحيّون التّقدميّون – كل على طريقته – غيّروا أفق التّفكير الحديث في الشّأن الدّيني، ويحتاج الأمر أن يتمّ التّعريف بهم لدى الشّباب المسلم.

إنّ شبابنا يجهل لاهوت التّحرير، ولا يعرف رجاله في العالم ولا يعلم شيئا عن أنصاره في العالم العربي مثل “الأب” اليسوعي “وليام سيدهم” أستاذ علم اللاهوت فى معهد السّكاكينى بالقاهرة في مصر. كما يجهل شبابنا ربما بدرجة أقلّ بعض التّيارات والمفكّرين المجدّدين في الإسلام مثل محمد الطّالبي ويوسف الصدّيق في تونس وحسن حنفي في مصر ومحمد شحرور في سوريا. مع التّشديد على أنّ “لاهوت التّحرير الإسلامي” الذي يمكن أن ينشأ في البيئة العربيّة-الإسلاميّة يجب ألاّ يكون نسخة طبق الأصل لنظيره في أمريكا اللاّتينيّة، بل فكرا وثيق الصّلة ببيئته الحضاريّة. كما يجب ألاّ يُستغَلَّ لخدمة الأيديولوجيا الأصوليّة بأيّ شكل من الأشكال.