
كلّ هذا الألم مضى، علينا أن نفكّر أنّ كلّ هذا مضى وانقضى، كي يمضي وينتهي. أوضاع مستبدة وبأذرع عديدة توالدت. وصار الواقع عبارة عن أذرع مهددة وأذرع مستسلمة.
علينا أن نقرّر أن كلّ هذا مضى وانقضى كي نتفرّغ لعملنا وأولادنا، ولأنفسنا، وعلاقاتنا، وللناس الذين مازالوا مبهوتين وغارقين في الخوف، أن نعثر على لغة تطمئن.
على الجميع أن يقرر أن التعذيب سيتوقف، والخطف والقصف سيتوقف.
أن نتناول ما أصاب الناس من كل هذا الالم، أمر ليس بسيطاً.
كأنّه كلّما ازداد الألم ازداد التحمّل ونقصت القدرة على التفاؤل، وإنّ الحديث عن هذا من باب الشفقة قد يسعّر الحقد، وإنّ الحديث عن هذا من باب الحقوق والسياسة قد يدخل في منزلقات وحدهم أصحاب الشأن من يعرفون القيادة فيها. لكن تناول عذاب الناس ضروري وواجب، وإن إجبار النفس والكتابة على هذا أمر ضروري وواجب مهما كان معقداً ومرهقاً. يبقى ان يُستأمَن القارئ على الكلمات والمعاني.
رفض صفة “المظلوم” و“الظالم” على الانسان العاقل هو أوّل درجات الكرامة الانسانية، لكن في حال الحرب والعذاب، يصبح الكل معاقاً ويصحّ إطلاق الصفات حين لا يكون الحال إلا طوارئ وشديدة الخطورة، الفوز بصفة الظالم عن صفة المظلوم ليس انتصاراً، ولكن هناك من يحب أن يقضي حياته متنقلاً متموجاً بين المرتبتين.
كنا نعتقد أن في الألم مرضا، لكن هذا الالم لم يكن مرضاً، وجب أن يثمر رفاهاً، وجب أن نقرر هذا ليحدث هذا. الامر ليس تفاؤلاً ولا همّة زائدة، إنما لأنه لا يوجد سبيل آخر لشقّ طريق إلى يوم آت إلا التفكير على هذا المنوال المريح.
الاطمئنان في الحاضر وعلى المستقبل رفاهاً يجب أن يشعر بأهميته كل بني آدم، لكنه ليس مطلباً يطلب من الاخر أو عبر التحالف مع آخر أوالحرب على آخر، أليس غريباً أن يستمر العالم في هذا النمط من الحصول على اطمئنان العيش؟
الجحيم هو أن يصبح السبيل للاطمئنان، عبر السعي لنيل رضى الاخر، هذا الاخر الذي يتقن العيش بين مرتبتي الظالم والمظلوم ولا يوجد منهج واضح لهذا التقافز، وليس كل الناس قادرين على فن الملاحقة هذا إن صح توصيفه بالفن. على الاقل ملايين الاطفال وأغلب الشعوب أيضاً. هذه اللغة لتوضيح حيرة الانسان في العلاقات السائدة وليس استسلامه لهذه العلاقات. على هذا الاخر أن يجد وأمثاله من الاخر ساحات بعيدة حيث يستطيعون التباري والتحارب وعلى حريتهم تماماً.
اليوم تأتي مناسبة لطيفة. لنلجأ إليها! مناسبة للجميع، للمرأة وللرجل ولكليهما معاً مناسبة لطيفة للمحبين. مناسبة للحب بكل أشكاله، لندعو للمثليين، هؤلاء الذين مازالوا لا يستطيعون إعلان الحبّ، إثمهم هو الحبّ ذاته. الإثم هو تجاوز القواعد بفيض الحب. عيد الحبّ مناسبة لنجعل أصوات النساء الواهية أصواتاً مسموعة، ومناسبة لنصغي لأحلام البنات بالحبّ والحياة.. ومناسبة للاطمئنان.