
يردّد الإخوان أنّهم وسطيّون معتدلون. ولا يمكن مناقشة دعواهم إلاّ بالعودة إلى أدبيّاتهم. إنّ من يقرأ كتاب سيّد قطب “معالم في الطريق” سيسهل عليه تفنيد ادّعاءاتهم الوسطيّة وسيكتشف أصوليّتهم. وسيهوله ما حفل به الكتاب من تحفيز على الجهاد المسلّح ومن ترغيب فيه ودفع إليه. وقد غلبت على الكتاب صيغ الجبر والإلزام والأمر وأساليب الصرامة والحدود. وهو يستند إلى المراجع السلفيّة (ابن القيّم خاصّة) والأصوليّة (عهد النبوّة الأوّل). كما أنّ قطب يكتفي من القرآن بالحدود والأوامر والنواهي. ولا يرى في الإسلام غير الجهاد وغزو الأمم وإسقاط الأنظمة ودحر القوانين والتشريعات. أمّا الأديان الأخرى لاسيّما التوحيديّة منها فليس لها في نظر قطب إلاّ إعلان إسلامها. فـــ “الأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام ولا تحكم فيها شريعته هي دار الحرب بالقياس إلى المسلم وإلى الذمّيّ كذلك يحاربها المسلم ولو كان فيها مولده وفيها قرابته من النّسب وصهره، وفيها أمواله ومنافعه.”
يبني قطب تنظيراته الجهاديّة على هذه القاعدة الأصوليّة “الإسلام لا يعرف إلاّ نوعين من المجتمعات؛ مجتمع إسلاميّ ومجتمع جاهليّ” (ص 105). طبعا هذا التعريف يلغي الأديان السماويّة الأخرى وينفي الأمم الموحِّدة الأخرى بشكل غريب. ويرفض قطب الاعتراف بأيّ تطوير للإسلام. وإنّما الإسلام في نظره هو إسلام الأصول الأولى فقط. يقول: “ليس المجتمع الإسلاميّ هو الذي يضمّ ناسا ممّن يسمّون أنفسهم مسلمين، بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع وإن صلّى وصام وحجّ البيت الحرام! وليس المجتمع الإسلاميّ هو الذي يبتدع لنفسه إسلاما من عند نفسه غير ما قرّره الله سبحانه وفصّله رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ويسمّيه مثلا”الإسلام المتطوّر“” (ص 105)
ويُفتتح كتاب “معالم في الطريق” بمقدّمات بسيطة ومتعجّلة، حتى لا نقول ساذجة، حول نضوب الإبداع الغربيّ وفشل النظام الجماعيّ الروسيّ ليصل بسرعة إلى أنّ الحلّ السحريّ لتجديد القيم البشريّة يكمن في “الإسلام”. ويقرّ قطب بأنّ المؤهّل الضروريّ لقيادة العالم هو المؤهّل الماديّ. وهو غير متوفّر في الأمّة الإسلاميّة في تقديره. ومادامت قيادة العالم ضرورة لابدّ منها فمن اللازم البحث عن المؤهّل الذي يتيح للأمّة الإسلاميّة قيادة العالم. ويجد سيّد قطب هذا المؤهّل؛ إنّه العقيدة. فهو يقترح العقيدة الإسلاميّة مؤهّلا لقيادة العالم بديلا عن المؤهّل الماديّ الذي لا تمتلكه الأمّة الإسلاميّة وهو يعني به العلم والتقنية. يقول: “لابدّ إذن من مؤهّل آخر لقيادة البشريّة غير الإبداع الماديّ، ولن يكون هذا المؤهّل سوى العقيدة” (ص 7)
وينطلق قطب من تقييم للعالم يقوم على تصنيفه بكونه جاهليّا. يقول: “إنّ العالم يعيش اليوم كلّه في جاهليّة من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقوّمات الحياة وأنظمتها” (ص 8) ويوضّح سيّد قطب ما يقصده بالجاهليّة فنجده يعني بها التشريعات المدنيّة التي تقوم بها مؤسّسات منتخبة. يقول: “هذه الجاهليّة تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخصّ خصائص الألوهيّة وهي الحاكميّة، إنّها تسند الحاكميّة إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أربابا لا في الصورة البدائيّة السّاذجة التي عرفتها الجاهليّة الأولى، ولكن في صورة ادّعاء حقّ وضع التصوّرات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة وفيما لم يأذن به الله، فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده.” ثمّ يتحدّث قطب عمّا يسمّيه “عمليّة البعث الإسلاميّ”. ويرى أنّ الظروف التاريخيّة في هذا العصر ملائمة لهذا البعث الإسلاميّ بعد فشل الأنظمة والإيديولوجيّات والقيم الغربيّة في قيادة العالم.
وانطلاقا من تلخيص لابن قيّم الجوزيّة، يخلص سيّد قطب إلى أنّ الجهاد هو باب تنفيذ البعث الإسلاميّ، ولا شيء آخر غيره. ويرى له سماتٍ أربعًا:
– السّمة الأولى: الواقعيّة الجديّة في منهج هذا الدّين، ويقصد بها مواجهة الواقع بما هو منه يعني العنف بالعنف.
– السّمة الثّانية: الواقعيّة الحركيّة: ويقصد بها المرحليّة.
– السّمة الثالثة: الالتزام الأصول.
السّمة الرّابعة: الضبط التشريعيّ للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى “وقيام ذلك الضبط على أنّ الإسلام لله هو الأصل العالميّ الذي على البشريّة كلّها أن تفيء إليه.”وإنّ هناك دارا واحدة هي دار واحدة هي دار الإسلام، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة، فتهيمن عليها شريعة الله وتقام فيها حدوده، ويتولّى المسلمون فيها بعضهم بعضا، وما عداها فهو دار حرب، علاقة المسلم بها إمّا القتال وإمّا المهادنة على عهد أمان. ولكنّها ليست دار إسلام ولا ولاء بينها وبين المسلمين.“
ويعتقد قطب أنّ”المجتمع الإسلاميّ – بصفته تلك- هو وحده “المجتمع المتحضّر”، والمجتمعات الجاهليّة بكلّ صورها المتعدّدة مجتمعات متخلّفة.“وهو يرفض طبعا كلّ أوجه الحياة المدنيّة الحديثة. فهو يعتقد”أنّ هناك حزبا واحدا لله لا يتعدّد وأحزابا أخرى كلّها للشيطان وللطاغوت. الذي آمنوا يقاتلون في سبيل الله ﴿والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتِلوا أولياء الشيطان، إنّ كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ (النساء: 76)“ويطمح قطب إلى أن يكون الإسلام شريعة كونيّة لأنّ”الله الذي خلق هذا الوجود الكونيّ وخلق الإنسان والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكونيّ هو سبحانه الذي سنّ للإنسان شريعة لتنظيم حياته الإراديّة تنظيما متناسقا مع حياته الطبيعيّة. فالشريعة على هذا الأساس إن هي إلاّ قطاع من النّاموس الإلهيّ العام الذي يحكم فطرة الإنسان وفطرة الوجود العام وينسّقها كلّها جملة واحدة.“(ص 99)
طبعا، لا إشارة في هذا المفهوم للشريعة إلى بعدها البشريّ باعتبارها اجتهادا بشريّا في تفسير أصول التشريع واستخراج الأحكام والحدود منها. ولا يستند تعريف قطب إلى مراجع العلماء ومدوّنات الفقه وأصوله والتفسير ورجالاته. وإنّما هي أهواؤه يصوغها معارف ثابتة لا تقبل النقاش لتصير نبراس الأصوليّين اليوم ومرجعهم ومستندهم.
وفي مستوى تنظيم المجتمع، يرفض قطب أيّ مصدر آخر للتلقّي والتعلّم غير القرآن. وهو أمر غريب فعلا فحتى المسلمون الأوائل طلبوا العلم أسوة بالحديث الشريف. ونقلوا المعارف وترجموا المنطق والآداب والفلسفة منذ عهد المأمون وتأسيس بيت الحكمة ببغداد. فكيف ينتكس الأصوليّون عن الأصول نفسها؟ يقول قطب في نبرة المشرّع المفتي:”إنّ المسلم لا يملك أن يتلقّى في أمر يختصّ بحقائق العقيدة أو التصوّر العام للوجود أو يختصّ بالعبادة أو يختصّ بالخلق والسّلوك والقيم والموازين أو يختصّ بالمبادئ والأصول في النظام السياسيّ أو الاجتماعيّ أو الاقتصاديّ أو يختصّ بتفسير بواعث النشاط الإنسانيّ وبحركة التاريخ الإنسانيّ، إلاّ من ذلك المصدر الربّاني. ولا يتلقّى في هذا كلّه إلاّ عن مسلم يثق في دينه وتقواه ومزاولته لعقيدته في واقع الحياة“(126) ولم يقل لنا سيّد قطب ماذا نفعل بالمؤسّسات التربويّة وبالأنشطة الرياضيّة والفكريّة؟ كما لم يبيّن لنا كيف نقنع أطفالنا بترك معارف العصر وعلومه وتقنيّاته ومناهجه ومدارسه؟
ومقابل ذلك، لم يرفض قطب العلم والتقنية القادمة من الغرب بل حرّض عليها. وإنّما كان شديد الخوف من الفلسفة. ونبّه إلى تعارضها للتصوّر الدينيّ في نظره وإلى خطرها على الينبوع الإسلاميّ الصافيّ. يقول:”ومن ثمّة يكون من الغفلة المزرية الاعتماد على مناهج الفكر الغربيّ، وعلى نتائجه كذلك، في الدراسات الإسلاميّة. ومن ثمّة تجب الحيطة كذلك في أثناء دراسة العلوم البحتة – التي لابدّ لنا في موقفنا الحاضر من تلقّيها من مصادرها الغربيّة- من أيّ ظلال فلسفيّة تتعلّق بها لأنّ هذه الظلال معادية في أساسها للتصوّر الدينيّ جملة وللتصوّر الإسلاميّ بصفة خاصّة. وأيّ قدر منها يكفي لتسميم الينبوع الإسلاميّ الصّافي.”
لا يخفى ما في هذا الكلام من عنصريّة تفاضل بين الإسلام وباقي الأديان السماويّة وتفضّل الإسلام عنها، وتفاضل بين المسلمين وبقيّة الشعوب والأمم وتفضّل المسلمين لأنّهم فقط مسلمون أي على أساس دينيّ. وهذا الموقف التعييريّ يسمح من خلاله سيّد قطب لنفسه بالدعوة إلى محاربة الأمم الأخرى فقط لأنّها غير مسلمة لإجبارها على دخول الإسلام أو دفع الجزية.
نعم، هذا ما ينظّر له سيّد قطب في منتصف القرن الماضي دون أدنى اعتبار للواقع السياسيّ والحضاريّ ولا لموازين القوى الدوليّة التي تميل إلى من يريد قطب محاربتهم وفتح بلدانهم. لم يكن مع قطب سوى استيهاماته فحتى المسلمون الأوائل أنشأوا علاقات جوار وتعاون مع جيرانهم. ولم يعادوا إلاّ من عاداهم ولم يحاربوا سوى من حاربهم.
كما أنّه من المهمّ أن نسجّل أنّ سيّد قطب منظّر الإخوان يثبت من خلال كتابه هذا التماهي النظريّ التام بين الإيديولوجيا الإخوانيّة وبين الإيديولوجيا السلفيّة. فكلّها أصوليّة جهاديّة عنفيّة وإن كان بعض أجنحة الإخوان يرتدون ثوب المدنيّة على قلق. ولعلّ هذا ما يفسّر قيادة الإخوانيّ أيمن الظواهري لتنظم القاعدة الأصوليّ الجهاديّ اليوم.