
“هناك [أمريكا] الفرد قائم بذاته يفارق أسرته مبكراً. هنا لا أحد ينفلت من قبضة الجماعة. ” (1)
نجد في لسان العرب أن كلمة الأسرة وردت بمعنّى العشيرة، و الرهطة الأدنون لأن الرجل يتقوى بهم. و في المعجم الوسيط نجد أن الأسرة هي أهل الرجل وعشيرته. وكذلك، نجد أنها جماعة يربطها أمر مشترك.
وأمّا في علم الإجتماع فالأسرة تعني الخلية الأساسيّة في المجتمع، أو الوحدة الاجتماعيّة الأولى فيه. و هي حسب علماء الاجتماع تنقسم إلى أنواع متعددة، فهناك الأسرة النواة وهناك أيضاً الأسرة الممتدة.. إلخ.
وحسب المعجم اللّغوي العربيّ فإنه يتضح لنا أن الأسرة مرتبطة بالعشيرة، أي بالقبيلة. وهذا يدل على مدى ارتباط الإنسان العربيّ ـ وأقول أيضاً المغاربيّ ـ بجماعته. فهو لا يرى نفسه إلا داخلها و كفرد من أفرادها.
وإن المتأمّل للأسرة في العالم الغربي، الأوروبي تحديداً، يجدها مختلفة جدّاً عن الأسرة في العالم الإسلاميّ. ويشير في هذا الصدد “أنتوني بلاك” إلى كون أوروبا كانت فريدة في تطوير العائلة الصغيرة، في مرحلة مبكرة على حساب العائلة الكبيرة أو العشيرة. لأن المسيحيّة قللت من أهمية العائلة (2)، لاسيما الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تعتبر العزوبة مثلاً أعلى. كذلك فإن الزواج في أوروبا كان أحادياً والطلاق مستحيلاً. و لهذه الأسباب وغيرها فقد مال الأوروبيون إلى الزواج المتأخر وإلى إنجاب أطفال أقل (3). بينما في الجهة الأخرى، أي في العالم الإسلاميّ، نجد أن الإسلام أعطى أهميّة كبيرة للعائلة وللأسرة. فأصبح شائعاً أن الزواج هو نصف الدّين، كذلك فقد ورد عن الرسول قوله : “تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة” (4).
وهكذا أصبح الزواج والتكاثر محبباً عند المسلمين، وارتبط أيضاً بواجب الاحترام والطاعة للوالدين. حتى أضحى مبدأ حقوق الوالدين على الأبناء أكثر تداولاً في خطب الجمعة وفي المنابر و القنوات الدينيّة على مبدأ حقوق الأبناء على الوالدين. وكل هذه الأمور ساهمت في تقويّة دور العائلة والعشيرة في العالم الإسلاميّ، بينما في العالم الأوروبي، فقد قللت العوامل التي ذكرتها من دور العائلة وبالتالي من دور العشائر. فاختفت القبائل من أوروبا، باستثناء بعض المناطق، بحلول القرن الحادي عشر (5). وهنا، ينبه “أنتوني بلاك” إلى أن هذا الانتقال الذي عرفته أوروبا في موضوع الأسرة قد شجع إحساساً متصاعداً بالفردانيّة.
وهذه الفردانيّة تعتبر ركيزة من ركائز الحداثة الغربيّة بجوار العقلانيّة والدّيمقراطيّة والعلمانيّة. لذا فهي لا محالة ضرورية من أجل الانتقال الدّيمقراطيّ، فالحداثة كلّ لا يتجزأ. والفردانيّة، كما هو معلوم، تنشد ضمان سعادة الفرد، واستقلاليته من سلطة الجماعة، أي جماعة، سواء كانت عائليّة أو سياسيّة، بحيث يكون للمواطن موقفه الخاص ورأيه السياسي المستقل بعيداً عن أي قهر من سلطة ما.
وبناء على ما ترتب يجوز لي أن أتساءل : هل يمكن أن تظهر هذه الفردانيّة في الأسرة العربيّة و المغاربيّة؟ يقول عبد الله العروي : “نتساءل كذلك، و نتيه مجدداً في التأويلات، عن عدم تجذر الدّيمقراطيّة عندنا… فلننظر في الوضع العائلي، علاقة الأب والابن، الزوج و الزوجة، ربة البيت و الخادم…” (6). إن الملاحظ للوضع العائلي في الأسر العربيّة و المغاربيّة يجده ينهض على مبدأ الطاعة. فالإبن عليه أن يطيع والده، و الزوجة ينبغي أن تطيع زوجها، وهكذا فإن العائلة تكبح أي إرادة للاستقلاليّة و للحريّة و بالتالي للفردانيّة. و في هذا الشأن يقول الأستاذ عبد الله العروي أيضاً : ” الشاب المغربيّ، مهما بلغ من الثقافة، تابع لا متبوع، مستفيد لا مفيد، هكذا كيفته قرون من المخزنيّة (7). فالشاب المغربيّ سريع الانقياد بسبب التربيّة التي تعرض لها وسط المجتمع. (8)
من جانب آخر فإن العائلة أيضاً تعرقل العمليّة الديمقراطيّة داخل الأحزاب السياسيّة في أوطاننا العربيّة و المغاربيّة، حيث نجد أن بعض العائلات تهيمن على قيادة الأحزاب. فهي تقوم بتوريث الزعامة والقيادة لأفراد عائلتها. وهكذا فإن العائلة تعرقل العمليّة الديمقراطيّة داخل الأحزاب السياسيّة. و حين تغيب الدّيمقراطيّة عن الأحزاب السياسيّة فما الذي يمكن أن نقوله ساعتها عن غيابها في الدولة ككلّ ! وعلى هذا، فلا غرابة أن تصبح بعض الأحزاب مثل القبائل والعشائر، لأن هذا الأمر جزء من بنيتنا الثقافيّة. (9)
ومن كلّ هذا يتضح أن للعائلة و للأسرة دور كبير في عرقلة العمليّة الدّيمقراطيّة. فهي أولاً، لا تنشىء الفرد على قيم الحداثة و الفردانيّة. و ثانياً، تسيطر على المؤسسات المنوط بها تفعيل الديمقراطيّة. وما يجب أن يلفت النظر هنا هو، أنه رغم كلّ هذه الاختلالات التي تسببها العائلة، فإن الكثير من الأصوات لازالت تمدح قوة الروابط العائليّة في مجتمعاتنا، في حين تتحدث بشكل سلبي عن ضعف العلاقات العائليّة في الغرب.
و لهذا، ففي الختام، ما يهمني التأكيد عليه هو أن ضعف العلاقات العائليّة، في حقيقيّة الأمر، يخدم الدّيمقراطيّة. فعلاقة الدم هي من بين أسباب إعاقة عملية الانتقال الديمقراطي عندنا، و أعني الأسرة النواة و لأسرة الممتدة إلى أن نصل للقبيلة، حيث تحضر روح الجماعة.
هوامش :
1 ـ عبد الله العروي، أوراق، المركز الثقافي العربي، الطبعة السادسة 2004، ص : 90
2 ـ ورد في إنجيل متى الاصحاح العاشر ما يلي : من أحبّ أباً أو أمّا أكثر مني فلا يستحقني و من أحبّ إبناً أو إبنة أكثر مني فلا يستحقني. و ورد في إنجيل لوقا الاصحاح الرابع عشر ما يلي : إذا كان أحد يأتي إلي و لا يبغض أباه و أمه و امرأته و أولاده و اخوته و اخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً .
3 ـ. أنتوني بلاك، الغرب و الإسلام، ترجمة : د فؤاد عبد المطلب، سلسلة عالم المعرفة، عدد 394 نوفمبر 2012، ص : 117
4 ـ حديث صحيح رواه الشافعي عن ابن عمرو.
5 ـ أنتوني بلاك، مرجع سابق، ص : 118
6 ـ عبد الله العروي، خواطر الصباح، ج : 3، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانيّة 2008، ص 64
7 ـ عبد الله العروي، مرجع نفسه، ص: 144
8 ـ أقصد بالمجتمع : النظام الشرعي و القانوني و الاجتماعي و الاقتصادي. ..
9 ـ الأمر متعلق بالأحزاب التاريخيّة و كذلك بالأحزاب و الجماعات ذات المرجعيّة الدينيّة، ففي عدد 9451، نشرت جريدة العرب بتاريخ : 27 يناير 2014 موضوعاً حول علاقات النسب و المصاهرة التنظيميّة في صفوف قيادات و أعضاء مكتب الإرشاد داخل تنظيم الإخوان المسلمين. و هنا يمكن أن نتساءل عن سبب ضعف الإيمان بالعقيدة أو الإيديولوجيا التي من المفروض أن يعبر عنها الحزب أو الجماعة لصالح علاقات الدم بين الأعضاء و القيادات، فهل السبب راجع لكون العقيدة الحزبيّة أو المرجعيات الفكريّة لا وجود لها إلا نظرياً فقط أم لأن البنيّة الثقافيّة لمجتمعاتنا اقتضت ذلك؟