لا تَعْتَـذر عَـمَّــا كَتَبْـــتَ

تتملَّكُنِي الدَّهْشَة والحيرة، إزاء ما يجري من وقائع وأحداث لها علاقة بالشأن الثقافي في بعض البلاد العربية. لم أفهم، مثلاً، معنى أن يقوم بعض «المُحْتَسِبينَ الشُّبَّان»! في معرض الكِتَاب الأخير بالرياض، بمصادرة الأعمال الشِّعرية لشِّعرية الكاملة للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، بدعوى أنَّ بعض العبارات الواردة فيها تَتَضمَّن معاني فيها كُفْرٌ بالدِّين. فهُم لم يقولوا فيها ما يوحي بالكُفْر، أو ما يمكن أن يكون إيحاءً بالكُفْر، على سبيل التَّحَفُّظ والشَّك، وما قد تَحْتَمِلُه العبارات أو الألفاظ من إيحاءات بما ظَنُّوه كذلك. الحُكْم قَطْعِيّ، حاسِم، لا رِجْعَةَ فيه، ما يعني أن هؤلاء «المُحْتَسِبين» قرأوا هذه العبارات، باعتبار دلالاتها النِّهائية، التي لا تقبل التأويل، أو تَعدُّد التفاسير والشُّروح والقراءات.

أوَّلاً : ما الذي يُسَوِّغ لهؤلاء أن يستعملوا الدِّين في مُصادَرة الشِّعر، نَصّاً وقراءةً، علماً أنَّ الشِّعرَ هو خطاب لا يخضع لمقياس الدِّين، أو هو لغةٌ تحتمل أكثر من معنًى، لأنَّها لغة تعبير مجازي بامتياز، وحَمَّالة أوْجُه، بتعبير على بن أبي طالب؟

ثانياً: جهاز مثل هذا، ما الدَّاعي لوجوده أصْلاً في حياة الناس، سوى أن يكون نوعاً من الإكراه، وفرض فَهْمٍ وقراءة معينين للدِّين، ليس هما بالضرورة ما يجري في الدِّين نفسه؟

ثالثاً: هل هؤلاء «الشِّبَّان»! لم يصلوا لهذا الكُفْر الموجود في أعمال محمود درويش إلاَّ اليوم، علماً أنَّ دواوين هذا الشَّاعِر، نفسه، كانت حاضرةً في معارض الرياض السابقة، وهي موجودة ويقرأها الناس، في السعودية، كما في غيرها من البلدان العربية الأخرى. فهل محمود مؤمن هنا، كافرٌ هناك؟ ووفق أي فَهْم ومعْنًى؟

رابعاً: نصوص محمود درويش موجودة في مئات المواقع الخاصة بالشِّعر، وفي دراسات وكتابات قَرَأتْ شِعٌرَه واحتَفَتْ به، فما الدَّاعي لادِّعاد مثل هذا الافتراء تحت مُسَمَّى الكُفْر، أو بإدْخالِه في الدِّين؟ أليس هذا تعبيراً عن جَهْل هؤلاء الممحتسبين بالشِّعر وبالدِّين نفسه؟ وجهل بدور المَعارِض التي يُفْتَرَض فيها أن تكون وسيلةً لنقل المعارف وتبادُلِها، ووضع خبرات الآخرين، في المعرفة والفكر تحت تَصَرُّف مُواطِني البلد المُضِيف، من متعلمين ومثقفين وكُتَّاب ومبدعين، خصوصاً ممن لا تصلهم بعض الكُتُب، أو لا تُوَزَّع في بلدهم، ويكون المعرض بالنسبة لهم الفرصة الوحيدة لاقتناء بعض هذه الكُتُب والتَّعَرُّف عليها؟

لم يَعُد مقبولاً مُصادَرة الخيالات والأفكار، في عالمٍ أصبح فيه كل شيء مُتاحٌ، وموجود في طريق الناس، يَصِل إليهم، أو يصلون إليه، دون جُهْد أو عَناء. فأن نُصادر ديواناً شعرياً أو روايةً أو كتابَ فكر أو نقد، فهذه مُصادَرة لحرية الإنسان في المعرفة وفي الاختيار، وهي، وفق ما جَرَتْ به الأمور في معرض الرياض، مع الأسف الشديد، تضييق على الدِّين نفسه، الذي نعتبره هَشّاً، لا يملك ما يكفي من وسائل تبرير نفسه، أو ما يدعو له، أي بمعنى أنَّ الإنسان «الكافرَ» المُلْحِدَ، المارِقَ أو الشَّاعر، هو أكبر من الله ومن الدِّين.

كما في الدِّين عُلماء، هُم ذَوُوا اختصاص، وأصحاب معرفة في ما يقتضيه الدِّين من معرفة ببعض علومه، وأدوات قراءته، ولا يمكن تجاوُزُهُم في أمور الدِّين، فكذلك الشِّعر له نُقَّادُه ومَنْ لهم خِبْرة في قراءته ومعرفته، ممن كرَّسُوا حياتَهُم للشِّعر وتعرَّفُوا عليه في مختلف اللغات والثقافات، وهؤلاء هُم من ينبغي أن يكونوا حاسمين في مثل هذا النوع من المشكلات، التي هي مشكلات في حقيقتها، بعيدة عن الشِّعر، وعن المعرفة الشِّعرية، لأنَّ الشِّعر ليس ديناً، كما أنَّ الدّينَ ليس شعراً، وهذا ما أكَّدَ عليه القرآن نفسه، الذي حَسَم في الفصل بين الاثنين، وحدَّد من منظوره زاوية كل واحد منهما، والأرض التي تَخُصُّه وتعنيه.

لا أعْرِف كم سنحتاج من الوقت لِفَهْم دَوْر الدِّين في حياة الناس، ولفهم الدِّين نفسه، في بساطته وسلاسته، ودون هذه التعقيدات التي تجعل من الكُفْر أقرب إلى الإنسان من حَبْل الوريد؟ كما لا أعرف إلى متى سنظل نستعمل الدِّين كذريعة لتصفية حساباتنا مع المُخالِفين لنا، ولفرض سيطرتنا على الناس، وحُكْمِهِم بـ «قهر» الدِّين و «تَسَلُّطِه»، وليس بالحوار ونَشْر المعرفة، وتعليم الإنسان وتثقيفه، ووضعه شريكاً في الرأي والحُكْم، وتدبير الشأن العام، لا مجرَّدَ «رَعِيَّة» وتابع، لا يملك سلطةً على نفسه، ولا يمكنه أن يَتَّخِذَ قراراً، أو يُشارك في اتِّخاذ القرارات؟

يمكن لمحمود درويش، مثل أدونيس، وربما السياب والماغوط وأنسي الحاج ، وغيرهم أن يكونوا ممنوعين في المملكة العربية السعودية، وغير مسموح لشعرهم أن يكون موجوداً في مكتباتها ومدارسها وجامعاتها، لكن هؤلاء، مثل السابقين عليهم، سيظلون موجودين في وجدان القاريء العربي، وفي خَيالِه وفكره، وفي تكوينه الجمالي، في المغرب وفي تونس وفي القاهرة وفي بيروت، وغيرها من البلاد التي لم تَتشَدَّد في الدّين، أو كانت فيها حرية الرأي والفكر، بغير ما هي عليه من تَدَنٍّ في بعض البلدان التي لا تزال تعيش خارج زمن التقنية وانتشار المعارف والمعلومات.

غاليلي، صادَرَتْه الكنيسة وأعْدَمَتْه، لأنَّه خالفَها في الفكر وفي النظر، لكن الكنيسة، وكما تَعْرِف الكنيسة نفسها، كانت على خطإ، وتدخَّلَت في مجالٍ هو من اختصاص العلم والعقل، أي من اختصاص جاليلي، فكان ما فَعَلَتْه إدانةً لها، وإضعافاً لسلطة رجال الدِّين للدِّين نفسِه الذي كان مُتَشَدِّداً ومُتزمِّتاً لأفكار لم تصمد أمام رجاحة وصواب العقل. وبغض النظر عن النقاش الذي دار حول موقف ديكارت من إعدام جاليلي، أو ما عُرِفَ بـ «صمت ديكارت»، فديكارت نفسه، كان يعرف أنَّ الكنيسة كانت أكبر منه، وأنَّها تَسَلَّطَتْ على الفكر والعقل، فاضْطُر لاستعمال أسلوب المُراوَغة والمُهادنة، وتمويه مكان إقامته، لأنه عرف أنَّ يد الكنيسة ورجال الدين أطول من يده، ومن هذا العقل الذي سيكون هو ما رغِبَ ديكارت في اعتباره «النور الطبيعي» الذي سيكشف للإنسان طريق المعرفة. فلايقين دون شك وقلق وتفكير وتأمُّل ومُراجعة.

لستُ بصدد الدِّفاع عن ديكارت، أو العودة لِما اعْتُبِر نقطة سوداء في مساره الفلسفي، باعتباره مثقفاً تخلَّى عن دوره ووظيفته في المواجهة، والخُروج لِلْعَلَن، رغم أن نظامه الفلسفي وفق ميرلوبونتي، قام على فيزياء غاليلي، بقدر ما أسعى هنا لأقول للمُحْتَسِبين الذي يستعملون الدِّين لقهر العقل والخيال، ولِمُصادرة الرأي المُخالِف، أنَّ الدِّينَ نفسَه مبني على العقل وعلى تفكير ما يدعو له، لكن العقل في الدِّين يموت وينتهي حين يصبح الدِّين هو ما يقوده، وليس هو ما يقود الدِّين. وهذا ما كان جوهر اختلاف ابن رشد، وغيره من الفلاسفة المسلمين المتنورين، مع الفقهاء، ممن عَطَّلُوا العقل لصالح الدِّين، أو ألْغَوْه ليبقى الإنسان في يدهم كآلة يُحَرِّكونه كما شاؤوا، ويَبْقَوْا هُم من يحتلُّون النص ويُسَيْطِرُون على معانيه، وعلى تأويلاته المختلفة، التي لا يمكن تجاوزُها والخروج عنها. وهذا هو ما فَعلَتْهُ الكنيسة، جين أقْدَمَت على إعدام جاليلي، لأنَّه جاء بمعْنًى وبِفَهْم ليسا هُما ما كانت الكنيسة تعتبره المعنى والفهم النِّهائِيَيْن والحاسِمَيْن.

مثل هذا النوع من المُصادرة على الشِّعر والفكر، وحرية التخييل، ومُراقبة ما يخرج من الألسنة من كلام، ومُطاردة الشُّعراء، أحياءً وأمواتَ. كان بين ما جعلني أعتذر عن المشاركة في معرض الرياض، حين دُعِيتُ، في السنة الماضية لأكون بين الشُّعراء المغاربة الذين سيقرأون نصوصهم الشِّعرية هناك. فأنا، حقيقةً، سألتُ نفسي قبل أي أحد آخر: هل ما أكْتُبُه هنا، يصلح لأقرأه هناك؟ أم أنني سأختار نصوصاً باردةً تقول كل شيء ولا تقول أي شيء، إذا كنتُ كَتَبْتُها، فعلاً، لِأُدَاهِنَ بها المستمعين، أو «المُحْتَسِبين»، حتى لا أكون سبباً في أزمة أو شططٍ ما، أو أكون «كافراً» أو مُحَرِّضاً على الكُفْر؟ 

أن نَنْتَصِر للشِّعر، في اختياراته الجمالية، وفي طبيعة الرؤية التي نَصْدُر عنها، وليس لِما يُرْضِي غيرنا، مهما كان شأنه، وطبيعة السلطة التي في يده، فهذا كان في صُلْب ما دافَعْتُ عنه، دائماً، بكل تبعاته، وما أعرف أنَّه الثمن الذي علينا أن نُؤدِّيه، لأنَّ الشِّعر أكبر من أن نختزله في المُدَاهنات، وفي المُجاملات، التي هي من مفاسد الشِّعر والفكر معاً، والإبداع عموماً.

الفكر والشِّعر، لا يحتاجان لمن يدافع عنهما، فهُما ضمن نظام حياتنا ووُجودنا، وهُما الإنسان وهو يتحرَّك ويحيا ويتأمَّل ويُفَكِّر، و يخلق ويَبْتَكِر، ويَبْتَدِع. بدون فكر وشعر، أي بالدِّين وحده، سيكون الدِّين، نفسه، بدون معنًى. فالدِّين وُجِدَ لِيُفَكِّر فيه الإنسان، وليقبله أو يرفضه بعد تأمُّل ومراجعة وتفكير، وهو اختيار فردي حُرّ، والعقل يبقى، في مثل هذا الوضع، هو ما يدفع الإنسان للاقتناع أو للرفض والامتناع. وفي هذا يكون الشِّعر والفكر، رؤية أخرى للحياة وللوجود، والعين الأخرى التي تجعل النظر سَوِيّاً، وليس نظراً حَسيراً، تنقُصُه الحَصَافَةُ وتمييز الأشياء.

ورغم أنَّنِي لسْتُ طرفاً في ما تعرَّض له الشَّاعر الراحل محمود درويش من مَنْع وتكفير، فأنا باسم أصدقائي الشُّعراء، ممن اختاروا الشِّعر، كأفُق للنظر، وكطريق، بالتعبير الهايدغري، أعتذر للصديق الراحل، وأقول له إنَّ الشِّعر يتقَوَّى بمنعه، وبالحُب الذي يَبُثُّه في نفوس الناس، أي بذلك الضوء البعيد الذي يُشْعِلُه في آخر النَّفَق. أمَّا أنتَ صديقي الشَّاعر، فلا تعتذر معَمَّا كَتَبْتَ.