
تختلف الثقافات في إضفاء الرمزيّة عل الكائنات الحيّة التي تشاركنا الوجود، فتمنح ثقافة ما لحيوان معنّى رمزيّاً يخالف المعنّى الذي منحته ثقافة أخرى لنفس الحيوان. ولأن الاختلاف بين الشرق و الغرب ليس بذلك الاختلاف البسيط، فإن رؤية العرب لبعض الكائنات كانت مختلفة عن رؤية الغربيين لها. والمثال الذي سأضربه في هذا المقال لهذا الاختلاف هو مثال طائر البوم. فسأعمل على تبين رمزية هذا الطائر بين الثقافة العربيّة والثقافة الغربيّة، ثم سأختم هذه السطور محاولاً الإجابة على السؤال التالي : لماذا علينا أن نتخذ من البوم رمزاً للتنوير؟
جـاء في المعجم الوسيط أن “البومة طائر يكثر ظهوره باللّيل و يسكن الخراب، و يضرب به المثل في الشؤم و قبح الصورة والصوت”. فلم يرى العرب في البومة إلا رمزاً للخراب ونذيراً بالشؤم، فهم لم ينظروا لأبعد مما يظهر لهم. فهذا كائن ليلي، وحشي الطبع، يصدر أصواتاً مخيفة، فإنه بالتالي رمز شرير. ويذكر شهاب الدين الأبشيهي في كتابه المستطرف في كل فن مستظرف ما يلي : “بومة : وكنيتها أم الخراب وأم الصبيان ومن طبعها أن تدخل على كل طير في وكره وتأكل أفراخه (…) ونقل المسعودي عن الجاحظ : أن البومة لا تخرج بالنهار خوفاً من العين، لأنها تظن أنها حسناء وهي أصناف و كلها تحبّ الخلوة بنفسها. ” (1) ويورد إخوان الصفاء فكاهة عن موسيقار لا يضع أنغاماً موزونة جميلة، فقالوا : “زعم أهل الكهانة أن صوت البوم يدل على موت إنسان، فإن كان ما قالوا صادقاً، فصوت هذا الموسيقار يدل على موت البوم. ”. ويورد إخوان الصفاء أيضاً قصة لطيفة عن البوم، وهي أن الجوارح اجتمعت لتختار منها من يناظر الإنسان، فقال العنقاء وهو ملك الجوارح لوزيره : “أترى من يصلح من هذه الجوارح أن نبعثه لينوب عن الجماعة من أبناء جنسه بالمناظرة مع الإنس؟ فقال الوزير : ليس فيها أحد يصلح لهذا غير البوم. ” والسبب : لأن “البوم قريب المجاورة لهم ـ للإنسان ـ في ديارهم العافية و منازلهم الدارسة وقصورهم الخربة، وينظر إلى آثارهم القديمة، ويعتبر بالقرون الماضية، وفيه مع ذلك من الورع والزهد والخشوع والتقنّع والتقشّف ما ليس لغيره، يصوم النهار ويحيي اللّيل، و ربما يعظ بني آدام يذكرهم وينوح على ملوكهم الماضية والأمم السالفة، ويقول هذه الأبيات : (…)
في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
يمضي الأكابر و الأصاغر
لا يرجع الماضي و لا
يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني، لا محالة،
حيث صار القوم صائر” (2)
و عند انتهاء الوزير من ذكر سبب ترشيحه للبوم لمناظرة الإنسان، قام ملك الجوارح بسؤال البوم عن صدق ما قاله الوزير، فقال البوم : “صدق فيما قال، ولكن لا يمكن المصير إلى هناك. قال الملك : لم ذلك ؟ قال : لأن بني آدم يبغضونني ويتطيرون برؤيتي، ويشتمونني من غير ذنب إليهم ولا أذيّة تنالهم مني. ” (3)
ومن هذا النص يظهر لنا أن البوم رغم أنه طائر يتطير منه الإنسان إلا أنه مع ذلك طائرٌ حكيم يذكر الإنسان بحقيقة الفناء. ففي النص إشارة للحكمة وإن كانت حكمة مزعجة، فلا أحد يرغب بتذكر الموت وأن “كل شيء إلى ضياع”. وربّما من هذا المنطلق تأتي النقمة على هذا الطائر.
وفي كليلة ودمنة التي ترجمها ابن المقفع إلى العربية نجد قصة لطيفة أيضاً عن نزاع دار بين البوم والغربان، و قد أظهرت القصة أن الغربان أكثر ذكاءً من البوم، في حين تم وصف البوم على لسان الغراب بأنه : “أقبح الطير منظراً، وأسوؤها خلقاً، وأقلها عقلاً، وأشدها غضباً وأبعدها من كل رحمة، مع عماها وما بها من العشا بالنهار، وأشد من ذلك وأقبح أمورها سفهها وسوء أخلاقها. ” ( ابن المقفع، كليلة و دمنة، باب البوم و الغراب )
وأما في الثقافة الغربية فإن هذا الطائر، على خلاف كل ما سبق، فإنه يعد رمزاً للحكمة، لأنه يميل من ناحية إلى الصمت ومن ناحية أخرى إلى التواجد في الأماكن المهجورة، في ما يوحي بأن هذا الطائر يميل إلى العزلة و التفكير.
وهكذا نرى أن القدماء الغربيين ـ عكس قدماء العرب ـ حين اتخذوا البومة رمزاً للحكمة تجاوزوا بالتالي تلك الرؤية الضيقة لهذا الكائن، فلم يروا في ميله للانعزال توحشاً، بل حكمة، ( ولم لا يكون تمجيداً للفردانيّة أيضاً؟ ) ولم يروا في شكله ما يدعوا للخوف وللشؤم.
وقد ضرب هيجل مثالاً جميلاً بهذا الطائر، فقال في إحدى عباراته الشهيرة : “إن بومة مينيرفا لا تبدأ في الطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله” (4). ومينيرفا هي إلهة الحكمة عند الرومان، ويقصد هيجل بعبارة “بومة مينيرفا” الفلسفة. فهو يعني أن الفلسفة لا تبدأ إلا بعد أن يكتمل الواقع الفعلي و تنتهي عملية تطوره، فتأتي الفلسفة لتحلل هذا الواقع المكتمل. (5)
في الختام، لماذا علينا أن نتخذ من هذا الطائر رمزاً للتنوير؟ أو بعبارة أخرى لماذا يصلح لأن يكون رمزاً لنا؟ (6) إن هذا الطائر يعيش وحيداً منعزلاً، فهو إذن كمتوحد إبن باجة في المدن الناقصة التي يعيش فيها، وألسنا كنوابت ابن باجة نعيش في المدن الناقصة؟ (7) ثم إن هذا الطائر يتمتع بقدرة على الرؤية في اللّيل، وألسنا نحتاج لعيون البومة لنستطيع أن نرى وسط هذه الظلمات المدلهمة؟ ثم إن البومة تنقض على الفئران والجرذان، وألسنا نحاول أن نحارب بالفكر وبالثقافة فئران الظلام وجرذان التخلف والجهل؟ وأخيراً إننا نحتاج لأن نتزود بحكمة بومة مينيرفا ( الفلسفة ) لنستطيع ما أمكن أن نفكر تفكيراً سليماً وأن نحلل هذه الفوضى والتفاهة التي تحيط بنا علنا نتمكن من التغلب عليها. وعلاوة على ذلك، فإننا كالبوم معرضون للشتم و للبغض و لشتى أنوع العنف المادي والرمزي من طرف أصحاب الثقافة التقليدية، ومن طرف خصوم الفلسفة وهم سدنة الركود والجمود الذين لا يرحبون بأي فكر تجديدي أو تنويري.
وإذن، ترتيباً على كل هذا يحق لنا أن نتخذ البوم رمزاً للتنوير الذي نؤمن به.
الهوامش:
1 ـ شهاب الدين الإبشيهي، المستطرف من كل فن مستظرف، شرحها و حققها : مفيد محمد قميحة، الجزء الثاني، دار الكتب العلمية، ط 2، ص : 227
2 ـ رسائل إخوان الصفاء و خلان الوفاء، المجلد الثاني، دار صادر ـ بيروت، ص : 258 ـ 259
3 ـ رسائل إخوان الصفاء و خلان الوفاء، مرجع نفسه
4 ـ هيجل، أصول فلسفة الحقّ، المجلد الأول، ترجمة : إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، الطبعة الثالثة، ص : 91
5 ـ هيجل، مرجع نفسه.
6 ـ نلاحظ أن موقع الأوان يتخذ البوم شعاراً له و هو موقع تنويري حداثي عقلاني. فهناك بومتان في أعلى الجهة اليسرى من صفحة الموقع.
7 ـ لابن باجة الأندلسي كتاب اسمه تدبير المتوحد يعرض فيه رأيه عن الخطة التي ينبغي أن يسلكها الإنسان العاقل في المجتمع الذي لا يسوده العقل، و هو ينصح الفيلسوف بالتوحد وسط هذه المجتمعات. “فمتوحد ابن باجة هو فيلسوف واحد، أو فلاسفة متعددون يعيشون متوحدين في إحدى المدن الأربع غير التامة، حيث لا تتوفر ظروف الحياة السعيدة. ” و يشبه ابن باجة المتوحدين بالنوابت، و قد نقل إليهم هذا الاسم من العشب النابت من تلقاء نفسه بين الزرع، و يستعمل هذا الاسم ليصف به الحكماء الذين يعيشون في المدن الناقصة الجاهلة، و النوابت عند ابن باجة هم أولئك الذين يرون غير آراء أهل مدنهم، لأنها آراء فاسدة، و يعرضون عنها لما هو أصلح منها. انظر : ابن باجة الأندلسي، تدبير المتوحد، تحقيق و تقديم : معن زيادة، رؤية للنشر و التوزيع.