مقدّمة الأستاذ بيار شيزاري بوري للترجمة العربية

نقدم لكم الطبعة العربية للمناظرة الشهيرة التّي كتبها يوحنا بيكو دو لا ميراندولا وهي ثمرة تعاوننا مع أصدقائنا في تونس، ثمرة صداقة تخطت عقدها الثّاني. وقد أردنا من خلال هذه الترجمة أن نتيح هذا النّصّ لعموم القرّاء في العالم العربيّ، بعد أن ترجم إلى لغات عديدة أخرى. يتناول نصّ بيكو موضوعي الكرامة الإنسانية والحرية ، ويعطي صورة نبيلة وعالية عن مكانة كل رجل وامرأة. ويمكن لكلمات بيكو أن تجد صداها يتردد اليوم في وضع جديد يشهده العالم العربي ويمكنها أن تجد جمهورا أشد استعدادا من أي وقت مضى لاستقائها والاستلهام منها.

وعلى الرغم من أن بيكو كان شديد الاهتمام جدا بالثقافة العربية فكرا ولغة فقد انكب على دراستها (فأوّل فقرة في المناظرة تستشهد بشخصية غامضة أسماها عبد الله- ولعلّه يشير إلى نبي الإسلام نفسه- وتتضمّن المناظرة إشارات إلى القرآن الكريم وإلى الفلسفة العربية على حد السواء). لقد كتب نصّه في زمن وفي سياق ثقافي مختلف جدا عن الثقافة الأوروبية الحالية وفي سياق يختلف كذلك عن الثقافة العربية الحالية. لقد جعلت المسافة الثقافية العمل الترجميّ الذّي اضطلعت به الأستاذة آمنة الجبلاوي بذلا للجهد في مواجهة الصعوبات وحلّها رغم صعوبة الرّهان.

ولذلك نرجو من القارئ أن ينظر إلى هذه المحاولة الترجميّة بعين متفهمة وإيجابية.

1. تُعدّ مناظرة بيكو ديلا ميراندولا (1463-1494) “في الكرامة الإنسانية”، والتّي كتبها سنة 1486، “بيانا لعصر النهضة الاوروبية” بامتياز. فصور وألوان وأصوات عصر النهضة مشهورة في جميع أنحاء العالم. لكنه نصّ لم يجد حظّه من الانتشار، رغم أنه ودون أية مبالغة تحفة أدبية صغيرة تشكل أداة قيّمة لفهم العقل الانساني. ويقدّم لنا هذا النصّ، في واقع الأمر بنجاعة لا مثيل لها نموذجا عن الخلفية الثقافيّة للمنحى الإنساني الذي ميّز عصر النهضة “بإيمانه بالطبيعة البشرية، بل بالانفتاح على مختلف التّخصصات والثقافات والفلسفات والأديان بغضّ النظر عن سبب منشئه الظرفي (كان كتب لحدث استعد له بيكو بهدف مناقشة 900 أطروحة أمام مجلس من القساوسة والحكماء في اجتماع كان من المفترض أن يعقد في روما لكن هذا المجلس لم يجتمع قط).

2. لقد كانت حياة بيكو قصيرة، وتكشّفت لنا قدرته الإبداعية في حيّز قصير جدا بل في أشهر معدودات. وقد كانت أحداث الإصلاح الديني هذه وتيارات الصدّ التي واجهته موسما استثنائيا غيّر وجه أوروبا نهائيّا في فترة قصيرة الأجل.

ولد جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا في 24 فيفري 1463 في قصر أو قلعة ميراندولا، اتجه إلى بولونيا لدراسة القانون، في سن الرابعة عشر لكنّه انتقل إلى فيرارا على إثر وفاة والدته في شهر أغسطس من سنة 1478، في شهر ماي 1479 لدراسة الفلسفة. وفي أكتوبر 1480 انتقل إلى بادوفا ، حيث عمّق من معرفته بالفلسفتين الأرسطية وأيضا الرشديّة، وتمّ إطلاعه على علم القابالا اليهوية. وانتقل بعد صيف عام 1482 ذهب الى بافيا، حيث أثرى معرفته بعلم المنطق. وفي هذه الأثناء نضج لديه تشبع بالفكر الإنساني الآتي من منبته في فلورنسا. وتعرف آنذاك على العالم الجليل مارسيليوس فيسينيوس.

وجد بيكو نفسه في وضعية مالية واقتصادية مريحة مع موارد مالية هامة بعد أن حل كل الالتزامات العالقة مع اخوته في علاقة بميراثه. مما سمح له بأن يشعر بحرية الانصراف لمتابعة اهتماماته الفكرية. وقد أتم تكوينه برحلة الى باريس وتحديدا إلى جامعة السوربون. وقد سمح له تكوينه ذلك أكثر من أي مفكر آخر في زمنه بمعرفة التيارات الثقافية وأهم المؤثرين في الثقافة الأوروبية.

3. وقد كانت سنة 1486 لبيكو ديلا ميراندولا سنة استثنائية. ففي مارس (آذار)، عاد من باريس إلى فلورنسا وقد بلغ ربيعه الثالث والعشرين، ليكون بين أصدقائه،”لورنزو دي ميديسيس بوليزيانو“و”مارسيليوس فيسينيوس“.

ثم غادر إلى روما في 8 مايو. وبعدها بيومين تحول إلى أريزو وقد حاول في الاثناء خطف”مارغريتا زوجة من جوليانو دي ميديسيس “في فراتا التي تقع بين بين بيروجيا وتودي، مما تسبب في فضيحة كبرى.

ودخل حينها في مرحلة قوامها التخفي الذي لم يكن دون ان يحمل معه قسطه من الإثراء لتجربته. ثم بعد عدة أشهر من الصمت، وانطلاقا من شهر سبتمبر من نفس السنة، أصبحت المراسلات تقدم لنا بعض الأخبار عنه. كما اكتست ثلاث رسائل من تعود إلى تلك الفترة أهمية في المساعدة على فهم له”المناظرة“.

كان بيكو يراسل مارسيليوس فيسينيوس للتحدث معه بحماسة عن دراسته اللغوية وتضلع الكلدانيين في الحكمة، وحبه لأفلوطين.

ويمكننا أن نذهب إلى أن كتابة قسم من المناظرة يعود إلى هذه الفترة الأولى كما يتضح من خلال القوانين البلاطية 885. وتعود صياغة المناظرة أيضا إلى جانب ذلك إللى فترة تقرر فيها عقد اجتماع في روما.

ويبدو أن اللقاء هو منتدى سيجمع عددا كبيرا من رجال الدين والفلاسفة وشخصيات الكنيسة الهامة أراد بيكو من خلاله أن يستردّ شرفه ويلتحف بزي المجد ويقترح على النقاش مجموعة من 900 أطروحة يقدم فيها موجزا عن سعة اطلاعه على معارف عصره. وكان للمناظرة أن تكون حينها”للخصومة الرومانية“.

وفي 15 أكتوبر كتب رسالة طويلة إلى أندريا كورنيو Corneo. تناول فيه أحداث شهر ماي (مايو) الماضي. واعترف بأنه أخطأ متألّما لما أتى من أفعال. لكنه لم يكن يحاول الدفاع عن نفسه في موضع كان سيعتذر فيه غيره عمّا لم يعتذر هو عليه. بل اختار أن يدافع عن مهمّته الفكرية والفلسفية، وخاصّة عن دوره الاجتماعي.

وأعلم في 10 نوفمبر، أحد أصدقائه المغمورين أن أطروحاته قد بلغت التسعمائة أطروحة. وانضاف بذلك إلى المناظرة قسم أخير استوحاه بيكو من النصّ الإنجيلي:”أنا أعطيك سلامي، أعطيكم سلامي أترك لكم السلام.“لقد احس بيكو بكثير من الحماسة أن عمله من شأنه أن يساهم في تحقيق السلام في عالم منقسم.

إن هي إلا حماسة تأويلية، وإن هو إلا عمل فلسفي ولاهوتي (دون تعارض بين الاختصاصين).

إنها حماسة تقوي السكينة الفردية أو الداخلية وتخدم السلم الجماعية أو الخارجي: إذن هذه هي المحاور العامة التي تناولها هذا النص الأصلي عندما اضطر للعزلة.

وانضافت إلى هذه المحاور محاور أخرى، لعلها طرحت نفسها على بيكو عندما وصل إلى روما ومنها المحور الرابع: الدفاع عن مشروعه ضدّ ردود واتهامات كان بيكو قد أعدّ نفسه للتعرّض لها لكن لم يستعدّ لأن تكون على تلك الدرجة من الحدّة والمنطق الهدّام.

4. ثم ذهب كما ذكرنا آنفا في 7 ديسمبر إلى روما وكانت أطروحاته قد نشرت آنذاك. وجاءت ردود الفعل مخيبة للآمال. فقد حظر البابا”إينوشينزو الثامن“في بداية سنة 1487 طرحها على النقاش العام. وفي 29 فبراير 1487 عينت لجنة من المطارنة والأساقفة اجتمعت بين 2 و 13 مارس. وشارك حينها بيكو في الجلسات، ولكن لمدة خمسة أيام فقط. وقد أدينت سبعة من أطروحته، وطرحت ستة للرقابة بل للمنع. وفي ربيع عام 1487 أعد بيكو بسرعة”اعتذارا“ونشره. أماّ المناظرة فلم تنشر إلاّ سنة 1496 بعد وفاته مع نصوص أخرى وقد تولى نشرها بواسطة جان فرانشيسكو ابن أخيه. وقد حوكم بيكو وأدين من أجل بعض من اطروحاته، وأجاب”بالاعتذار“. ويكتسي نص الاعتذار أهميّته من كونه يحسن التمييز بين مستويات مختلفة من اليقين.ويكتسي هذا النصّ أهميّة كبرى لأنّ بيكو يدافع فيه عن نفسه وذلك بالفصل بين درجات مختلفة من اليقين.

ومن شأن هذه الآراء أن تكون صحيحة أو خاطئة ممكنة لكن معارضتها لا يجب ان يعدّ بدعة أوضلالة. فالإيمان له أسسه أما الفكر والرّأي فلهما سبلهما. ووقد تمّ استدعاء بيكو للمثول أمام محاكم التفتيش بتاريخ 31 جويلية (يوليو) فتقدم لإخضاع نفسه لتقييم السلطة الكنسية.

ولمّا كانت أطروحاته مهدّدة بالإحراق فقد شعر بالإهانة والمرارة وترك على إثر ذلك روما للتوجه نحو فرنسا وتم القبض عليه أثناء تلك الرحلة واصطحابه مع رقابة الحراس إلى باريس. وقد حماه آنذاك الملك وتم استقباله في”فانسان“، واستطاع العودة بعد ذلك إلى فلورنسا في شهر أفريل (أبريل) من سنة 1488. إذ سارع عندها ألكسندر الرابع إلى مصالحته مع الكنيسة الكاثوليكية وإبطال عقوبته.

ولقد اتصفت السنوات الأخيرة من حياة بيكو بإنتاج غزير لكنها اتصفت كذلك بإنتاج بالعودة إلى مواقف أقل طرافة وإبداعا.

وفي صيف 1489 تمتع باستقبال حار في بلدة”فييزولي“( التي تقع بضواحي فلورنسا) شهد تعليقا على المزامير وفي الباب الأول من سفر التكوين.

وكان قد شرع في نفس الفترة في كتابة نصّه عن”الكينونة أو الأيس وعن الواحد الأحد“والذّي اهداه لأنجلو بوليزيانو، ويبدو أنّ مخطوطه قد راج وأنّه كان مقطعا من عمل كبير كان يفترض أن يكون عملا هامّا للاستدلال على توافق النّهجين الارسطي والأفلاطوني. وقد كان يهدف كذلك إلى عمل أشد شمولا يتناول فيه”الخصومات ضد العرافة والتنجيم وهو نص غير مكتمل بادر ابن أخيه إلى نشره في 1496. وقد بادر حينها بيكو إلى الفصل بين علم الفلك والتنجيم وطعن في صحّة ووجاهة التنجيم. واتخذ بذلك موقفا معاكسا لما كان رائجا في تلك الايام. وقد كان التنجيم يجد صدى لدى علماء مثل “مارسيليوس فيسينيوس”.

توفي بعد ذلك يوحنا بيكو بعد مرض ألمّ به ولم يمهله طويلا بحمّى أدت إلى موت سريع في 17 نوفمبر 1494 وقد شهد وفاته “جيرولامو سافونارولا” الذّي كان قريبا جدا منه في السنوات الأخيرة من حياته القصيرة.

5. و لم تتوقف شخصية بيكو منذ وفاته المفاجئة عن إلهاب المخيلة الشعبية وعن جلب اهتمام الباحثين.

وقد عقدت خلال العقود الأخيرة مؤتمرات كبرى كما ظهرت طبعات جديدة وترجمات لأعماله. وقد تمت دراسة مصادره في العمق.

و في خضمّ كل هذه الإثارة، لا تزال ومع ذلك ومنذ عقود فجوة بين المواقف التأويلية المختلفة لأعمال بيكو.

ويرتكز التفسير السائد الذي يقدمه يعقوب بوركهارت لفلسفة بيكو، إذ لا يسعنا سوى أن نصنّفه في ضمن الأعمال الكلاسيكية لعصر النهضة عبر ما بلغنا عن طريق “جيوفاني جانتيلي”.

ويبدو أنّ الاتجاه السائد لدارسي فكر بيكو يصر على أنه كان مجدّدا وممثلا بارزا للحداثة، وللنزعة الفردية، وممجدا للحرية كما يظهر ذلك مع يوجينيو غارين Eugenio Garin (أبرز من اختص بدراسة بيكو)، ومع ارنست كسيرير Cassirer وبول أوسكار كريستالير Kristeller، وذلك حتى ظهور نصوصه الاخيرة التي تعدّ توفيقية وجامعة عن السحر وعلم التنجيم والعرفان والقبالة.

وكان لبيكو منزع آخر بدا فيه – وفي خطابه – تكريس ضرب من التواصل مع التقليد اللاهوتي من الكتاب المقدس إلى آباء الكنيسة واللاهوت المدرسي. ومن بين ممثلي هذا المنزع، هنري دو لوباك Lubac Henri deالذّي تميّز بإحساس مرهف صادق وبدرجة عالية من سعة الاطلاع ( ويعدّ عمله من بين الأعمال التّي تفوقت على عمل دي نابولي حول فكر بيكو).

وقد شهدت السّنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا في المساهمات المخصصة لنشر وتحقيق نصوص بيكو، بما في ذلك الطبعة الهامة التي نشرها وعلّق عليها فراشيسكو باوزي Bausi، وطبعتنا التي ستصدر قريبا لدينا برعاية منشورات جامعة كامبريدج. وقد سعينا فيها إلى التعمّق في الدراسات اليهودية والإسلامية لأعمال بيكو ودراستها.

6. وتندرج معرفة بيكو من جانبنا ضمن المشاريع البحثية لمؤسستنا وهي مشاريع تضع دائما نصبها وهدفا رئيسيا لها بناء معرفة بالمسألة الدينية، ولكنها معرفة تتجه نحو القيم الكونيّة والتعدّدية.

وقد كانت انطلاقة المشروع مع جامعة براون في عام 1997 (مع ماسيمو ريفا ، مايك بابيو، سافيريو ماركيليوني Marchignoli، دينو بوزيتي Buzzetti ، فرنشيسكو بورغازي وغيرهم).

7. وقد كان لي قبل بضع سنوات في مساهمة منّي في تحقيق وشرح لصيقين بفكر بيكو مصنّف يحمل عنوانا معبّرا وهو “تعدّد الطّرق” قدّمت فيه أهم المفاتيح والمداخل التي تيسّر قراءته:

أولا، الدفاع عن الحرية الفكرية والدعوة إلى الثقة في قدرة الإنسان على التأويل، في أطروحات بيكو عندما يخضع الآداب وعوالم مختلفة لعمله الحجاجيّ.

وثانيا ومن ثمّة الرّغبة الجريئة في إخضاع الكتاب المقدس كلّه أي بما يفيض عن العهد الجديد للتأويل المفتوح ( لكنه تأويل لا يكون أبدا ضده) وذلك في بحثه عن مصادر “فلسفة خالدة”.

ثالثا، حذقه اللغتين (اليونانية واللاتينية) ممّا يسمح لبيكو بالتحدث عن نفس التجربة الروحية من حيث قراءة الكتاب المقدس (لا يمكن لأحدها أن تعوّض الأخرى)، من حيث المنظور الأفلاطوني، أو الفلسفي.

إن تعدد السّبل، الذّي اجتاز نموذجا ثلاثيا من الترقّي الأخلاقي والفكري والروحي يؤدّي كلّه في نهاية المطاف إلى نتيجة تقود إلى الوحدانية.

وأخيرا يمكن أن أقول لكم أن طريق الجمال، وأنّ “اللاّهوت الشعريّ” الذّي يتيح له أن يؤكّد أن “في كل مدرسة فكرية هناك شيء مميّز”(محيلا هنا على شيشرون)، والتّعبير عن المناظرة حسب الكتاب المختلفين والاستفادة من أسلوب كل كاتب.

8. وقد أردنا أن نذهب أبعد من ذلك أفضل ( والاستفادة من قراءة كاملة لأعمال بيكو، في مقال ينتظر أن ينشر في الطبعة القادمة من الملخّص الشامل لفلسفة فريدريش اوبرويغ “Ueberweg”).

وهو ما قد يشكل بدوره محاولة لاختزال مقدمة تكون مدخلنا لولوج رؤى بيكو، ممّا حصل لنا من أعماله التي تكتسي طابع التشظي والتشتت وكلنا نعلم أنّ “أطروحاته” بقيت مجرّد أفكار منطوق بها دون متن يستند إلى حجج.

إنّه بادئ ذي بدء، النموذج الأصليّ والرابط للوحدة الأولى التّي تميز المعرفة الإنسانية. ويرجع الفضل في تأصيل أطروحات بيكو بكل دون أيّ شكّ إلى مارسيليوس فيسينيو Marsilio Ficino، الذي مهد له الطريق ببحثه الاستثنائي، وخاصة عمله الترجميّ، الذي أعاد إلى الأسرار القديمة واللاهوت البدائي قيمتهما.

يبدو أنّ بيكو قد اختار أن يعتمد في “مناظرته” وخصوصا في مسودّتها الأولى وفي الأطروحات أن يعود إلى حفريات معرفية تعود إلى الدور الرئيسي الذي لعبه “الكلدانيون” لارتباطهم بزرادشت. ولبيكو مصدر يهودي، في الآن نفسه، هو أفضل من يمثل القبالة، يعتبره مرتكزا يعزز به رؤاه.

هناك ما يوحي، بأننا كلما اقتربنا من الحكمة القديمة، إلا واقتربنا من فلسفة خالدة تحوي في داخلها أسس وحدة الفكر التي فقدت في سياق تاريخ الفكر الإنساني. اما المراحل الاشد قدما فقد لبست لبوس اللغة الشعرية والرمزية، أو “اللاهوت الشعري”. ولكنّ بيكو يعتقد أنّه بإمكانه إظهار التّوارد بين أشكال التّعبير المختلفة عن الفكرين الزّرادشتي والباطني ثم بين الحكمة المصرية ونظيرتها الأورفية.

كما يمثّل فكر بيكو دفاعا عن تعايش الكائنات مع بعضها البعض. ويقترح هذا الأخير بعيدا عن الاستدلال على الوئام بين المبادئ المشتركة، في صميم أطروحاته أحد المبادئ الفلسفية ألا وهو مبدأ الانسجام بين المدارس الفكريّة المختلفة، ونجد ذلك في مقطع من الواحد وسبعين أطروحة التّي اتصفت بالتّنافر في رأيه والتي تمهّد لمبادئ فلسفية جديدة: هي لبّ “فلسفته الجديدة”.

ويمكننا أن نفهم أنّ المؤلّف يحمل تصوّرا ويقترح مستويات مختلفة للكينونة أولها وآخرها هو هذا الكائن المنسجم الذي يؤسس الرابط الاصلي بين كل المخلوقات.

إنّ المبدأ الأساسي هو أنّه “على الرّغم من إقرار المعارف اللاّهوتية بوجود مراتب إلهية مختلفة، فإنّ علينا أن نفهم أن كل شيء في كل شيء بطريقته الخاصة” (انظر اللاهوت الأفلاطوني لبروكلس 5:“كل شيء في كل مكان بطريقة ما”). أمّا الإشارة إلى نيقولاس القادم من مدينة قوزا Cusa فهي إشارة عفوية، ولكنها غير مؤكدة وهي من أصول قديمة وهناك صياغة أخرى تقول “الله هو كل شيء وهو في في كل شيء”في العهد الجديد. ويشير ستيف فارمر إلى أصول هذا المبدأ التي تحيلنا على في الأفلاطونية المحدثة، والتي تمثل استجابة للضرورة التوفيقية.

لكن بيكو استخدم مبدأ الوحدانية القصوى للواقع في مستوى التأويلين اللاهوتي والميتافيزيقي بفكر نظري متسق إلى درجة تجعل تهمة التوفيقية بين المعتقدات غير مبررة.

إن مشروع الانسجام الفلسفي بالمعنى الواسع للكلمة وهو مما نستنتج من أطروحات بيكو وسيجد هنا انطلاقا من هذه القراءة مبررا أشد عمقا لبناء نموذج التشابه والمشاركة والانبثاق ونموذج التراتب الهرمي بين الكائنات.

وتتحقق فيه وحدة الماهية لكل كائن عبر الجدل الفكري. ومن هنا جاءت قولة فرانسيس بيكون “لا يسيطر الإنسان على الطبيعة إلا عندما يصغي إليها” وهي قولة يستشهد بيكو بها في مناظرته.

حكمة تأتت عن ذلك التناص اللامتناهي، وعن حدس إمكانية التأثير على الطبيعة بقوة الرابط الذي يجمع بين جميع المخلوقات وهو رابط الانسجام أو المشاركة الوجدانية الكونية. وبفضل معرفة القوانين التي تحكم الطبيعة نحن في إطار نستقيه عادة من عصر النهضة الأوروبية. وفي إطار إعادة تقييم “السحر” بما هو تعبير المعرفة الأصلية القديمة وليس من الصحيح ان نقر بوجود تحفظ معرفة ستصبح أيضا تقنية تسخّر لخدمة الإنسان.

وتكون وحدة الأخروية أخيرا ذاتية وجماعية مشتركة في آن واحد. إنّ استحالة تحديد الصورة الإلهية يلقي الضوء على الصفحة الأولى من“المناظرة:”فالإنسان“بدوره لا يملك صورة محددة.

”إنّ قدر الأفراد هو قدر المجموعات، وبالعودة إلى الوحدة وطنية بمطلق لا يثني عليه سوى الصمت“. ويستشهد بيكو بمقطع من”ديوجينوس الاريوفاجي“مقتطف من مصنّفه عن”اللاهوت الباطني، 5“، وذلك في حديثه عن الظلمة والخواء التي يسكن الإله لهما، في الباب الخامس من المصنّف المختصر عن الماهية وعن الواحد.

ويتحدث عن الألوهية :”ليست هذه الحقيقة ولا الملك ولا المعرفة ولا الواحد ولا الوحدة ولا الالوهية ولا اللذة ولا الرّوح.

ليس في الالوهية أيّة خطابات أو إسم أو علم أو ظلام أو ضوء أو خطأ أو حقيقة ولا يمكننا أن نقرّ أيّ أو ننفي أيّ شيء عنها.

إنّ الأسس والمنطلقات التاريخية للأطروحة “البيكية” إن صحّ هذا القول نسبة إلى بيكو حول جينيالوجيا المعرفة كانت ضعيفة جدّا. إنّ حبّ اللغة لا يعني بالنسبة إليه نفس ما يعنيه حبها لدى فيلسوف اللغة “لورنزو فالا”.

إن روابط التناصّ لدى بيكو مازالت مرتبطة بشكل هشّ بالتأويلات القديمة. وما زال تأثير كل ما هو عرفاني وسحريّ حاضرا في الصفحات الأخيرة.

لقد سخر أومبيرتو إيكو من من السيميائية العرفانية. ولقد جعلت ثقافة البلاغة والخطابة اللاتينية الإنسانوية أكثر تعقيدا وأشدّ استعصاء على الفهم من الثقافة المدرسية القروسطية. لكن من المهمّ ان نستجلب ما هو ضروري نظريا وراهن. إذ يمكننا إلى يومنا هذا أن نستفيد ونستدل بهذه النعوت والمصطلحات في المرحلة ما بعد الهيغلية وما بعد التاريخانية.

ويتخلل صفحات بيكو موضوع “الحالة المحورية” الذي يقترحه كارل ياسبرس وهو الان موضوع اضطلعت به الآن البحوث. ونحن نفكّر اليوم في لايبنتز الذي يحظى اليوم باهتمام متزايد.

تجاوز التعارض بين المعرفتين الفلسفية والدينية الذي أشار إليه مؤخرا هابرماس ونفكر بأن تعايش الكائنات في وحدة الكينونة التي تقترحها الفلسفة الدينية العربية الوسيطة (ابن العربي) الذي رأى فيها توشيكو إيزوتسو في كتابه “التاوية والصوفية”1984 وهو مقارن بارع أرضية مشتركة للمرجعيات الثقافية الكبرى.

بيير سيزاري بوري

بيبلوغرافيا:

1. De hominis dignitate, Heptaplus, De ente et uno e scritti vari, ed. Eugenio Garin (Firenze 1942).

2. Pico Project : www.brown.edu/ Departments / Italian_Studies / pico

3. Steve A. Farmer, Syncretism in the West: Picos 900 theses (1486): the evolution of traditional religious and philosophical systems: with text, translation and commentary, ed. Steve A. Farmer (Tempe 1998).

4. Pier Cesare Bori, Pluralità delle vie. Alle origini del Discorso sulla dignità umana di Pico della Mirandola, testo latino, ed. Saverio Marchignoli (Milano 2000).

5. Discorso sulla dignità dell’uomo, ed. Francesco Bausi, (Parma 2003), LXIX, 206.

6. Opere complete, a cura di Francesco Bausi (Roma 2000), CDROM

7. Giovanni Gentile: Il concetto dell’uomo nel Rinascimento, in: Giornale Storico della Letteratura Italiana 67 (1916), 17-69.

8. Eugenio Garin: Giovanni Pico della Mirandola. Vita e dottrina (Firenze 1937).

9. Ernst Cassirer: Giovanni Pico della Mirandola, A Study in the History of Renaissance Ideas, in: Journal for the History of Ideas 3 (1942), 123-144; 318-346.

10. Henri de Lubac: Histoire et Esprit – L’intelligence de l’écriture d’après Origène (Paris 1950) .

11. Giovanni Di Napoli: Giovanni Pico della Mirandola e la problematica dottrinale del suo tempo (Roma-Parigi-Tournai 1965).

12. Henry de Lubac: Pic de la Mirandole: Études et discussions (Paris 1974).

13. Chaim Wirszubski: Pico della Mirandola’s Encounter with Jewish Mysticism,(Cambridge-Mass. 1989).

14. P.C. Bori, The Modern Search for Universalism in Western Culture, in Culture, Religion and the Problem of Universalism, a cura di Y. Shibata, Meijigakuin University, Tokyo 1999, pp. 19-30