
قبل سنتين، وتزيد قليلاً، شرعت في كتابة مقال يحمل قسماً من العنوان السابق، وهو: (لِمَ لا تكون فولتير العرب؟ ألست فولتير العرب؟)، وتركته في مرحلة التسويد، غير مكتمل، وذلك لانشغالات طرأت، ونوازل حلّت بالوطن العربي، وما تزال تحلّ، وانصرفت، وأنا في عزلتي بعمّان، إلى متابعة المشهد المتكرّر في كلّ يوم. ماذا أقول؟ بل في كلّ ساعة، ودقيقة. هويات متصارعة، وأفكار متصادمة، وغياب يكاد يكون تاماً للعقل، وافتقار حاسم للتسامح، ويترافق مع ذلك كلّه، إن لم يكن من نتائجه، سيول من الدماء، وقسوة في التهجير، ومحاولات مستميتة لاقتلاع (الآخر) المختلف، واستئصاله، والأخطر من ذلك كلّه – إن جازت التسمية – هو ادّعاء كلّ فريق أنّ (الحقّ) معه، وأنّه يمتلك (الحقيقة)(1)، وما سواه باطل، ويحقّ له بعد هذا، إقصاؤه، ووضعه في زاوية ضيّقة لا يملك فيها سوى كسرة الخبز، والهواء الذي يتنفّسه، هذا إن نجا من (المقصلة) التي هي في عمل دائم، وهذا حال لا يخفى على المتابع المكتوي بتلك الجمرات، المحترق بشررها، والمختنق بدخانها قبل أن تنضج، ولن أزيد. غير أنّ سببين اثنين دعياني إلى تجديد علاقتي بذلك المقال إكمالاً، وتجويداً، وتبييضاً. يتمثّل أولهما في تلك الدعوة الكريمة التي تلقيّتها من الدكتورة رجاء بن سلامة المحترمة للمشاركة في مناسبة لتكريم الأستاذ جورج طرابيشي، والاحتفاء به، وهي مناسبة عزيزة عليّ، غالية عندي بسبب علاقتي القصيرة، والطويلة معه في آن واحد، فإمّا أنّها قصيرة فأريد بها تعرّفي القريب على شخصه الكريم، ومراسلاتي معه، ولقائي النادر به في مسقط قبل سنتين، وهو ما فصّلت الحديث عنه في كتابي (معضلة اللغة العربية بين الجابري وطرابيشي)، وإمّا أنّها طويلة فأعني بها تلك الآصرة الفكرية التي ربطتني، ومعي كُثُر، بما كان يصدره الأستاذ طرابيشي من مؤلفات، وترجمات عملت على تشكيل العقل، وتهذيب الروح، وأدخلتنا في عوالم، ربّما بدت غريبة علينا في ذلك الوقت، وفتحت أمامنا آفاقاً من المعرفة، ما كان بمكنتنا التزوّد بها لولا إنتاجه الغزير، المتنوع، وهنا ألا يحقّ لي، وربّما لغيري، أن يتساءل: ماذا كنّا فاعلين لو لم يكن جورج طرابيشي؟ ألم أقل إنّها علاقة طويلة من هذه الجهة؟ وها قد ذرّفتُ على الستين، وعمر هذه العلاقة ربّما تجاوز خمساً وعشرين سنة، وعلى سبيل الرياضة الفكرية حسب، فقد أحصيت للأستاذ طرابيشي أكثر من مائة كتاب بين مؤلّف، ومترجم، أمّا البحوث، والمقالات، واللقاءات فأعترف بعجزي عن استقصائها، فهي محتاجة إلى تفرّغ، وجَلَد لعلّ العمر يقعدني عن الوفاء بهذا العمل الجليل، وممّا يضاف هنا أنّ هذه العلاقة قد توثّقت، وأخذت آفاقاً أرحب، وأعمق حين انصرفت انصرافاً تاماً إلى مشروعه، تلك الكلمة التي لا يأنس بها، عنيت بها (المشروع) وذلك لأنّها (متنرجسة)(2) على حد قوله. أقول: حين انصرفت إلى (مشروعه) في نقد نقد العقل العربي، وفي إشكالية واحدة فيه هي إشكالية اللغة والعقل في التراث العربي، وكانت ثمرة ذلك الانصراف كتابي (معضلة اللغة العربية بين الجابري وطرابيشي) الذي تزيّن بكلمة تفضّل الأستاذ طرابيشي فقدّم بها للكتاب، فأضاف بذلك أيادي بيضاء جديدة، ومنح الباحث كثيراً من الطمأنينة، وهو يجول في تلك الدروب المتشعبة العسيرة، المليئة بالأشواك، والمزالق، ولذلك، ونظراً لما تقدّم، لم أملك سوى تلبية هذه الدعوة الكريمة التي أحسبها لا تتكرر كثيراً، بل هي من الأمور النادرة في حياتي في الأقلّ.
وأمّا السبب الثاني فهو ذلك المقال الممتاز الذي نشره الأستاذ هاشم صالح في صحيفة (الشرق الأوسط)، بتاريخ 20/12/2013، وعنوانه: (متى سيظهر فولتير العرب؟)، وهو سؤال وجيه، بقدر ما أنّه مؤلم، فهو وجيه، بل مستحقّ؛ لأنّه نابع من متابعة واعية مستقصية لواقع الفكر، والمجتمع العربيين بحيث أدّاه هذا الاستقصاء، وذلك الوعي إلى طرح هذا السؤال، بالإضافة إلى إحساسه الممتزج بالمرارة لما وصل إليه المجتمع العربي، والفكر السائد فيه الآن من افتقاد للعقل النقدي، والتراجع الشامل عن منجزات عصر النهضة، يشهد على هذا مقالاته المنشورة في الصحف، والمواقع الالكترونية، واضطلاعه بنقل تراث مفكر مهم إلى العربية، عنيت به الراحل محمد أركون، والمقدّمات الضافية التي صدّر بها تلك (النقول). أقول: إنّ الأستاذ هاشم صالح حين يجعل من فولتير عنواناً لمقاله، إنّما يريد به إعادة تمثّل ما قدّمه هذا المفكّر الكبير من أفكار، وما تبنّاه من مواقف لتنسرب بعد هذا إلى نسيج الفكر العربي، علّها تستنفذه ممّا وصل إليه، وهو في مقاله يبدو متفائلاً بعض الشيء حين يتحدّث عمّن يسمّيهم بـ (المفكرين الأحرار) من العرب أمثال علاء الأسواني، وسوسن الأبطح، ورجاء بن سلامة، ومحمد عبدالمطلب الهوني، وغيرهم، أولئك الذين يعملون على بثّ الروح العلمية، والفكر النقدي، والحفر في النصوص، ونرى الأستاذ هاشم صالح متفائلاً في موضع آخر، وذلك حين يختلف مع الأستاذ محمد أركون في (تشاؤمه حول احتمالية هزيمة الفكر الفلسفي مرة أخرى في أرض الإسلام)(3)؛ لأنّ (العقلانية الفلسفية أصبحت عقيدة كونية الآن، وبإمكانها بالتالي أن تحاصرهم – حرّاس الأرتوذكسية – بدورها، وتقلّم أظافرهم)(4)، وإنّني، وإن كنت لا أشاطر الأستاذ هاشم صالح رأيه في الموضع الثاني لأسباب موضوعية كثيرة، ليس هنا مجال البحث فيها، فيبقى أنّ استعادة فولتير فيه من الدلالات، والإشارات ما هو ظاهر لا يحتاج إلى مزيد بيان.
وأمّا أنّ هذا السؤال مؤلم، فذلك لأنّه يرتدّ بنا إلى القرن الثامن عشر حيث عاش فولتير، وتوفيّ، ومعلوم أنّه ولد في السادس عشر من شباط/ فبراير سنة 1694، وتوفي في الحادي والعشرين من آذار/ مارس سنة 1778 عن أربعة وثمانين عاما(5)ً، فماذا يعني هذا؟ إنّه يعني من ضمن ما يعنيه أنّ فولتير العرب لم يظهر بعد حتى الآن، وهنا مكمن الخلاف، وهو ما سنعود إليه في موضع آخر، ويعني أيضاً أنّ ما حدث في أوربا خصوصاً، والعالم عموماً من محن، وكوارث، ومجازر بشرية بشعة ارتكبت باسم الدين(6)، وحروب طاحنة من جهة، وانتصارات، وفتوح علمية، وفكرية، وتغيّر قيم، وسقوط مفاهيم، ومواضعات، وقيام أخرى غيرها، إن لم تكن متناقضة معها من جهة أخرى. أقول: إنّ ما وقع من تلك الخطوب والفتوح معاً لم يكن ذا أثر يذكر في الوطن العربي بدليل حاجتنا إلى فولتير، ابن القرن الثامن عشر، الذي لم يظهر بعد على وفق ما قرّر الأستاذ هاشم صالح، ذلك القرن الذي ازدهر فيه (التنوير)، وإن كان الأستاذ هاشم صالح يرجعه إلى ما قبل هذا القرن بقليل. يكتب: (…في الواقع إنّ عصر التنوير لا يتطابق تماماً مع القرن الثامن عشر، وإنّما يسبقه قليلاً من حيث الزمن، لنقل إنّه ابتدأ في أواخر القرن السابع عشر، بل منذ لحظة ديكارت، وانتهى بالثورة الفرنسية التي كانت ثمرته اليانعة، أو محصلّته الأخيرة)(7)، ويكتفي الأستاذ هاشم صالح في مقاله المشار إليه سابقاً بكتاب واحد لفولتير هو (مقالة في التسامح)، وحادثة وحيدة تصدّى لها فولتير بالبحث، والتنقيب بغية كشف حقيقتها، وهي حادثة عائلة (جان كالاس)، تلك الحادثة التي يعدّها أندريه كريسون في كتابه عن فولتير (من أكبر الفضائح القضائية في ذلك العهد)(8)، ونجح فولتير في الكشف عمّا يقف مستتراً خلف العقاب الظالم الذي حلّ بتلك العائلة ممّا هو مفصّل، معروف(9)، ولعلّنا نعود إلى هذه المسألة فيما بعد، غير أنّ ما يهمّنا هنا هو الاستفهام الذي أطلقه الأستاذ هاشم صالح مقترناً بمفكر القرن الثامن عشر، عنيت به فولتير، واتكائي قبله على ذلك المفكّر للحديث عن مفكّر عربي يعيش في القرن العشرين، والقرن الحادي والعشرين، فهل في الأمر مفارقة ما؟ لعلّ الناظر المتعجّل يلقي الكلمة على عواهنها فيجيب: نعم، هناك مفارقة، غير أنّ التدقيق في الأمر، وفحص الواقع العربي فحصاً موضوعياً متأنّياً يزيل شيئاً من هذه المفارقة، إن كان لها وجود أصلاً، ذلك لأنّ الصوت المرتفع بين العصرين، والشخصيتين هو المقدار الكبير من التناظر، والتشابه، هذا في الأقلّ عندي، أمّا عند الأستاذ هاشم صالح فيظلّ السؤال مفتوحاً ينتظر جواباً مع تشخيصه الدقيق للحالة بشكل عام، تلك التي يحتويها السؤال نفسه، وهو: متى سيظهر فولتير العرب؟ في مقابل استفهامي المجازي، وهو: ألست فولتير العرب؟ وكأنّني أجبت، غير أنّ الجواب محتاج إلى دليل، ومفتقر إلى برهان، وبدونهما سيبدو الكلام أقرب إلى التبجيل، والتقريظ منه إلى البحث المنهجي، وهو مالا تسوّغه الموضوعية، ومالا يرتضيه الأستاذ طرابيشي نفسه، وهو الأخذ بالمنهجية، الداعي إلى ضرورة اشتغال الفكر النقدي، ومن هنا توجّب الانتقال إلى طراز آخر من المعالجة، يثري ذلك الجواب السابق، ويدعمه بما يجعله أقرب إلى روح العلم، وأبعد عن المديح، والثناء المقترنين بالحماسة. وهو ما نرجوه.
– 2 –
حين تتحدّث البلاغة العربية، وتفيد منها الأسلوبية في مواطن كثيرة(10)، عن نوعيْ الكلام، وهما الخبر، والإنشاء، تجعل (الاستفهام) واحداً من أقسام الإنشاء الطلبي، بحسبان أنّ هناك إنشاءً غير طلبي، ويخرج هذا (الاستفهام) إلى أغراض كثيرة، متنوعة باعتبار أنّه (استفهام العالم بالشيء مع علمه به)(11)، ولهذا (لا يقتصر معنى الاستفهام على مجرّد طلب العلم بشيء نجهله، وإنّما يتجاوز هذا المعنى التقريري إلى معانٍ مجازية يفهمها المتلقي من السياق اللغوي، واستبطان النّص، وفقهه، وتأمله، وهذه المعاني الفنية ثرية، ومتنوعة تتّسع لشتى ضروب الفكر، ومختلف ألوان المشاعر)(12)، وقد كثرت هذه (الأغراض)، أو (المعاني) عند البلاغيين حتى وصلت إلى أزيد من أربعين غرضاً، أو معنى، يحدّد معناها السياق كما مرّ، ويهمّنا واحد من تلك الأغراض هو: (استفهام التأكيد)، أي (التأكيد لما سبق من معنى أداة الاستفهام قبله)(13)، وكأنّ المستمع، أو القارئ ينتظر جواباً هو مقرّر سلفاً في ذهن صاحب الاستفهام، ليكون عندئذ في مقامنا هذا: نعم. أنتَ فولتير العرب، ولكن لماذا؟ وقبل أن أسترسل في الجواب أبادر إلى تقرير كلمة هي أقرب إلى الاعتراف المسؤول، والمشروع في آن واحد، وهي أنّ عنوان البحث الذي اخترته ليكون على هيئة (الاستفهام) ربّما ترسّب في الذهن لقراءة قديمة في كتاب الشيخ العلاّمة محمد الطاهر ابن عاشور (1879-1973)، (أليس الصبح بقريب؟)(14)( )، في طبعته الأولى التي صدرت سنة 1967، وبين يدي الآن طبعته الثانية الصادرة سنة 1988 بتونس، ومعلوم أنّ الشيخ الفاضل يتكيء في عنوان كتابه على الآية الحادية والثمانين من سورة هود، وهي: (قالوا يا لوط إنّا رسل ربّك لن يصلوا إليك فأسرِ بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتك إنّه مصيبها ما أصابهم إنّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب)، وكيف لا؟ وهو الخبير بعلوم الشريعة الإسلامية، الغائص على أسرارها، الصارف حياته في الكتابة، والحديث عنها، ويقف تفسيره المتميز للقرآن في مقدمة كتبه الذي جعل له عنواناً متميزاً هو (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)،(15) وهو عنوان ذو دلالة ينسجم مع رؤيته في التجديد، والإصلاح، فلعلّ الاستفهام الذي في العنوان مستقى بصورة غير مباشرة من ذلك الكتاب بحيث استقرّ الباحث على أنّ العنوان مقترناً بالاستفهام يكون أقدر على إيصال رسالته، وهي متلبّسة بشيء من الصدمة، ونوع من الإدهاش.
وأمر آخر يودّ الباحث التوقف عنده قليلاً، وهو بصدد درس العلاقة بين فولتير، وطرابيشي، وهو ما اصطلح عليه بـ (فنّ الموازنة)، ذلك الفنّ الذي عرفه قديم الأدب العربي، وحديثه، ولعلّ أشهر مَن يذكر في هذا المجال قديماً كتاب (الموازنة بين الطائيين) للآمدي، وفي الحديث كتاب طه حسين (حافظ وشوقي)، وكتاب زكي مبارك (الموازنة بين الشعراء)، وكتاب أحمد الشايب (في أصول النقد الأدبي)، وكتاب د. ماهر حسن فهمي (نزار قباني وعمر بن أبي ربيعة. دراسة في فنّ الموازنة)، وممّا يستفاد من الكتاب الأخير قوله: (…يبدو أنّ الموازنة ظاهرة إنسانية عامة، فحيثما وجد تشابه واضح، أو تناقض واضح رأينا العقل يسعى إلى الربط، والموازنة، والتفسير)(16)، وقوله: (…والواقع أنّ الموازنة لا يمكن أن تكون عملية عرض، وإصدار أحكام. إنّها ربط، وتفسير بغضّ النظر عن إصدار الأحكام القاطعة في غير حاجة إليها… ولكن هل يمكن أصلاً أن نوازن بين شاعرين يفصل بينهما الزمن؟ الواقع أنّه لا يمكن أن يكون الجديد منقطعاً عن القديم، فهناك إذن نقاط التقاء تحمل طابعاً إنسانياً خالداً، ولكنّ هذا وحده لا يكفي، وإلاّ لوازنّا بين كلّ جديد، وكلّ موروث، وليس هذا هدفاً للموازنة، فالموازنة الأدبية تقوم أصلاً بين شاعرين يتّجهان اتجاهاً متشابهاً حين تكون السمات المشتركة شديدة الوضوح، ومن هنا نوازن بين المتشابهين لنرى مظاهر الإبداع في كلّ جانب من جوانب هذا التشابه الإنساني)(17)، غير أنّه يستدرك أمراً هو الغاية في الأهمية، وهو قوله: (إنّ التطابق يلغي الموازنة)(18)، وحين ننقل ما رأيناه سابقاً إلى ما نحن فيه نستطيع القول مطمئنين إنّ هناك تشابهاً كبيراً بين فولتير، وطرابيشي، وبينهما اختلاف أيضاً، فهذا يحقّق مقولة عدم المطابقة، وقد هدانا إلى ذلك الرصد ما عرفناه عنهما من خلال حياتهما، وكتبهما، ومواقفهما، كما أنّ تشابه عصريهما في بعض الجوانب، واختلاف العصرين في الوقت نفسه كان ماثلاً في الذهن أيضاً(19). من حيث سيادة (الأصولية) مثلاً، ومكافحتهما لها. كأنّهما ينحتان في صخر، على وصف مَن وصف شعر الفرزدق، غير أننا من جهة أخرى لا ندّعي الإحاطة بإنتاج فولتير كلّه، أو إنتاج طرابيشي جميعه، فهذا فوق طاقتنا، كما أنّ مقامنا هذا لا يحتمل هذه الإحاطة، بالإضافة إلى ما تعلّمناه من طرابيشي نفسه من ضرورة الأخذ بما أطلقت عليه في كتابي (معضلة اللغة العربية) بـ(الحذر المنهجي)(20) الذي يأخذ به طرابيشي، ونتابعه فيه، وليس هذا الحذر سوى قانون منهجي لا مناص من الالتزام به، وإلاّ جاءت النتائج تحمل أسباب انهيارها معها، ولهذا فإنّ الموازنة هنا – إن جازت التسمية- ستعمد إلى الانتقاء، والتلقّط بغية الكشف عن مواطن الاتفاق، والاختلاف معاً، ولا نريد التعجّل بغية الوصول إلى النهايات، غير أنّنا سنرى كم هي ظاهرة، ومستترة تلك المواطن، وهي أيضاً مؤلمة، وجارحة.
– 3 –
تفصل مائة وواحدة وستون سنة بين وفاة فولتير سنة 1778، وولادة طرابيشي سنة 1939، تبدّلت فيها أحوال، وتغيرت خرائط، وزالت دول، وقامت أخرى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد خدشت أنساق اجتماعية، وثقافية، بل اختفت، وظهرت أنساق جديدة تناسب التغيّر المشار إليه سابقاً، وانزوت فلسفات وأفكار، وورثتها أخرى، وتوارت مذاهب أدبية، وتعاقبت أخرى بعدها، وكأنّ التطور العلمي والتقني أشبه بالعصا السحرية الذي ما إن استحكمت قواه، وتكامل بنيانه حتى مسّ بتلك العصا ما حوله فغيّر ما شاء له التغيير، غير أنّ خيطاً رفيعاً يظلّ موصولاً يعاند ذلك التغيّر الجذري، ويبقي الاتصال بين ذلك القديم الذي زالت معالمه، وهذا الجديد الذي يشق طريقه، ويؤسس قواعده على ركام من ذلك القديم، وليس هذا الخيط سوى الإنسان برغباته، ومطامعه، وشروره، وحبّه للتسلط من ناحية، وتسامحه، ونبله، وزهده، وترفّعه من ناحية أخرى، ويشير برتراند راسل إلى ثلاث رغبات كانت، وستظلّ مطلباً ملحّاً للإنسان، أيّ إنسان، وفي أيّ زمان ومكان، وهي المجد، والسلطان، والتنافس، وهذه (الرغبات الإنسانية، على النقيض من غرائز الحيوان لا حدّ لها ولا حصر، ولا سبيل لإشباعها كاملاً)(21)، ولذلك (قد يخطيء الذين لا يملكون إلاّ القليل من السلطان والمجد، إذا ما فكّروا بأنّ مجرد حصولهم على المزيد منهما قد يرضيهم، فهذه الرغبات من النوع الذي لا يشبع، والذي لا حدود له، ولا يجد مثوى له إلا في سرمدية الله ولا نهائيته)(22)، ومن هنا نستطيع القول إنّ (كل إنسان يودّ أن يكون إلهاً إذا أمكنه ذلك، وقليلون هم أولئك الذين يجدون أن من الصعب عليهم قبول هذه الاستحالة… ولعلّ هذا التشابك هو الذي يجعل التعاون الاجتماعي أمراً شاقاً؛ ذلك لأنّ كل فرد منا يريد أن يتصور هذا التعاون على غرار العلاقة القائمة من التعاون بين الله وعبيده، واضعاً نفسه موضع الله في هذه العلاقة، ومن هنا نشأ التنافس بين البشر، كما ظهرت الحاجة إلى الحكومات، وحلّ المشاكل بطريق التساهل والتنازل، والحافز إلى الثورة، وما يرافق ذلك من عدم استقرار وعنف وقتي. ومن هنا أيضاً، قامت الحاجة إلى الأخلاق لكبح جماح الامتداد الفوضوي بالذات)(23)، وإنّما أطلنا في الاقتباس من الفيلسوف الإنكليزي. وداعية السلام، راسل (24)، لنصل إلى أن هذه الرغبات هي ذلك الخيط الرفيع الذي أشرت إليه سابقاً. وهو الذي يشمل الناس جميعهم، وبضمنهم فولتير، وطرابيشي من جهة مكافحة ما فيهم من شرور، وقمع، وإيذاء الغير، بالنسبة إليهما في الأقل، واستهداءً بما مرّ فإنّ ما يجمع الاثنين، فولتير وطرابيشي، أكثر ممّا يفرّقهما، ألم نقل سابقاً: محال أن تتحقق المطابقة؟
يحضر فولتير في إنتاج طرابيشي صراحة تارة، وضمناً تارة أخرى. ونريد بالأول هو ورود اسم فولتير تعييناً بالاسم سواء أكان هذا الورود استشهاداً برأيه، أو اتخاذه دلالة على موقف من مواقفه، وأمّا الثاني، أي (ضمناً)، فالمقصود به انسراب مجمل فلسفة فولتير، وإنتاجه الأدبي، وسخريته، ومواقفه الفكرية والحياتية في نسيج إنتاج طرابيشي، ولعلّ الوصول إلى هذه الثانية أكثر عسراً، وصعوبة بسبب استتارها، وخفائها، إذ هي أقرب إلى ما اصطلح عليه في القراءة الحديثة بـ(النص الغائب)، أو (التناص)، أو (التعالق)، إلى غير ذلك من المصطلحات المختلفة بسبب اجتهادات المترجمين للمصطلح الأجنبي، ويراد به بوضوح، أنّ النص (مدونة كلامية، ويعني أنه مؤلف من الكلام، وليس صورة فوتوغرافية، أو رسماً، أو عمارة، أو زياً. وإن كان الدارس يستعين برسم الكتابة، وفضائلها، وهندستها في التحليل، وهو حدث يقع في زمان، ومكان معينين، وتواصلي يهدف إلى توصيل معلومات، ومعارف، ونقل تجارب… وتوالدي، فالحدث اللغوي ليس منبثقاً عن عدم، وإنما هو متولّد من أحداث تاريخية، ونفسانية، ولغوية… فهو أخيراً مدونة حدث كلامي ذي وظائف متعددة)(25)، والنص لهذا (ليس تشكيلاً مغلقاً، أو نهائياً، ولكنه يحمل آثار نصوص سابقة. إنّه يحمل رماداً ثقافياً)(26)، غير أنّ أعلى قوانين (التناص)، وآلياته. هو (الحوار). إذ (لا مجال لتقديس كل النصوص الغائبة مع الحوار، فالشاعر أو الكاتب لا يتأمل هذا النص، بل يغيّره، يغيّر في القديم أسسه اللاهوتية، ويعرّي في الحديث قناعاته التبريرية، والمثالية)(27)، وهو ما نراه في حضور فولتير في إنتاج طرابيشي.
أقول: ما كان لفولتير أن يغيب عن إنتاج طرابيشي صراحة، فهو في الصميم من مشروعه النقدي التحديثي، ولعلّ شيئاً من النماذج توضح هذه النقطة. يقول طرابيشي: (…قد يظهر فولتير ما في العالم العربي الإسلامي، لكن حتى فولتير لم يحرّر العقل من النص، فكان من دعاة التأليه الطبيعي ضدّ التأليه الديني، والتأليه الطبيعي يقوم على أنّ الله موجود، وليس الوحي، وعلى أننا نصل إلى الله بالعقل، ولا ننفي وجوده. حتى فولتير ليس ناكراً للإله كما أشيع عنه)(28)، ويكتب: (…منذ عام 1764 نبّه فولتير، الذي كان يؤمن بأنّه لا تقدّم في المعرفة إلاّ بالاعتماد على “فرجار الرياضيات، ومشعل التجربة”، إلى تفوّق غاليليو على ديكارت من حيث تمثيله للروح العلمي للأزمنة الحديثة: “إنّنا لن نعرف العلل الأولى إلاّ يوم نصير آلهة. أمّا ما هو معطى لنا فهو أن نحسب، ونزن، ونقيس، ونرصد. تلك هي الفلسفة الطبيعية، ويكاد الباقي كلّه أن يكون وهماً. ومصيبة ديكارت أنّه ما استشار أثناء سفره إلى إيطاليا، غاليليو الذي كان يحسب. ويزن، ويقيس، ويرصد، والذي كان اخترع فرجار التناسب، ووجد ثقل الجوّ، واكتشف توابع المشتري، ودوران الشمس حول محورها)(29)، ويكتب: (…وعلى أيّ حال فليس لنا أن نتصور فولتير غربياً بدون لوثر مسلم)(30)، ويرد (فولتير) في سياق دراسة كتبها طرابيشي عن (الإلحاد)، يقول: (لم يكن فولتير إذن، على الرغم من شهرته كملحد، عدواً لله، بل فقط للدين ولرجاله، وهذه النزعة المضادّة للكهنوت وجدت في أسلوبه التهكمي المشهور ألذع لسان للتعبير عنها: فآباء الكنيسة هم”طاعون الإنسانية، ومصدر كلّ الشرور والآثام“، ونظام الرهبنة هو مسخ للطبيعة البشرية كما سوّاها الله)(31). ونكتفي بهذه النماذج لننتقل إلى القسم الثاني من علاقة فولتير بطرابيشي تلك التي تأتي مستترة، تتسلّل بخفاء لتنضوي تحت مظلّة الفكر العام لطرابيشي، والقناعات التي تبنّاها، ولا يعني هذا بتاتاً أنّ فولتير هو المتن، وطرابيشي هو الهامش اعتماداً على ما استقر في الوجدان العربي من أنّ الأصل هو المتن، ويأتي الهامش بعد هذا مفصِّلاً، أو شارحاً، أو موضّحاً على ما اعتدنا عليه زمن سيادة العقل المكوّن (بفتح الكاف)، بتعبير لالاند الذي أفدناه من طرابيشي(32)، وإنّما هو (الحوار)، مع فولتير، وعشرات غيره من المفكرين، والأدباء الغربيين، والعرب على حدّ سواء، وهو ما ألمعنا إليه فيما سبق، ومن هذه الحافّة نداور كي نفصّل الحديث عن مواطن (التشابه)، ومواضع (الاختلاف) بينهما. وهي مهمّتنا الرئيسة، والعسيرة معاً في هذا البحث.
– 4 –
يحاول فولتير وطرابيشي معاً أن يبنيا هيكلهما الفكري على أسس ثابتة، ودعائم من الموضوعية المستندة إلى نوع من محدودية المعرفة، المقترنة بالتواضع الحقيقي، لا المصطنع. إنّ هذا الموقف يضفي على ما يطرحانه من أفكار معقولية عالية، ويكسبهما مزيداً من الاحترام، ويدعوان الآخرين للاقتناع بما يطرحانه، أو ما يتبنّيانه من مقولات، فنرى فولتير كثيراً ما يصف عقله بـ (الضعيف)(33)، و(الضئيل)(34)، ويعترف في مواضع كثيرة أنّه (لا يعرف) حين تجابهه مشكلة مستعصية، فحين يتحدث عن صفات الله، وعقله، وإرادته والعلاقات بينها، يكتفي بالقول: (أفضّل أن أقف على أن أتيه. إنّ وجود الله ثابت لديّ، أمّا صفاته، وجوهره فإنّي أعتقد أنّه من الثابت لديّ أنّي لست مصنوعاً لتفهمها، فلنعترف بجهلنا في مثل هذه المواضع. تلك هي الحكمة الوحيدة)(35)، ويقول: (…فعلى أحد كواكب هذا الكون الفسيح الذي يعجّ بالنجوم، وهو كوكب أشبه بدولاب في الآلة اللامتناهية، يتخاصم الإنسان، في منملته، مع أناس آخرين، طوال يومه، بينما يستمرّ الكون في سيره وفق القوانين الأبدية الثابتة التي تخضع لها كذلك هذه الذرة التي نسمّيها الأرض. أليسوا مضحكين هؤلاء اللامتناهون في الصغر، هؤلاء البشر، في زهوهم الذي لا يكاد يحدّ، والذي يدفعهم إلى محاولة معرفة كلّ شيء؟)(36)، ويقول: (…وهكذا نستطيع الإبقاء على يقيننا، دون أن نغطي على جهلنا، وهذا يهيؤنا للتسامح الذي هو أولى الفضائل)(37)، ويكتب: (إنّ عقلنا محدود جداً، وكذلك قوة جسمنا. وثمة رجال أقوى من غيرهم، وكذلك يوجد عمالقة في عالم الفكر. وهذا التفوّق ليس شيئاً وكذلك يوجد عمالقة في عالم الفكر. وهذا التفوّق ليس شيئاً في الحقيقة، فبعضهم يرفع عشرة أمثال ما أرفعه أنا من المادة، وبعضهم الآخر يمكنه أن يقوم، دون ورقة أو قلم، بعملية ضرب فيها خمسة عشر رقماً، بينما لا أستطيع أن أضرب أكثر من ثلاثة أو أربعة أرقام إلاّ بصعوبة عظيمة، وهذا هو مدى تلك القوة التي يتغنى بها الكثيرون، وهي سرعان ما تصل إلى حدّها، ولذلك لا نجد أحداً، مهما اجتهد، ومهما تمرّن، يتجاوز الحدّ المضروب له، حدّ عقله. ومن اللازم قطعاً أن يكون الأمر كذلك، وإلاّ سرنا درجة درجة إلى اللانهاية)(38)، ويصف نفسه، وهو يتحدث عن باسكال بقوله: (…ولا أرسل إليكم ملاحظاتي الأخرى عن أفكار مسيو بسكال لما توجبه من مناقشات طويلة جداً، وما تقدّم يكفي لتبيّن بعض الأغاليط الناشئة عن غفلة هذا العبقري الكبير، وهو يعدّ سلواناً لرجل محدود الذكاء مثلي في قناعته بأنّ أعاظم الرجال يُخدعون كما يُخدع العوام)(39)، وحين يتحدث عن شعراء الإنكليز، ومؤرخيهم يكتب (…ذلك ما أقول بنزاهة عن شعراء الإنكليز، وقد حدّثتكم عن فلاسفتهم، ولا أعرف لهم مؤرخاً مجيداً حتى الآن)(40)، فهو لا يقطع بغياب (المؤرخين)، إنّما يردّ (عدم المعرفة) إلى نفسه متّهماً إياها قبل اتهام الآخرين، ويكتب أخيراً تحت عنوان (هل من اللازم لي أن أعرف؟): (حسن رأيت أنّ عدداً عظيماً من الناس لم تكن عندهم أيّة فكرة عن الصعوبات التي تقلق بالي، ولم يكونوا يشكّون في صحة ما يعلّم في المدارس عن الكينونة بصورة عامة، وعن المادة والروح… وحين رأيت أنهم كثيراً مالا يكترثون بما أريد أن أعرفه، داخلني الشك في أنّه ليس من اللازم مطلقاً أن أعرف ما أرغب في أن أعرف. وفكّرت في أنّ الطبيعة قد أعطت كلّ إنسان القسط الذي يوافقه، وأدركت أنّ الأشياء التي لا نستطيع الوصول إليها ليست من نصيبنا، ولكن، على الرغم من هذا اليأس، ما زلت راغباً في أن أتعلّم، وما زال فضولي المخدوع لا يشبع)(41)، فعدم المعرفة هذه، والضعف والجهل، والتوقف عن إصدار حكم كلّها علامات على اتساع المعرفة في جهات أخرى كثيرة، غير أنّ التوقف، أو وصف النفس بالضعف، وما إليه من أوصاف إنّما هي للوصول إلى الغاية في التثبّت، وبلوغ المثال في الموضوعية، وإلاّ فإنّ مفكراً مهماً مثل فولتير لا يمكن أن يوصف بالجهل، أو الضعف، حتى لو كان الواصف هو نفسه، وهكذا نلحظ، من جهة أخرى، طرابيشي، على اختلاف ما بينهما، فهو باحث، يأخذ بأسباب المنهجية إلى أقصى مداها، ويلتزم بها إلى حدودها القصوى، وهو أيضاً واسع الثقافة، عظيم التحصيل، ولكن حين تبزغ نقطة تلزم التخصص الدقيق يفيء إلى إخلاصه لتلك المنهجية التي أشرنا إليها، فيتوقف ليستشير (المختص) مع الاعتراف أنّه ليس من رجال ذلك (التخصص)، فهل بعد ذلك زيادة لمستزيد؟
يستخدم طرابيشي ما يسمّيه بـ (الحذر النقدي)، في متابعته لبعض المفكرين، والدارسين قبله، فهو يحمد للبيروني أنّه ( دلّل على قدر كبير من الحذر النقدي في تعامله مع النصوص النصرانية عن صابئة حران…)(42)، بينما يأخذ على د. الجابري أنّه (يقرّر باندفاع تقييمي لا يضبطه الحذر النقدي من أنّ هناك شخصية علمية أندلسية عاشت بعد ابن رشد بنحو قرنين، وعاصرت ابن خلدون لم تحظ بما تستحق من الاهتمام)(43)، ويريد بتلك الشخصية (الشاطبي). وقد أشرت إلى هذا (الحذر) في كتابي (معضلة اللغة العربية بين الجابري وطرابيشي)، وسمّيته بـ (الحذر العلمي)، و(من آيات هذا الحذر الاقتصاد في الأحكام، والابتعاد عن الإعمام، واتهام النفس مع الثقة بها)(44)، وتزخر كتب طرابيشي بهذا (الحذر)، ولعلّ مردّه هو ذلك الاتساع المعرفي النادر الذي تميّزت به تلك الكتب، وتنقّله بين علوم متنوعة احتاج أن يرجع فيها إلى أهل الاختصاص، وكان بمكنته أن يعود إليهم بلا إشارة إلى (عدم تخصّصه) بعلم معين، أو وقوف معرفته عند حدّ معين، ولكنّها المنهجية المقترنة بالمسؤولية تأبى إلاّ أن تبزغ لتضيف طبقات من المصداقية، والاحترام على ما يصدره من أحكام، أو يتبنّاه من آراء. يكتب: (…فاللغة الصينية كما يفيدنا الاختصاصيون في حضارة الصين، تبدو وكأنها لا تناسب كثيراً التعبير المجرّد عن الأفكار)(45)، ويكتب، وهو مثار الإعجاب، ما نصّه: (…وبدون أن يكون في المجال متسع لتقديم أيّ عرض تاريخي مفصّل – يتجاوز أصلاً كفاءتنا – فإنّ أول ما يمكن أن نميّز به العقل اليوناني…)(46)، ومثله قوله: (…ولكن آن الأوان لنطرح السؤال بالإحالة إلى التاريخ والواقع التاريخي: أصحيح أنّ حضارات الشرق الأقصى القديم لم تفكر في العقل؟)(47)، ويأتي الجواب حاسماً، مشرقاً، وهو: (نحن لا ندّعي طبعاً أنّنا نملك الأهلية الاختصاصية للإجابة عن هذا السؤال، بيد أنّ الأبحاث المتراكمة خلال الخمسين سنة الأخيرة، كما نوّه جان بيير فرنان تبيح لنا لا أن نصوغ مشروع جواب فحسب، بل أن نقطع أيضاً، وللحال، بأنّ هذا الجواب سيكون إيجابياً تمام الإيجابية)، ويتساءل مرة أخرى بقوله: (هل حدث تاريخياً ارتشاح، تأثير وتأثر، ما بين الفلسفتين – اليونانية والهندية- ولا سيما فيما يتصل بالمذهب الذري؟ إنّنا لا نملك الأهلية للإجابة، ولكنّنا سنلاحظ أنه إذا ح(48)دث تفاعل من هذا القبيل – وهو ما ترجّحه الأبحاث التي ما زالت جارية منذ نحو قرن من الزمان- فلا بدّ أن يكون باتجاه اليونان من الهند، لا باتجاه الهند من اليونان…)(49)، ويكتب أيضاً: (…ولسنا نملك الأهلية العلمية الكافية للحكم في ما إذا كان مصطلحا”الشرق“و”الغرب“من المصطلحات المتداولة في ثقافات الشرق الأقصى الصينية- الهندية…)(50).
هذا ما لمسناه عند فولتير، وطرابيشي، ولا ريب في أنّ الالتزام بهذا النهج ذو مآلات باهرة، إذ أتاح لهما النفاذ إلى مناطق، ربّما لم تُطرق كثيراً، وخصوصاً عند فولتير، فما داما مستندين إلى ركن مكين من النقد الذاتي فيحقّ لهما عندئذٍ أن ينقدا ما لدى الآخرين ممّا رأياه منافياً للعقل، مجافياً للمنطق، ولعلّ هذه النقطة تسلمنا بسلاسة إلى ما بعدها، وهي النقطة الثانية، ونريد بها رفض التسليم، وإعمال العقل.
– 5 –
وهذه إحدى مكاسب عصر التنوير، ويجب أن لا ننسى أنّ هذا العصر يسمّى أيضاً بـ(عصر العقل)(51) بحسبان أنّه (ذلك النمط من التفكير الذي يعتمد العقل أو العقلانية، ويستمد نوره من العقل كما هو المجاز الكامن في المصطلح نفسه)(52)، ومرّت بنا الخصائص العامة لهذا العصر، تلك التي حدّدها د. عبدالرحمن بدوي، ومنها قوله: إيمان الروح، أو العقل بقدرته على التحرّر من كلّ ما ورثه من عبودية فكرية، وعلى تقرير مصيره بيديه، وأيضاً قولة الفيلسوف كانط من أنّ التنوير هو خروج الإنسان من حالة القاصر التي جلبها على نفسه، وحالة القاصر هذه هي التي شرحها كانط نفسه حين يقول: (إنّ من السهل ألا ينضج الإنسان. إذا كان لديّ كتاب يفهم بالنيابة عني، وقسّ ينوب بضميره عنّي… فليس من الضروري أن أزعج نفسي. لا حاجة بي إلى التفكير، إن كنت لا أستطيع الدفع)(53)، ويذهب الأستاذ هاشم صالح إلى أنّ (التنوير أصبح بالنسبة إلى المثقف الأوربي المعاصر مسألة تاريخية، أي في ذمة التاريخ… لم يعد التنوير سلاحاً ضدّ الأصولية الدينية كما كان عليه الحال في زمن فولتير… أمّا التنوير بالنسبة إلى المثقف العربي فهو مسألة حياة أو موت، وجود أو عدم)(54)، ومن هنا فإنّ مهمة طرابيشي أعقد، وأخطر من مهمة فولتير في زماننا الحاضر، وهو ما يهمّنا بالتحديد، ولا ينكر أن فولتير قد أدّى مهمته في زمانه على أكمل وجه، وهو ما سنراه في النقاط الآتية، غير أنّ ما يجابهه مفكر مثل طرابيشي، وهو يواجه الأصولية، بل الأصوليات، وهي ذات أنياب، ومخالب، وثروات، ونفوذ، تضيف إلى مهمته عقداً، وعراقيل، كما أنّ نص الأستاذ هاشم صالح يشي بأنّ مهمة فولتير، وأضرابه من المفكرين قد آتت أكلها، وأنتجت ثمارها، بدليل أنّ التنوير قد أصبح لدى المثقف الأوربي في ذمة التاريخ، في حين أن جهود طرابيشي على مدى أربعين عاماً، وتزيد ما تزال في طور الأخذ، والردَّ، وسنقف عند هذا الأمر المهم فيما بعد.
يكتب لويس عوض: (…كان حجر الزاوية في دعوة فولتير الفكرية والإصلاحية هو الإيمان بالعقل الذي هو عنده الدليل الأول على إنسانية الإنسان، والآصرة الأولى التي تربط جميع بني البشر)(55)، ويكتب فولتير نفسه إلى مركيزة ديفان يصف نفسه: (إنّني مهدّم كبير)(56)، فماذا يعني هذا الوصف؟ إنّه يعني، وحسب فولتير أيضاً، القدرة على (اتخاذ موقف نقدي إزاء التقاليد، واللجوء إلى السلاح الهدام الذي هو الجدل… والدعوة إلى استقلال الفكر لدى كلّ إنسان)(57)، ويخاطب مَن يسمعه، ويقرؤه بقوله: (اركنوا إذن إلى قوة عقلكم، وأقيموا دائماً المحسوس والمحدود مقام القضايا الحائرة في غموضها. انهمكوا في بهجة التحليل الجدلي، والسعي إلى البرهان العقلي حتى آخر نتائجه)(58)، إذ (يمكن لكلّ إنسان أن يكون مستنيراً مجرّداً من الأفكار المسبقة، وهذا أمر لن ينكره أحد. وهذه القدرة النقدية هي العنصر الأساسي والمميّز للعقل البشري، ولكلّ منّا نصيبه منها)(59)، ويضيف: (…ولمّا كنّا، بمختصر القول، كائنات مفكّرة، فإنّ في وسعنا أن نحكم بأنفسنا ما إذا كان الفلاسفة قد أجابوا عن أسئلتنا أم لا. والأمر هنا يتعلّق بحرية النقد التي يكتسبها كلّ فرد إزاء ما قاله، أو يقوله الآخرون، إذا هو اتبع الطريقة الجدلية بالاستناد إلى حياته، وبالرجوع إلى عقله)(60)، نعم، بالرجوع إلى عقله، هذا هو الفيصل في الموقف كلّه، مع معرفته، ومعرفتنا بأنّ إشكاليات العقل ليست بالقليلة، وما وُجّه إلى (عصر العقل) من نقد فيما بعد لا يمكن إنكاره، غير أنّه لا غنى عن التعلّق بأسبابه، والأخذ بمقولاته درءاً للأخطار التي تقدّمها أفكار أهل التقليد، وأهمّها الكسل الفكري، وإبقاء الحال على ما هو عليه، والتسليم. وما أدراك ما التسليم؟ ولذلك نراه من جهة أخرى يعرض لهذا (التسليم) بأسلوبه الساخر المحبّب في محاورة قصيرة جاءت في سياق روايته (كانديد). يكتب: (…كان في القرب درويش شهير يقال إنّه خير فيلسوف في تركيا، فذهب لاستشارته. وتكلم بانجلوس، وقال: يا أستاذي جئنا نرجوك أن تقول لنا لماذا خُلق حيوان غريب كهذا الإنسان؟ فقال له الدرويش: لِمَ تتدخل فيما لا يعنيك. هل ذلك من شأنك؟ فقال كما نريد: ولكن يا سيدي، إنّ على الأرض لشرّاً كثيراً، فقال الدرويش: وماذا يهمّ أن يكون عليها شر أو خير. حين يرسل السلطان سفينة إلى مصر، هل تراه يجشّم نفسه مشقة التفكير فيما إذا كانت الفئران الموجودة على السفينة على ما تروم أم لا؟ فقال بانجلوس: وما الذي يجب عمله إذاً؟ فقال الدرويش: أن تسكت)(61)، ولا شك في أن (الدرويش) هو الممثّل للتسليم، والكسل الفكري، والتنازل عن حقّ السؤال، غير أن فولتير لم يسكت، بل ظلّ يسأل، ومن خلال الأسئلة تبدأ الأمور بالتكشف، فإذا ثنّينا بتكرار الأسئلة، والإلحاح عليها فلن تكون النتيجة في صالح (الدرويش)، والاتجاه العام الذي يمثّله، وينضوي تحته، بَيْد أن النوافذ فُتحت بعد حين، وتسرّب الهواء نقيّاً، جديداً، لم يجدّد جوّ الغرفة وحدها، بل المنزل برمّته، وكذلك طرابيشي الذي بدأ هو الآخر بالسؤال، وقطع الشوط إلى نهايته بعد هذا في تكرار الأسئلة، ومحاولة تقديم الأجوبة، ولكنّها أجوبة مختلفة؛ لأن الأسئلة نفسها كانت مختلفة، ومن الممكن تلخيص موقفه من هذا الأمر بالنص القصير لشكسبير الذي يضعه فاتحة لتقديم كتابه (هرطقات)، وهو: (ليس الهرطوقي مَن يحترق في النار، بل الهرطوقي مَنْ يشعل المحرقة)(62)، أليس إشعال المحرقة هو السؤال؟ ويكتب: (…والحال أنّ كل نقد يكتفي بمناقشة نتائج الإشكاليات يبقى أسيراً لها. فالمطلوب، قبل دحض النتائج، تفكيك الإشكاليات نفسها، فأسئلة الجابري، لا أجوبته، هي الملغومة)(63)، الأسئلة على الدوام هي المحور، ومدار الاهتمام، وكأنّي بطرابيشي وبيده حديدة الموقد، فهو دائم التقليب في خشب الموقد الذي استحال بعضه إلى جمر خالص، وكأنّي به مرة أخرى يقلّب ذلك الجمر بيديه إمعاناً في إبقائه مشتعلاً، مضيئاً، إذ ليس المهم احتراق اليدين. المهم أن تظلّ النار مشتعلة، وهي الأسئلة المحرقة بوجه آخر، وعلى وفق هذا أشار في كتبه الأخرى: طرح الأسئلة، وتقديم الأجوبة إن أمكن. الجوهر هو الطرح، وليبق الجواب مفتوحاً، ولن أطيل في تقديم الشواهد فهي كثيرة جداً، وأكتفي بشاهد واحد باعتباره نموذجاً على منهج التفكير، وطرائق المعالجة.
وإنّما اخترت هذا النموذج لكون عنوانه يتلبّس بسؤال، وهو مقاله: (أتغريب أم تحديث؟ طه حسين وسؤال مستقبل الثقافة)(64)، فكأنّ الموضوع منذ حرفه الأول ينبغي أن يكون سؤالاً، وهو سؤال ليس كالأسئلة، ذلك لأنّ كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر)(65) من الكتب الإشكالية، الخلافية التي كثر الحديث عنه، بل اللغط، ومن هنا جاءت أهمية الافتتاح بالسؤال، وللسؤال وظيفة أخرى هنا؛ لأنّ الجواب غير المعروف سلفاً – كما رأينا سابقاً- من الممكن أن يكون: تغريب، أو تحديث، فكلاهما صالح في هذا الموضع، وخصوصاً أنّه يصدر من مفكر هو خارج الدائرة الأصولية تماماً، ومن الداعين إلى الأخذ بأسباب الحداثة، ومن الممكن أن يصل (القارئ) الذي لم يقرأ – وهم كثر في زماننا هذا- إلى أنّ طرابيشي يقف إلى صفّ مَنْ رأى في الكتاب نقلة جوهرية نحو الحداثة، وخصوصاً أنّ طه حسين لا يتردّد في التصريح من أنّه (علينا أن نصبح أوربيين في كلّ شيء)، غير أنّ الوقائع تنطق على الضدّ من هذا تماماً، إذ لم يأخذ طرابيشي بمنطق التسليم الذي يرفضه جرياً على أن صاحب الكتاب علم مشهور، وأديب كبير، فمن الواجب اتباعه في كلّ ما يذهب إليه، وانقياداً، أيضاً، إلى الكثرة التي رحّبت بالكتاب، وعدّته من علامات النبوغ، ومن آيات السبق الزمني، فطرابيشي يؤمن بقولة القاضي عبدالجبار المعتزلي، تلك القولة التي صدّر بها كتابه (هرطقات)، وهي: (ليست الكثرة من أمارات الحق، ولا القلة من علامات الباطل)(66)، وكأنّه ينظر إلى قولة لعلي بن أبي طالب في واحدة من قصار حكمه، وهي: (لا تستوحش طريق الحقّ لقلّة سالكيه)، ويحضر فولتير هنا أيضاً في واحدة من شذراته حين يكتب: (…حقاً أنّ المبدعين قليلون، والجميع، تقريباً، يسيرون ويفكّرون ويشعرون، بفعل العادة والتربية، ولا شيء أندر من أن تسير نفس في طريق جديدة)(67)، فالفاصل في ذلك كلّه هو إعمال العقل، لا التسليم، وإعمال العقل يهدي إلى أنّ طه حسين يخلط بين الغائية، والكيفية، فـ(أن نصبح أوربيين في كلّ شيء معناه لا أن نتقدّم كما تقدّموا فحسب، بل أن نحاكيهم، ونحتذيهم حذو النعل للنعل في الكيفية التي تقدّموا بها، وفي الطريق التي ساروا عليها، متنكّبين عن طريق الاختراع، وإعادة الاختراع إلى طريق الاستنساخ)(68) وهو، أي طه حسين، (يخلط (مرة أخرى) بين سيرورتين يحاذر علماء النفس والاجتماع المعاصرون كلّ المحاذرة من الخلط بينهما: الهوية… والتماهي… فهو يطالب المصريين، ومن ورائهم العرب والمسلمين والعالمثاليين، بالتنازل عن هويتهم لكي يصبحوا”أوربيين في كل شيء”، وبدلاً من مطلب تماهٍ جزئي مع إنجازات بعينها للحضارة الأوربية، فإنّه يغلو في مطلب المحاكاة الكلية إلى حدّ الحضّ على تبنّي ما هو شرّ، ومرّ، ومكروه، ومعيب في حضارة الأوربيين، وليس فقط ما هو خير، وحلو، ومحبوب، ومحمود)(69)، ويضيف: (…وواضح للعيان أنّ مطلب التماهي الكلي هذا ينقض نقضاً عنيفاً مبدأ الهوية، فبدلاً من أن تكون الهوية تركيباً عضوياً لجملة التماهيات الجزئية، فإنّ التماهي الكلي، واللامشروط ينزع إلى محض استبدال آلي للهوية بأخرى مغايرة، أو نقيضة… وبدلاً من أن يكون التماهي، كما يدلّ اشتقاقه، سيرورة اكتساب للماهية، فإنّ ميكانيكا المحاكاة تحطّه إلى فعل ببغاوي بليد، وذليل ينخفض بكرامة الهوية إلى مستوى التبعية، والذيلية. وبكلمة واحدة: إنّ التماهي الجزئي، والمشروط قد يكون تدريباً على حرية الهوية، ولكنّ المحاكاة موقف عبودية)(70)، ويعمد طرابيشي بعد هذا إلى التفرقة المنهجية بين (التغريب)، و(التحديث)، فـ(التغريب سيرورة على مستوى الهوية نزعاً، وقلعاً، واستلاباً، أمّا التحديث فسيرورة، على مستوى التماهي المشروط، والجزئي، والتدرجي. التغريب سلب للهوية، وإبدال، وإفقار إلى حدّ الإعدام، والتحديث تطوير للهوية، وإغناء، وتفتيح للشخصية على تعدّد لا متناه من الأبعاد)(71)، وهي تفرقة ضرورية تجيب على أسئلة فئات مختلفة، أولهم الذين يخلطون قصداً، أو بدون قصد بين (التغريب)، و(التحديث)، وثانيهم الذين يرون في (التحديث) تبعية، وذيلية للغرب بحسبان أنّه آتٍ منه، وثالثهم دعاة القطيعة الكاملة مع الماضي، فهذه الفئات مشمولة بتلك التفرقة. وقلنا إنّها ضرورية؛ لأنّها (بالغة الأهمية بالنسبة إلى أمة تراثية كالأمة العربية، فضدّاً على التغريب الذي يقطع مع تراث الذات، ولكن ضدّاً أيضاً على التتريث الذي يقطع مع الحضارة الحديثة بوصفها حضارة الآخر، والذي يوظّف التراث سلاحاً أيديولوجياً في حرب القطيعة معها، أو ضدّها، فإنّ التحديث يوفّر فرصة تاريخية نادرة لإحياء التراث، ولوصل ما انقطع من تطوره، ولتجديد نفسه بالاستعانة بما تتيحه الحضارة الحديثة من مناهج علمية لم يسبق لها مثيل في التحقيق، والحفر، والتنقيب، والدراسة، والنقد، وإعادة القراءة، والتأويل)(72)، وطرابيشي بهذا يختلف اختلافاً جذرياً عن القائلين بوجوب القطيعة التامة مع التراث(73) سواء أكان دينياً، أم فلسفياً، أم أدبياً…الخ، وهي نظرة متوازنة، تشعّ بالعقلانية من جهة، وترفض التسليم، والانقياد من جهة أخرى.
إذن، لم يتابع طرابيشي طه حسين، وغيره في هذه القطيعة المطلوبة، بل تعامل مع مقولاتها بمنطق العقل، ونبذ التسليم، مستخدماً أدواته المعرفية الغنية للوصول إلى النتائج التي رأيناها سابقاً، ولم يكتفِ طرابيشي، ومن قبله فولتير بهذا، بل خطوا خطوة أخرى في هذا الطريق الشائك، وهي نقد (التدين)، وهذه النقطة من آيات عقلانيتهما الباهرة، وإحساسها المرهف بما أوقعه (الأكليروس) من مظالم، وانتهاكات باسم (الدين).
الهوامش:
1- كم من المآسي، والمهازل ارتكبت باسم هذه (الحقيقة). يكتب فولتير إلى مركيزة دي ديفان يقول: (إنّك تهوين الحقيقة، ولكن يدرك الحقيقة مَن استطاع إليها سبيلاً، فقد بحثت عنها طوال حياتي فلم أستطع العثور عليها، ولم أبصر إلاّ وميضاً خفيفاً يخاله المرء أنّه هي. ليس هناك شيء إلاّ وهو بعيد عن اليقين، ولماذا يدهشنا ذلك؟). ينظر: فلسفة الثورة الفرنسية. برنار غروتويزن، ص60. وبعده يكتب هشام شرابي: (عند التحاقي في جامعة شيكاغو اكتشفت أنّ هناك تعابير في اللغة الإنكليزية كنت أعرف معناها لكنّي لم أستعملها إلاّ نادراً، مثل (Probably) (على الأرجح)، (Some what) (نوعاً ما)، (To Some extent) (إلى حد ما) الخ. وهذه التعابير تستعمل للتخفيف من حدّة الجزم، فتسبغ على الكلام اتزاناً واعتدالاً، غير أنّ أساتذتنا لم يستعملوا هذه التعابير في محاضراتهم إلاّ نادراً، وبالواقع لم أنتبه إلى هذا الأمر إلاّ بعد مرور عدة أسابيع بعد التحاقي بجامعة شيكاغو. لاحظت أن أساتذتي وزملائي كانوا لا يتكلمون دون استعمال هذه التعابير. لفت نظري مثلاً أني كلما شاركت في حوار وجدتني أتكلم بالمطلقات، وبتعابير قاطعة نهائية، وسرعان ما تبيّن لي أنّ السبب في ذلك لم يكن اللغة وحسب، بل يرتبط بالفكر وأسلوب التعبير. كانت الفكرة إمّا أن تكون صحيحة أو تكون خاطئة، فإذا كانت صحيحة شعرت أنّه كان عليّ أن أدافع عنها دفاعاً كلياً، ربّما لأنّنا كنّا نعتقد، مثل أساتذتنا وآبائنا، أننا دائماً على صواب، وأنّ الآخرين دائماً على خطأ، فقد كان موقفي في أغلب الأحيان دفاعياً يرفض كلّ أنواع النقد، ولاحظت بعد مدة أنّ زملائي الأمريكيين بدأوا يستغربون تصرفي هذا. وخصوصاً تمسكي الشديد بوجهة نظري، فتوقفوا عن الدخول في مناقشات معي. كنت في النقاش كمن يلعب لعبة (الصفر) التي لا تنتهي إلاّ بربح كلّي للطرف الواحد، وخسارة كلية للطرف الثاني، أي بغالب ومغلوب. ولا أنسى مرة كنت أتحدّث فيها إلى أستاذي تشارلز موريس في ظلّ شجرة في باحة الجامعة حول محاضرته صباح ذلك. وقلت له: ومهما يكن من أمر فإن الحقيقة لا يمكن إلاّ أن تفرض نفسها. وصمت موريس برهة، ثم قال بهدوء: لنضع الحقيقة جانباً، فالحقيقة ليست موضع بحثنا الآن. صعقني قوله. كانت “الحقيقة” بالنسبة إليّ شيئاً مقدساً، وموضوع كلّ بحث. ولم أفهم ما عناه موريس بقوله هذا إلاّ بعد مضي وقت طويل. ظهرت لي “الحقيقة” على حقيقتها، مقولة فكرية بين المقولات الفكرية الأخرى. منذ ذلك الحين بدأت بالتخلص من عبودية “الحقيقة” الغيبية التي زرعتها في نفسي دراستي في الجامعة الأميركية في بيروت، وأخذت أرى الأمور في ضوء جديد يختلف كلّ الاختلاف عمّا تعوّدت عليه حتى ذلك الحين). ينظر كتابه: الجمر والرماد، ص31-33، وامتلاك “الحقيقة” هو ما نراه، ونلمسه عند جمهرة واسعة من الناس، لعلّ قسماً كبيراً من المثقفين العرب في مقدّمة تلك الجمهرة.
2- ينظر العقل المستقيل في الإسلام، ص9.
3- و(2) مقدمة ترجمة كتاب الأستاذ محمد أركون: نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ص55.
( )
5- ينظر: فولتير. حياته – آثاره – فلسفته. أندريه كريسون، ص10 وص40.
6- من المفيد الإشارة هنا إلى أنّ فولتير يقول إنّ (عدد ضحايا الأصولية المتعصبة بلغ في أوربا تسعة ملايين وأربع مائة وثمانية وستين ألف شخص، فهؤلاء إمّا ذُبحوا، وإمّا أحرقوا، وإمّا أغرقوا، وإمّا عذّبوا على الدولاب، وإمّا شُنقوا، وكلّ ذلك باسم الله، والله من ذلك براء)، ويعلّق الأستاذ هاشم صالح على ذلك بقوله: (…ولا نعرف من أين جاء – فولتير- بهذا الرقم، ولكن سواء أكان مبالغاً فيه أم لا، فإنّه يدلّ على حجم الرعب الذي زرعته الحروب الأهلية في كلّ أنحاء أوربا، كما أنّه يفسّر لنا سبب انقلاب المسيحيين الأوربيين على الأصولية وأفعالها الشنيعة). ينظر كتابه: معارك التنويريين والأصوليين في أوربا، ص69، ومن الضروري الإشارة هنا إلى ما ذكره فولتير في كتابه (رسالة في التسامح)، ص139-143، عن (رسالة موجّهة في 6 أيار/ مايو 1714 من صاحب دخل كنسي إلى الأب اليسوعي لوتلييه) التي يطلب فيها قتل البروتستانت جميعهم، وتزويج فتياتهم من كاثوليك صالحين، وإخصاء صبيانهم الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة، مع أعمال مرعبة أخرى، غير أنّه يختم رسالته بقوله: (…أما الذين قد يخيفهم عدد الضحايا، ففي وسع نيافتكم أن يذكّرهم بأنّه منذ عهد ازدهار الكنيسة، ولغاية عام 1701، أي على مدى أربعة عشر قرناً، تسبّب اللاهوت في مصرع أكثر من خمسين مليون إنسان، وأنا لا أقترح إلاّ خنق، أو ذبح، أو تسميم زهاء ستة ملايين وخمسمائة ألف شخص)، فلعلّ فولتير اعتمد على هذا النّص، أو غيره من النصوص لتقدير حجم (القتلى) من الأطراف جميعها. ويتحدث جورج طرابيشي عن حرب ثلاثين عاماً، وهي (كبرى الحروب التي دارت بين البلدان الكاثوليكية، والبروتستانية بين 1618 و 1648). ينظر: هرطقات 2، ص18، وينظر كذلك: قصة النزاع بين الدين والفلسفة، د. توفيق الطويل، ص38، وما بعدها، وفيه: (كانت محاكم التفتيش أخطر سلاح تقلّدته السلطات الكنسية لمحاربة العقل الحرّ وجندلة أهله… ولهذا أنشأ البابا جريجوري التاسع محكمة التفتيش، أو ديوان التحقيق عام 1223م، ومكّن لهذا النظام أمر بابوي أصدره أنوسنت عام 1253م، وضبط به الاضطهاد كجزء رئيسي من الكيان الاجتماعي في كلّ مدينة أو دولة، وكانت هذه أداة لكبح التفكير الحرّ لم يعرف التاريخ لها نظيراً… والمبدأ الذي اعتنقته محكمة التفتيش كان يقول: لأن يدان مائة بريء زوراً وبهتاناً ويعانون العذاب ألواناً، خير من أن يهرب من العقاب مذنب واحد)، ص38-41، وينظر ص85 ففيه تفصيل عمّا وقع لمخالفي رأي الكنيسة من قتل، وتحريق، ومن المفارقات أنّ المسيحيين في القرنين الأول، والثاني حين كانوا (طائفة منبوذة أعوزتهما فيها السلطة، وأحاطها مقت المجتمع أعلنوا مبدأ التسامح، وصرّحوا بأنّ المعتقد الديني أمر اختياري لا سبيل إلى إكراه الناس عليه، فلمّا تمكّن دينهم، واستبدّ بقلوب الناس، وأيّدته الدولة بقوتها، تنكّروا لمبدأ التسامح، وفرضوا رقابتهم على آراء الناس في الكون، وظواهره، وأسراره، ثم شرعوا في وضع سياسة محدّدة لقهر الفكر، وكبح العقل، وسلّم الأباطرة، والحكومات بهذه النزعة لأسباب بعضها سياسية). ص80.
7-) معارك التنويريين والأصوليين، ص9، ولعلّ من أدقّ، وأجمل ما قرأت عن عصر التنوير، هو ما كتبه الراحل الكبير عبدالرحمن بدوي في كتابه عن (نيتشه)، إذ يفتتح حديثه بقولة للفيلسوف كانط هي أنّ التنوير (هو خروج الإنسان من حالة القاصر التي جلبها على نفسه بنفسه، أمّا حالة القاصر فمعناها العجز عن أن يستخدم عقله بنفسه، ودون قيادة الآخرين، وهو الذي جلبها على نفسه؛ لأنّ السبب في هذه الحالة ليس قصوراً في عقله، وعجزاً طبيعياً فيه، إنّما السبب فقدان العزيمة القوية والشجاعة لتوجيه نفسه بنفسه)، ويستمر بعدها ليحدّد خصائص هذا العصر، فإذا هي خمس خصائص هي: (أولاً إيمان الروح، أو العقل بقدرته على التحرّر من كلّ ما ورثه من عبودية فكرية، وعلى تقرير مصيره بيديه، وثانياً: الأمل الوطيد في التقدم المستمر نحو حرية الإنسانية وكرامتها وسعادتها، وثالثاً: الشعور الواضح بما ألقي على عاتق الإنسان من مسؤولية كبرى بإزاء هذا التقرير لمصيره تقريراً إرادياً مختاراً، ورابعاً: الشجاعة في إخضاع كلّ الآراء، والمذاهب الموروثة لامتحان العقل وحكمه، وتشكيل الدولة، والمجتمع، والاقتصاد، والقانون، والدين، والتربية بشكل جديد تبعاً لمبادئ، وأسس قوية جديدة، وخامساً، وأخيراً: الإيمان بتضامن مصالح الإنسانية بأسرها، وزيادة الإخاء بين الناس جميعاً على أساس هذه الحضارة العقلية المستمرة في تقدّمها، وتطورها نحو الكمال)، ينظر: نيتشه، ص128، وإنّما أطلنا في الاقتباس لنفيد منه فيما بعد لمعرفة المؤثرات العامة التي استقبلها فولتير، وعملت بدورها على تكوين أفكاره، ومواقفه، ومن بعده طرابيشي لتأخر في الزمن حسب، وتغلغل تلك الأفكار في مجمل إنتاجه، ومواقفه هو الآخر.
8- فولتير، ص38، وينظر كذلك عن هذه الحادثة: قصة الاضطهاد الديني، د. توفيق الطويل، ص129-133، ودراسات في النظم والمذاهب. د. لويس عوض، ص48، وما بعدها، ونجد تفصيلاً لهذه الحادثة في كتاب فولتير: رسالة في التسامح، ص9، وما بعدها.
9- ولأنّ الوقائع عنيدة كما يقول المثل على حدّ قول طرابيشي، فمن الضروري الإشارة إلى ما وقع في باريس سنة 1894 في الحادثة المشهورة بحادثة (دريفورس)، ذلك الضابط الفرنسي من أصل يهودي، وقد اتّهم بالتجسس لصالح ألمانيا، ونفي بعدها إلى غويانا، وهنا ينبري أدباء، ومفكرون من طراز فولتير للدفاع عنه، في مقدمتهم (أميل زولا)، ويكتب مقالاً ما يزال حيّاً حتى الآن، عنوانه (إنّي أتهم)، ونجحت تلك الجهود مرة أخرى في إعادة الاعتبار لذلك الضابط، لينال حريته، ينظر: المثقفون في الحضارة العربية، د. محمد عابد الجابري، ص23.
10- ينظر الأسلوبية وثلاثية الدوائر البلاغية. د. عبدالقادر عبدالجليل، ص260، وما بعدها.
11- ينظر: معجم مصطلحات البلاغة العربية وتطورها. د. أحمد مطلوب، ص110.
12- دراسات في المعاني والبديع. د. عبدالفتاح عثمان، ص99. ينظر: معجم المصطلحات. د. 13- أحمد مطلوب، ص112، والإتقان في علوم القرآن. للسيوطي، 2/223.
14- إنّ هذا الكتاب (برنامج في إصلاح التعليم بالزيتونة… ولعلّ هذه الصفحات التي تربو على التسعين أجرأ ما كتب شيخ زيتوني مستنير منذ حركة الإصلاح بالزيتونة، وأقرب إلى الصدق والحقيقة في غير تحامل، أو تحقير، فهي إحصاء لآفات التعليم بالزيتونة، يصحبه اقتراح العلاج لها، وقد ركّز المؤلف نقده على أبواب ثلاثة: 1- إصلاح النظام، 2- إصلاح التأليف، 3- إصلاح نظام المناظرة لانتداب المدرسين… وإنّ الناظر المتفحّص في هذا القسم الثالث من الكتاب يجد مؤلفه يرمي هو، ومصلح الأزهر محمد عبده عن قوس واحدة، فأساس الإصلاح عند كليهما تحليل العقل، وتلقيح الأزهر، أو الزيتونة ضدّ جراثيم الجمود). أليس الصبح بقريب؟ المنصف الشنوفي. حوليات الجامعة التونسية، العدد الخامس، سنة 1968، ص153، عن كتاب (المقاييس البلاغية في تفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر ابن عاشور)، د. حواس بري، ص27-28.
15- يقع هذا التفسير بثلاثين جزءاً صدر بخمسة عشر مجلداً، وقد اختصر الشيخ ابن عاشور العنوان بنفسه ليصبح: (التحرير والتنوير من التفسير). تنظر مقدمة التفسير. المجلد الأول. وقد فسّر الآية المشار إليها، وهي (أليس الصبح بقريب) في الجزء الثاني عشر.
16- و(3) و(4) نزار قباني وعمر بن أبي ربيعة. د. ماهر حسن فهمي، ص5 و13-14.
( )
( )
19- من المفيد الإشارة هنا إلى ذلك الناقد الخبير، أردت به حازماً القرطاجني، فهو من جهة يسمي (الموازنة) (مفاضلة)، ومن جهة أخرى يشير إلى صعوبة هذه (المفاضلة)، بل استحالتها. يكتب: (إنّ المفاضلة بين الشعراء الذين أحاطوا بقوانين الصناعة، وعرفوا مذاهبها، لا يمكن تحقيقها، لكن إنّما يفاضل بينهم على سبيل التقريب، وترجيح الظنون، ويكون حكم كلّ إنسان في ذلك بحسب ما يلائمه، ويميل إليه طبعه، إذ الشعر يختلف في نفسه بحسب اختلاف أنماطه وطرقه، ويختلف بحسب اختلاف الأزمان، وما يوجد فيها ممّا شأن القول الشعري أن يتعلق به، ويختلف بحسب الأحوال وما تصلح له، وما يليق بها، وما تحل عليه، ويختلف بحسب اختلاف الأشياء فيما يليق به من الأوصاف والمعاني، ويختلف بحسب ما تختّص به كلّ أمة من اللغة المتعارفة عندها، الجارية على ألسنتها). منهاج البلغاء، ص374، فهذه خمسة اختلافات تشمل بناء الشعر، وزمانه، وعلاقته بأحوال عصره، وسيادة نمط معين من المعاني، واللغة التي قيل فيها، ومن هنا تأتّت الصعوبة في (المفاضلة)، إذ يجب وضع تلك الاختلافات في الاعتبار، وقد وضعناها في حالتنا الراهنة هذه.
20- لعلّ شاهدين اثنين يكفيان للتدليل على هذا الموضوع، أولهما: قول طرابيشي: (…فيما يتعلّق بالمصدر الحقيقي لنظرية العقول العشرة فإنّنا – من دون أن ندّعي لأنفسنا الاختصاص اللازم للحسم في المسألة- سنلاحظ أنّ بيير دوهم…) إلى آخر النص، ينظر: العقل المستقيل في الإسلام، ص31، وثانيهما قوله: (…وبديهي أنّنا لا نملك الأهلية العلمية لا للفصل في مسألة حملية، أو لا حملية اللغات الأميركية الهندية)، ينظر: إشكاليات العقل العربي، ص244.
21- و(2) السلطان. برتراند رسل، ص9-12، وجاء في كتاب (فلسفة الثورة الفرنسية) على لسان فولتير ما نصّه: (..لقد كان لسلطان مراكش خمسمائة ولد، فجمعهم حول مائدته، وقال لهم: لقد أنجبتكم، أنا، مولاي إسماعيل، من أجل مجدي: لأنّي شديد الولع بالمجد، وبما أنّي أحبكم جميعاً في حنان فقد قرّرت ما يلي: أن تكون لأحد أولادي مملكة الطفيلة، وللآخر مراكش، أمّا الأربعمائة والثمانية والتسعون ولداً الآخرون فقد قرّرت قتل نصفهم… وحرق نصفهم الآخر بالنار…). ينظر، ص74، ولا ريب في أنّ هذا من مبالغات فولتير، وخصوصاً في عدد الأولاد، غير أنّ ما يهمّنا من النّص هو (المجد)، والإلحاح في بلوغه، ويكتب في رسالته في التسامح: (…لقد اعتقد الامبراطور ترايانوس أنّ مجده لن يكتمل ما لم يُخضع لسلطانه إله المسيحيين)، تنظر ص71، ويعقد ابن خلدون فصلاً في (المقدمة) عنوانه: في أنّ من طبيعة الملك الانفراد بالمجد، ص185، فها هو (المجد)، ومعه (السلطان)، و(المُلك) يطلاّن من هذين النّصين تأكيداً لما سبق.
( )
23- السلطان. برتراند رسل، ص9-12، وينظر كذلك ص239، وما بعدها عن (التنافس) خصوصاً.
24- وفي لمحة سريعة أشير إلى أن راسل شأنه شأن كثير من المفكرين الأحرار قد أوذي، وسجن، ومُنع من السفر، غير أنّه من جهته لم يستعمل لقب (اللورد) الذي وصل إليه سنة 1931 طيلة حياته. ينظر مقدمة مترجم كتاب (السلطان)، ص6، وينظر كذلك: دراسات في الفلسفة المعاصرة. د. زكريا إبراهيم، 1/205، وما بعدها.
25- تحليل الخطاب الشعري، د. محمد مفتاح، ص120.
26- المرايا المحدّبة. د. عبدالعزيز حمودة، ص362.
27- ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب. محمد بنيس، ص253.
28- حوار مع طرابيشي نشرته صحيفة (النهار) يومي الأربعاء 8، والخميس 9 حزيران/ يونيو، سنة 2005. حاوره سليمان بختي.
29- نظرية العقل، ص196، وهو ينقل من (المعجم الفلسفي) لفولتير.
30- مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، ص126.
31- هرطقات 2، ص237.
32- لا يتردّد فولتير، وهو مَن هو، في الاعتراف أنّه (تعلّم) من الآخرين. يكتب: (…هناك مفكران علّمانا بالحقيقة شيئاً ذا شأن. وهما نيوتن ولوك). ينظر: فلسفة الثورة الفرنسية، ص82.
33- فولتير. كريسون، ص116.
34- المصدر السابق، ص114.
35- السابق، ص67، وتنظر: ص68.
36- فلسفة الثورة الفرنسية، ص83، ويكتب روسو في (اعترافاته): (…فلمّا أنجزت خطبتي، عرضتها على ديدرو، فرضي عنها، وأرشدني إلى بعض التنقيحات. بيد أنّ هذا المؤلَّف، مع ما به من حرارة أنفاس ومتانة نهج، قد أعوزه المنطق والنظام أيّ إعواز، فهو ما بين جميع المؤلّفات التي خطّها قلمي، أضعفها منطقاً وأفقرها انسجاماً وتوافق أسباب، ومهما عظمت موهبة الإنسان، لا يسعه، على الفور، أن يتعلّم فنّ الكتابة). ينظر، ص491.
37- السابق، ص70-71. وسنقف عند التسامح فيما بعد.
38- السابق، ص101.
39- الرسائل الفلسفية. فولتير. ص168.
40- المصدر السابق، ص123.
41- فولتير. كريسون، ص96.
42- العقل المستقيل في الإسلام، ص122.
43- وحدة العقل العربي الإسلامي، ص316، وينظر كذلك: نظرية العقل، ص80، الهامش (103).
44- معضلة اللغة العربية بين الجابري وطرابيشي، ص50.
45- نظرية العقل، ص64.
46- المصدر السابق، ص96.
47- السابق، ص101.
48- نظرية العقل، ص101
49- المصدر السابق، ص106.
50- السابق، ص120.
51- ينظر: العلمانية الجزئية، العلمانية الشاملة. د. عبد الوهاب المسيري، 1/289.
52- دليل الناقد الأدبي. د. ميجان الرويلي و د. سعد البازعي، ص126، وينظر كذلك: العلمانية الجزئية. العلمانية الشاملة. د. عبد الوهاب المسيري. 1/286، وفيه عرض ممتاز للتغيّر الذي أصاب هذا المصطلح، والموقف منه في الغرب.
53- المصدر السابق، ص132.
54- معارك التنويريين والأصوليين في أوربا، ص13.
55- دراسات في النظم والمذاهب، ص31، ويقول د. عبد الوهاب المسيري: (…أمّا فولتير، فهو يعدّ – بلا منازع- فيلسوف الاستنارة الأكبر). العلمانية الجزئية. العلمانية الشاملة، 1/294.
56- و(4) و(5) و(6) و(7) فلسفة الثورة الفرنسية، ص79-81.
( )
( )
( )
( )
61- كانديد، عن فولتير. كرسون، ص125-126، وتنظر: (كانديد)، تعريب الطيب بن رجب، ص126، وفيه: (…أمّا بخصوص التشبيه بالفئران في السفينة فقد قرأه فولتير في رسالة من تيريو بتاريخ 9 نوفمبر 1757: بخصوص الأمور في شمال ألمانيا: فإنّي أحسب أنّنا لسنا أكثر علماً من الفئران في سفينة بنوايا أولئك الذين يقودونها)، وينظر كذلك: فلسفة الثورة الفرنسية، ص77، عن أحد تلاميذ شافتسبوري الذي يقول: ألستم تتوقّعون مع ذلك أن يبثّ الله الفوضى في قوانينه الأبدية من أجل مخلوق صغير جداً كالإنسان؟
62- هرطقات 2، ص7.
63- نظرية العقل، ص7.
64- من النهضة إلى الردّة، ص39، وما بعدها.
65- ينظر عنه كتاب د. محمود السمرة: سارق النار. طه حسين، ص187، وما بعدها، ففيه تفصيل مفيد عن هذا الكتاب.
66- هرطقات، ص7.
67- الرسائل الفلسفية، ص163.
68- من النهضة إلى الردّة، ص40.
69- و(4) المصدر السابق، ص41.
( )
71- السابق، ص42.
72- السابق، ص42-43.
73- ينقل (دليل الناقد الأدبي) قولة عبدالله العروي: (مَن يدعو إلى رفض الأفكار المستوردة اليوم، بعد مرور أكثر من قرن على “النهضة”، وعجز جميع المصلحين عن السباحة في غير محيط الأفكار والنظريات الغربية، يفوه بكلام فارغ إذن، كلام لا معنى له إطلاقاً، لا يعود بشيء ملموس، ومستحيل منطقياً، وتاريخياً، واختيارياً؛ لأنّ رباطنا بالتراث الإسلامي في واقع الأمر قد انقطع نهائياً، وفي جميع الميادين)، ينظر: ص137.
د. وليد محمود خالص: باحث متفرغ
عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة