الدّولة النّاقصة والحتميّة

 حسب المعجم الوسيط فالدّولة هي “الاستلاء و الغلبة، و الدولة مجموع كبير من الأفراد يقطن بصفة دائمة إقليماً معيناً و يتمتع بالشخصيّة المعنويّة و بنظام حكومي و بالاستقلال السياسيّ” فالدّولة حسب هذا التّعريف هي تنظيم اجتماعيّ و سياسيّ و قانونيّ و جغرافيّ. و حين نقول أن الدّولة هي مجموعة كبيرة من الأفراد فهي هنا تحمل مفارقتها ، لأنها تعبر عن مجموع إرادات الأفراد، مادامت متشكلة منهم، و لكنها أيضاً تجسد هيئة تسمو على مجموعة هذه الإرادات. لأن الأفراد، حسب روسو ، حين بفوضون حقوقهم للجماعة ككلّ فإنهم يفقدون جميع حرياتهم (1). وهكذا فإن هذه الجماعة التي يتنازل الأفراد لصالحها عن حرياتهم تكون هي الدّولة، و يكون هؤلاء الأفراد هم المواطنون (2).

 وتعرف الحريّة فلسفياً بكونها “حال من يفعل ما يريدُ هو لا ما يريدُ غيره أن يفعله هو. فهي إذن عدم القهر الآتي من الخارج.” و الحريّة خصم عنيد للحتميّة التي تعني “وجوب ما لا مفرّ منه”.

 ومن هنا تنهض الأسئلة التاليّة الّتي سأحاول الإجابة عنها في هذا المقال : هل الأفراد أحرار وسط الدّولة؟ أليس وجود الدّولة يفرض حتميّة وجبريّة على الأفراد تنضاف إلى الحتميات الأخرى كالحتميات البيولوجيّة والنفسيّة.. إلخ؟ و في وجود الدّولة هل يستطيع الإنسان أن يحقق ماهيته؟

 فأما بخصوص تحقيق الماهيّة، فلقد طرح جون بول سارتر فكرته عن كون الإنسان صانع لماهيته، فقال أن الإنسان مشروع لا يوجد في سماء المعقولات مشروع قبله. و بالتّالي فسارتر عبر عن رأي مناقض للرأي القائل بأن الماهيّة تسبق الوجود. و فكرة سارتر تتلخص في كون هناك كائن يوجد قبل كلّ شيء و أنه يلقى ذاته و يبرز إلى العالم ثم يعرف بعد ذلك، و هذا الكائن هو الإنسان. يقول سارتر أيضاً أن الإنسان في البدء غير قابل للتعريف لأنه ليس شيئاً، بل أنه سيكون بعدئذ كما يصنع ذاته. (3). فالإنسان اذاً حرّ و يستطيع أن يصنع ذاته كما يريد. و ينتهي سارتر إلى القول بأنه إذا كان الوجود سابقاً للماهيّة و بأن الإنسان يصنع ذاته فإنه بالتاليّ مسؤول عما هو عليه و مسؤول أيضاً عن وجوده.

 و قد وقفت الكثير من نظريات العلوم الإنسانيّة ضدّ هذا الرأي، و منها نظريّة التّحليل النفسيّ، وكذلك نظريات علم الاقتصاد واللّسانيّات التي أثبتت أن الإنسان ليس حرّاً، وإنّما هو مكره. وهكذا، حسب هذه النظريات، فإن الإنسان ليس صانع لوجوده أو لماهيته، بل إنه مجرد مفعول به و نتيجة لتفاعل مجموعة من البنيات المختلفة التي تمارس عليه إكراهها (4). وأليست الدّولة باعتبارها تنظيماً اقتصادياً واجتماعيّاً و سياسيّاً و قانونيّاً هي جزء من تلك البنيّة التي تجعل من الأفراد مجرد مجموعة من المفعول بهم و مجموعة من المكرهين الذين لا يستطيعون تغير واقعهم و حياتهم و صنع ذواتهم إلا بواسطة إرادتها و تدخلها بنفسها؟

 ولأوضح الفكرة أكثر فإني سأطرح مثالين، المثال الأول و هو مثال واقعي يعيشه معظم الشباب في أوطاننا العربيّة و المغاربيّة، و هو مثال عن المجاز المعطل. فهذا شاب أصبح مجازاً بعد سنوات طويلة من الدراسة التي وفرتها له الدّولة ، ثمّ لم يجد عملاً رغم امتلاكه لشهادة. فما الذي يمكن أن يصنعه ليستمر في تحقيق ذاته؟ إنّه قد يفكر في أن يصبح بائعاً متجولاً، و لكنه يجد أن الدّولة تجرم هذا النوع من التجارة، و قد يفكر في عمل آخر، لكن ذلك العمل سيفرض عليه ضرائباً… وهو في كل الأحوال سيجد نفسه يقوم بعمل لم يختره، بل أجبر على أدائه. وهكذا فإنّه يُحاط بمجموعة من الإكراهات، في حين أنه لو توظف مباشرة بالشهادة الّتي حصل عليها فإن هذه الإكراهات ستقل و سيمضي في تحقيق مشروعه الذي فكر فيه لنفسه، مادام أنه كان حرّاً في اختيار تخصصه الدراسيّ الذي يهيئه للمهنة الّتي أرادها.

 وأمّا المثال الثاني فهو عن صديقة أعرفها، و قد ولدت هذه الصديقة في بلد يتأسس على الطائفيّة . وهي تنتمي لأسرة إسلامويّة سلفيّة، وهذه الظروف التي وجدت نفسها داخلها أثرت على تكوينها، بل إنّها لم تستطيع الاشتغال على تحقيق ماهيتها كما تحبّ، لأن أهلها و طائفتها فرضوا عليها أن تدخل لمدرسة معينة، وأن تدرس تخصصاً معيناً، وأن لا تختلط مع غير أفراد طائفتها. فهذه الصديقة وجدت نفسها محاطة باكراهات حتميّة لا مفرّ منها، جعلت حريتها وسط محيطها منعدمة.

 من هنا تكون الحرّية منعدمة. فالإنسان تصادفه حواجز كثيرة داخل دولته، وأتحدث هنا عن الدّول أو المدن النّاقصة بتعبير ابن باجة . يقول عبد الله العروي في هذا الصدد : “تجابه المرء كلما تحرك حواجز عائلية، طائفية، قانونية، شرعية. إذا أراد أن يتخطاها دخل في صراع عنيف مع ممثل إحدى تلك الهيئات : الأب، النقيب، الشيخ، الولي، القاضي.” (5) و إذن، فإنه حين يريد الفرد تخطي هذه الحواجز فإنه يدخل في صراع مع جهاز أكبر منه. جهاز قهري له مشروعيّة ممارسة العنف (6). فضلاً عن هذا فإن هيجل يأمرنا بإطاعة هذا الجهاز باعتباره شيء عقلي في ذاته (7)، والدولة بالفعل هي عقل، بل ينبغي أن تكون عقلاً حتى تنظم حياة الأفراد الذين يعيشون فيها، بيد أنها لا تقوم بهذا الأمر في الدول الناقصة، حيث تظلّ العشوائيّة و الفوضى قائمة و تتسلل لحياة الأفراد منذ ولادتهم إلى وفاتهم.

 وإذن، كيف يمكن أن يحقق الإنسان ذاته وحريته وسط هذه الدول الناقصة ؟ إنه لن يستطيع إلى ذلك سبيلا. و مع ذلك فإني لن أدعو إلى الأناركيّة في هذا المقال، و لن أردد كلام “برودون” رائد اللاّسلطويّة القائل بأن وضعيتنا داخل الحكومة أشبه بوضعيّة المحكوم الخاضع للمراقبة الذي لا حول له ولا قوّة. إنني في هذا المقال أحاول أن أفهم الحتميّة التي تفرضها الدول الناقصة على أفرادها، و بالمقابل، تحضر في ذهني المدن الفاضلة الغربيّة التي استطاعت أن تنظم مواطنيها و لم تتركهم لأقدارهم و للعشوائيّة ، بل حاولت أن تمكن كل فرد من اقتطاف أيامه و اغتنام حياته فيما يسعده، بعيداً عن أي قهر طائفي أو اجتماعي أو اقتصادي. بل وأقرت بعض دساتيرها الحقّ في السعادة، بجوار الحقّ في الحريّة وفي مختلف الحقوق الطبيعيّة والمدنيّة الأخرى.فكان العقل بالفعل قد تجسد فيها.

وخلاصة القول : هناك حتميّة لغويّة، و بيولوجيّة، وسيكولوجيّة، و هناك أيضاً حتميّة، يمكن أن أسميها بالحتميات التي تفرضها الدّولة على أفرادها. لأنه في الدولة تتجسد الحتميات الاقتصاديّة والاجتماعيّة و القانونيّة. كيف ذلك؟ إن الدّولة تلغي حريّة الإنسان، فالإنسان حين يتعاقد مع الدّولة فإنه، كما يشير روسو، يتخلّى عن بعض حريته، من أجل تنظيم حياته ، و في هذه النقطة بالذات، أي التخلي عن الحرية، تبدأ الحتميّة أو الجبريّة كما أطلق عليها المتكلمون قديماً. و أعني هنا أن الدّولة تلغي حريّة الإنسان في صناعة ماهيته، خصوصاً في دولنا المتخلفة و الناقصة، فالفرد في هذه الدول، مثلاً، يعيش منتظراً أن يحصل على وظيفة، وهذا حق من الحقوق التي يجب أن تضمنه الدولة لأفرادها، بيد أن الدولة تتخلّى عن هذا الواجب، فتجعل على عاتق كلّ إنسان أن يتدبر أمره في أمور عيشه، ومع ذلك، فإن هذا التخلي عن الواجب، وجعل الإنسان مسئولاً عن عيشه، يخلق نوعاً من الفوضى، فالفرد هنا يمكن أن يخالف القانون ليضمن قوت يومه، و بالتالي فإنه سيجرم. كما أنه لن يحقق مشروعه الذي فكر فيه لنفسه، ليكون صانعاً لماهيته، بل الإنسان يصبح كقطعة خشب تتلاعب بها أمواج المحيط، لا حول له و لا قوة، و يدرك في ما ليس فيه مجال للشكّ أن حريته مرتبطة بتقدم طبقته و مجتمعه و دولته التي يعيش فيها (8). و لهذا فإنه ليس بمقدوره سوى أن ينتظر هذا التقدم و يحلم به، كانتظار مجيء غودو، أو يعمل بنصيحة طه حسين : “صدقني إن الخير كلّ الخير للرجل الحازم الأديب أن يفرّ بقلبه و عقله و ضميره بعيداً من هذا الجيل، فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفرّ إلى زمان آخر من أزمنة التّاريخ” (9).

الهوامش :

1 ـ برتراند رسل، حكمة الغرب، الجزء الثاني، سلسلة عالم المعرفة، عدد : 365، الطبعة الثانية، ص : 135

2 ـ يقول روسو : “هذه الشخصيّة العامة التي تتكون على هذا النحو من اتحاد جميع الأشخاص الآخرين كانت فيما مضى تسمى المدينة، و تسمى الآن باسم جمهورية أو هيئة سياسية يطلق عليها أعضاؤها اسم دولة عندما تكون سلبية و اسم عاهل عندما يكون دورها ايجابيا وقوة لدى مقارنتها بأشباهها. أما المشاركون فإنهم يتخذون بصورة جماعية اسم الشعب و يدعون فرادى بالمواطنين كمساهمين في السلطة السياسيّة و بالرعايا بصفتهم خاضعين لقوانين الدّولة”. انظر : جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي، ترجمة ذوقان قرقوط، دار القلم ـ بيروت، ص : 50 ـ 51.

3 ـ جون بول سارتر، الوجودية فلسفة إنسانية، ترجمة : حنا دميان، دار بيروت للطباعة و النشر، 1959، ص : 13 ـ 19

4 ـ بينت البيولوجيا و السيكولوجيا و علم الاجتماع أن سلوك الإنسان مرتبط بعلل معينة، و بالتالي فهو مرتبط بالحتميّة. و يرى سبينوزا أنه لا بدّ لنا من قبول الحتميّة و التّفاعل معها على أنّها اختيار. بمعنّى أنه ينبغي علينا أن نتحد بعقلنا معها. فالحريّة عند سبينوزا هي نوع من الخضوع للكون.

5 ـ انظر : عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، ط 1981، ص : 91 ـ 92

6 ـ ربط ماكس فيبر بين الدولة و بين العنف الذي يسميه العنف المشروع، و هو عنف تحتكره الدولة تحت اسم القانون.

7 ـ يرى هيجل في كتابة أصول فلسفة الحقّ أن الدولة هي أحد منجزات العقل. و قد خصص صفحات من كتابه المذكور للرد على فريز الذي كان ليبرالياً و كان له رأي مخالف لرأي هيجل في موضوع الدولة و الدستور. و قد وصفه بزعيم السطحيين. و هناك من المثقفين العرب من هم هيجيليون في رؤيتهم للدولة، و على كل فنظريات هيجل في الدولة لم تفهم جيداً، و هناك من يرى أنها أولت بشكل مغلوط. فتبنتها العديد من الدول الشموليّة. للاطلاع على رأي هيجل يمكن الرجوع إلى كتابه أصول فلسفة الحقّ، ترجمة : إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير .

8 ـ يقول عبد الله العروي : “إن حرية الفرد مرتبطة بتقدم طبقته و مجتمعه و النوع البشري.” انظر : العروي، مفهوم الحريّة، مرجع سابق.

9 ـ طه حسين، المعذّبون في الأرض، الكتاب الفضي، الشركة العربيّة للطباعة و النشر، العدد 6 أبريل 1958، ص : 142