جدل الدولة والثورة واللاعب الطارئ في تونس

• الدولة والثورة: أيّهما الحامي؟

الدولة والثورة هي الثنائيّة الجدليّة التي تتحكّم في إدارة الساحة التونسيّة منذ 14 جانفي/ كانون الثاني 2011. فلا الثورة بلغت الدولة. ولا الدولة حمت الثورة رغم ما يردّده الحكّام ورثة بن علي. الثورة لم تسع للاستيلاء على الدولة. والدولة لم تتوقّف عن محاولة احتواء الثورة. الدولة استعادت الدولة. والثورة تشتّت بين الساحات الثوريّة، من جهة، وبين الحدود التي تضعها الدولة، من جهة ثانية. ونتجت عن ذلك التباسات كثيرة. منها الفساد السيميائيّ الذي تحدثه الدولة في كلّ مرّة تتحّدث فيها باسم الثورة. ومنها أشكال التعاطي المضطربة من قبل الثورة مع دولة غير ثوريّة.

السؤال هو: هل المطلوب من الدولة أن تحمي الثورة؟ وهل يمكنها أن تفعل؟ وهل الثورة في حاجة إلى الدولة لتحميها؟ وهل أقصى طموح الثورة أن تدخل إلى حضن الدولة؟ طيّب؛ إذا كانت الدولة تحمي الثورة، لماذا لم تتوقّف عن قنص الثائرين؟ لماذا تصطاد شباب الحراك الثوريّ واحدا واحدا بسبب مشاركتهم في أيّ نشاط ثوريّ حتى قبل هروب بن علي؟ شباب كُثُر يتعرّضون الآن للملاحقات والمحاكمات والسجن بقوانين بن علي وبسبب المشاركة في الاحتجاج على نظامه. أليست هذه شيزوفرينيا الدولة؟ لا، لعلّها تمظهر حادّ من تمظهرات الجدل بين الثورة والدولة والذي تحوّل إلى صراع.



• الدولة المُبوْلسة:


إنّ الدولة تنتقم من الثورة بطبيعتها المعادية للثورة أصلا. وانتقامها كان باستعادة صفتها البوليسيّة منذ حكومة الباجي قايد السبسي التي تشكّلت في مارس/ آذار 2011 بعد فشل محمد الغنوشي في الحفاظ على النظام القديم في موقعه فاستقال. سمّى قايد السبسي مماحكاته مع البوليس استعادة لهيبة الدولة، والحال أنّها استعادة الدولة لبوليسها فبين الدولة التونسيّة والبوليس قصّة حبّ عارمة وتخادم تاريخيّ. كان قايد السبسي رافضا للنقابات الأمنيّة ولم ينجح في حلّها رغم التوعّد والوعيد، ليس خدمة للديمقراطيّة الناشئة والحريّة الوليدة وإنّما خوفا من أن تفقد الدولة ذراعها البوليسيّ. شعار الأمن الجمهوريّ بعيد جدّا عن التحقّق إذا تعلّق الأمر بالثورة وبدولة المواطنة. ورغم أنّ الكثير من القوى الثوريّة كانت مساندة لمطالب الأمنيّين في التنظّم النقابيّ وفي التطوير التشريعيّ الذي يقيهم الملاحقات والتتبّعات فإنّ ذلك لم يشفع للثوريّين عند البوليس.

قد يكون من هَمّ الدولة أن تنشئ بوليسا قويّا. ولكنّه في حكومة قايد السبسي وما تلاها من حكومات لم يكن بوليسا موجّها لحفظ الأمن وضمان الحقوق الحريّات والممتلكات فقط وإنّما أيضا لمعاقبة الثورة والثائرين. كان قايد السبسي يعرف ألاّ شيء يضمن عدم الثورة من جديد إلاّ دولة البوليس. مثال بن علي السيّئ كان أمامه. ولكن أنّى لرجل خدم دولتين بوليسيّتين ومسك حقيبة الداخليّة في دولة بورقيبة أن يطمئنّ لدولة غير مُبوْلسة؟ لقد نجح قايد السبسي في وضع دولة البوليس على السكّة. وقدّم بذلك أكبر خدمة لحكومتي الترويكا اللتين فاجأتانا بتعطّشهما للاستبداد هما أيضا!

• الدولة والثورة: خطّان متوازيان، هل يلتقيان؟

لم يعد يخفى في تونس أنّ الدولة والثورة تسيران في خطّين متوازيين. إنّهما قليلا جدّا ما التقيتا أو تقاطعتا. وكثيرا ما تعارضتا وتصادمتا. آخر هذه الصدامات إعلان الجبهة الشعبيّة التي تجمع أغلب القوى الثوريّة في تونس مقاطعتها للحوار الوطنيّ الاقتصاديّ وعزمها على النضال من أجل حماية الثورة.

كانت الثورة حليمة بالدولة والدليل اعتصاما القصبة الأولى والقصبة الثانية قبل الانتخابات التأسيسيّة وإيقاف جنازة الشهيد شكري بلعيد في حدود مقبرة الجلاّز واعتصام الرحيل في جويلية/ يوليو 2013 بعد اغتيال الشهيد محمد براهمي ومشاركة القوى الثوريّة في الحوار الوطنيّ السياسيّ الذي أنهى حكم الترويكا في جانفي/ يناير 2014 بعد سنتين كاملتين من اغتصاب السلطة. كانت الثورة في كلّ مرّة تتدخّل لتصحيح انحراف الدولة. ولم تطمع الثورة أبدا في الدولة رغم أوهام رئيسها المؤقّت منصف المرزوقي.

كلّ أوجه الصراع في تونس لا تخرج عن الجدليّة الحادّة القائمة بين الدولة والثورة. هل الدولة سابقة للثورة؟ ربّما إذا اكتفينا بما نعرفه عن الثورات التقليديّة. ولكنّ الثورة قامت على الدولة وعطّلتها إلى حين لمّا خذلت المواطن وخانت الوطن. لقد قامت الثورة لا لتسود وإنّما لتحتجّ أوّلا، ثمّ، بعد ذلك، لتعيد الدولة إلى رشدها وصوابها. المشكلة هي أنّ الثورة ترى أنّ الدولة مازالت على غيّها بينما الدولة تشكر الثورة وتقدّم لها الكفن. الثورة ترفض الموت معوّلة على الحماس الثوريّ. والدولة تصرّ على دفن الثورة مستقوية بشهوة السلطة وبالعولمة الليبراليّة التي تكره الثورة.

السؤال المعقّد، هنا، والذي لم يفقده تعقّده وجاهته هو: هل جنّدت العولمة الليبراليّة الثورة لتغيير العالم في اتّجاه التمكين لمصالحها وقطع الطريق على خصومها والتلاعب بأعدائها لاسيما من الأصوليّين الإسلاميّن؟ قد لا تفيدنا العودة إلى لينين، هنا لاسيما أنّه تحدّث عن الثورة البروليتاريّة، طبعا. ونظّر لمهامّ البروليتاريا في علاقة بالدولة عندما تنجح الثورة وتصل إلى الدولة. وهذا ليس شأن ما حدث في تونس بين 17 ديسمبر/ كانون الأوّل 2010 و 14 جانفي/ كانون الثاني 2011.

• الدولة والثورة: معركة فرض الوجود لم تحسم:

حدّا جدليّة الدولة والثورة أربكا الدولة وعطّلا الثورة وقلبا المفاهيم. فالدولة ظلّت تردّد دائما أنّ الثورة انتهت بسقوط النظام النوفمبري. والثورة تذكّر بأنّ النظام لم يسقط وإنّما هرب رأسه. الدولة ترى أنّ هروب رأس النظام يعني انتهاء الثورة وفقدانها دورها. والثورة ترى أنّها لا تأخذ التعليمات من الدولة، وإنّما مراجعها تكمن في شعارات الثورة ومبادئها وأهدافها. الدولة تشكر الثورة لأنّها ضمنت لها الدوام. والثورة تترنّح وتفقد البوصلة وتصاب بالرمد أحيانا كثيرة.

المشكلة أنّ الثورة لم تقم ضدّ الدولة ولا حتى ضدّ النظام. وإنّما كانت إعلان احتجاج ضدّ استبداد بن علي وفساد المتنفّذين في نظامه وحزبه. ولذلك الثورة هي من حمت الدولة وليس العكس. بل كانت الثورة أكثر وفاء للنظام من النظام نفسه؛ ألم تسلّم الثورة رئاسة الجمهوريّة لرئيس برلمان بن علي ورئاسة الحكومة لرئيس وزرائه؟ ألم تتشكّل الحكومة الأولى بعد 14 جانفي/ كانون الثاني 2011 من وزراء بن علي؟ ألم تحترم الثورة الدستور الذي لم يحترمه بن علي وجعله وثيقة استبداد؟ أليس بموجب هذا الدستور استمرّ نظام بن علي في الحكم برعاية الثورة؟

ربّما لم تعرف الثورة ذاتَها لتَغيُّر طال الأحوال والمفاهيم. وربّما لم تعرف الدولة أنّ التي أمامها هي الثورة بعينها. هذا طبيعيّ؛ إذ الثورة لم تستعمل السلاح ولم تكن في حاجة إليه أصلا فبن علي كان أكثر جبنا ممّا كانت الدولة والثورة تتصوّران. ولعلّ هروب بن علي السريع والمفاجئ هو الذي أربك مفاهيم الثورة وجعلها لا تتعرّف على نفسها ولا تعرف ما الذي كان عليها أن تفعله يوم 14 جانفي/ كانون الثاني 2011.

• الدولة والثورة: ماذا هما الآن؟

الدولة حافظت على طبيعتها الكوليانيّة المؤسّساتيّة؛ رئاسة جمهوريّة ورئاسة حكومة ووزارت وإدارات ومجلس تأسيسيّ منتخب يؤدّي دور البرلمان. واستأنفت الدورة ممارسة الحكم بعد أن اطمأنّت إلى أنّ البوليس معها، ولكنّها لم تستأنف واجبها في خدمة المواطن وحمايته. فالدولة أعلنت بكلّ حزم إيقاف الانتداب في الوظيفة العموميّة في حين أنّ العمل هو من الشعارات المركزيّة للثورة. والمواطنون التونسيّون مازالوا يموتون ببذخ في طرقات تخلّت الدولة عن صيانتها، بل يموتون حتى بشكل سورياليّ حين يسقط على بعضهم جدار خرج عن حسابات ولاية القيروان، ولكنّ المواطنين كانوا غافلين فاحتموا به من عاصفة عابرة فخذلهم كدولتهم بل قتلهم بمنتهى البرودة وحوّلهم إلى أرقام إضافيّة تزيّن المقبرة. كان ذلك مساء 19 مايو 2014.

هذه هي الدولة، أمّا الثورة فقد تشظّت بين أحزاب ثوريّة وبين أحزاب وطنيّة ديمقراطيّة وبين ثوريّين رافضين التحزّب وبين هيئات ثوريّة مستقلّة غير متحزّبة ترفض المسارات الرسميّة وبين أفراد ناشطين إعلاميّا أو مدنيّا وبين ممارسات نقابيّة، وبين هامشيّين لا ينسجمون مع غير ذواتهم. قد لا يغيب الودّ بين أغلب الثوريّين في مختلف المواقع والساحات، وهذا رأيناه في الوقفات التضامنيّة أثناء الإيقافات والمحاكمات. ولكن يغيب التنسيق والاتّفاق بشكل مفزع بين الثوريّين.

هل قرّرت الدولة الجهر بعدم حاجتها إلى الثورة؟ هل ستقبل الثورة هذا النكران والجحود؟ هل ضمنت الدولة التوقّي من عدم توفّر نفس الأسباب التي أنتجت 17 ديسمبر؟ هناك مشكلة حقيقيّة قائمة بين الدولة والثورة في تونس. فما العمل؟ وما هي مستويات الوعي بهذه المشكلة؟

• الإرهاب التكفيري اغتصب الثورة ويعمل على افتكاك الدولة:

ما يبدو جليّا أنّ الثورة والدولة مهدّدتيْ الوجود بعامل ثالث تسلّل بينهما هو الإرهاب التكفيري. لابدّ من الإشارة إلى أنّه بدأ تحت جلباب الإسلام السياسي المتحزّب الممؤسس، فتستّرت الأحزاب الإسلاميّة الإخوانيّة منها والسلفيّة منذ نشأتها على النزعة التكفيريّة الإرهابيّة وعاملتها بأبويّة غامرة معوّلة على إمكانيّة احتوائها من أجل توظيفها لخدمة أجنداتها. هذه النزعة التكفيريّة أظهرت الانصياع لأبائها المتحزّبين ومنحتهم صوتها في الانتخابات مقابل هامش التحرّك والتنظّم والتسلّح بعيدا عن أعين الدولة وتحت شعارات حريّة الثورة.

كانت صدمة الإسلام السياسي المتحزّب الأولى أمام عقوق ابنها التكفيري قد وقعت فعلا لمّا رفع أصولي تكفيري الكفن في وجه الإخواني علي لعريض وزير داخليّة الترويكا الأولى. وللتوضيح لم يكن العقوق بسبب نزعة التكفير بل بسبب الخروج عن السيطرة والخدمة الإسلامويّة العامّة إلى العمل للحساب التكفيري الخاص.

الدولة والثورة كلتاهما في ورطة كبرى الآن. فالثورة أنهكتها الدولة واستلبها الإسلام السياسي بوجوهه كلّها. والدولة بقيت مستعصية متمنّعة على الثورة حتى وجدت نفسها مشرفة على مستنقع التكفير. هذا اللاعب الجديد الطارئ على العلاقة بين الدولة والثورة قد يقضي على كليهما.