“الحياة أوّلا وقبل كلّ شيء!”

أصبح للعنف معنى آخر. لم يملّ المتمرّد مقاومة الاستغلال، والسّأم، والبؤس، والموت، بل إنّه عقد العزم على أن لا يقاوم الاستغلال والسّأم والبؤس والموت بأسلحة الاستغلال والسّأم والبؤس والموت. فمثل هذا النّضال يدمّر أوّلا صاحبه، لأنّه يحمل احتقارا لحياته. ومن المؤكّد أنّ السّلوك الانتحاريّ يندرج ضمن منطق نظام قائم على الاستفادة من الإنهاك التّدريجيّ لطبيعة الأرض وطبيعة البشر.

لئن كفّت أصداء الصّيحة القديمة : “الموت للمستغلّين!” عن الدّويّ في أرجاء المدن، فلأنّ صيحة أخرى عوّضتها، صيحة آتية من الطّفولة، منحدرة من عاطفة أكثر رصانة ولكنّها ليست أقلّ إصرارا : “الحياة أوّلا و قبل كلّ شيء!”.

إنّ رفض السّلعة، بتكسير واجهات المحلاّت، أخرج إلى العلن سنة 1968، وأبرز كلّ الإبراز الشّرخ الحاصل داخل الخطّ المرسوم اقتصاديّا منذ آلاف السّنين، والمفروض على المصائر الفرديّة. والنّتيجة هي أنّ هذا الرّفض أخفى، تحت ردود الفعل العتيقة من خوف وعجز، الرّاديكاليّة الحقيقيّة لحركة التّمرّد : إنّها تتمثّل في الفرصة التي أتيحت أخيرا لتـأسيس المجتمع على إرادة الحياة الحاضرة داخل كلّ واحد منّا، مجتمع يمكن أن يصل لأوّل مرّة في التّاريخ إلى الإنسانيّة الحقّ.

فالكثيرون استغلّوا المناسبة ليفتحوا محلاّت داخل المعارضة، معفين أنفسهم من تغيير سلوكهم المعتاد على آليّات هيمنة السّلعة (…)

هؤلاء اتّخذوا لأنفسهم قوقعات متقلّبة من النّيران اللّفظيّة للنّضاليّة الإرهابيّة. ثمّ بعد ذلك، ودون أن يتخلّوا عن الخطاب النّاريّ، دخلوا ميدان البيرقراطيّة وأصبحوا بكلّ فخر واعتزاز جزءا لا يتجزّأ من أعتد الآليّات الفعّالة للدّولة وللسّوق..