أكثر مخاوف الأنثى أن توصم بـ”العاهرة”

عندنا مخزون من العُقد التاريخية المزمنة تكفينا إلى يوم القيامة 

¤ نزار قباني

أكثر مخاوف الأنثى أن توصم ب“العاهرة” ! على هذا الأساس يصرّ الرجال (والنساء على حد سواء) نعت كل أنثى ـ لا تلائم المزاج ـ بالعاهرة. حتى الرجل تتم إهانته باستدعاء الأنثى، إما كحبيبة أو كأم، فيوصف بابن “العاهرة” أو زوج “العاهرة”، ولما لا أب “العاهرة”. لأنه حسب الكوجيتو (الموضوع) الذكوري : أنتِ أنثى، إذن أنت عاهرة ! فكل أنثى هنا (في عالمنا) عاهرة!!

في إحدى المقالات للكاتبة رفيدة ياسين المعنونة ب“أنا إثيوبية، إذن أنا عاهرة !” : ما جاء بعد هذا العنوان، هو قصة فتاة إثيوبية جميلة تقوم بسياقة سيارة أجرة، وهي (السيارة) التي ستجمع الكاتبة ببطلة المقال، والتي هاجرت من أثيوبيا إلى السودان مشتغلة في عدة مهن، حتى انتهى بها الأمر سائق تاكسي بإمارة دبي، وليس “سائقة” طالما أن الكاتبة عجزت ـ كما ذكرت ـ عن التعرف على أنوثتها لأن شكلها صار ميّالا للذكر أو حتى الذكر “المخنث” على أقل تقدير. والسبب في ذلك هو أن “العاهرة” هي الزاوية التي كان ينظر منها الرجال لها في المهن السابقة التي اشتغلتها ك“أنثى”، دون التطرق للإهانة والحكم المطلق بأن الباحثة عن عمل أو رزق : باحثة عن الجنس بنفس الوقت! فقامت كميكانيزم دفاعي لحماية الذات والكرامة، بإخفاء معالم أنوثتها. لكن معالم الأنوثة لا يمكن إخفاءها لأنها “الإنسان”، الإنسان وهو يعي الجمال من حوله، ويدرك أن صورته هي أبهى صور الجمال، صورة الأنثى!

حتى آلاء سعد، ككاتبة بسطت مقالا عن يوم عاشته ـ وتعيشه معظم النساء ـ حينما تحرش بها رجل أمن (من أمام مقر عمله !)، وكرد فعل طبيعي من أنثى لا ترى نفسها أقل من كائن لا يتميز عنها سوى ببعض الشعر في وجهه ! قامت بصفعه فرد لها الصفعة بڤولت زائد. كانت تلك المشاحنة مع انطلاقة يوم آلاء، أما نهاية اليوم فتكرر السيناريو مع أربعة رُكاب على «متوسيكلين» ـ كما بتعبيرها ـ لكن أحد هؤلاء لم يرد الصفعة بالصفعة بل حاول خنقها ـ ك“حد” العاهرة عند مذهب البلطجية ! ـ وبعد تدخل الناس لفك النزاع، وطالما أن الكاتبة تحاول فرض رؤيتها لنفسها كإنسان كامل الصلاحية والحقوق، صرّح لها أحد المتفرجين ـ خبراء نقل الحوادث اليومية لمقهى الحي ! ـ بكل جرأة وهو يقول : “لو ما كنتيش «عاهرة» ماكنش عملّك حاجة!” .. لذلك تعمدت الكاتبة أن تفتتح عنوان مقالها ب: أنا لست «عاهرة».

ليس للعاهرة من مفهوم محدد بظل الثقافة المجتمعية، يُعرّف العهر في اللغة على أنه الفجور والزنى أو البورنو بأوسع معنى، فالعاهرة كزانية وفاجرة تختلف عن المومس بأنها تمارس الجنس دون حتى تقاضي أجر (وهو شرط عند الأخيرة). إنما تمارس العهر لأجل العهر لأنها عاهرة. لذا بدلاً من التحليل الخطابي الممل والذي يملأ العالم منذ زمن أفلاطون، سنحاول أن نحيط بمفهوم محدد للعاهرة، وذلك عند مختلف الشرائح الثقافية والطبقية بالعالم الاجتماعي.

1 : يرى المتزمتون الدينيون (اليمين السلفي المتطرف) في كل من لا تضع نقاباً عاهرة، فخلع النقاب نوع من العهر حسب الرؤية الفكرية لهذا الاتجاه.

2 : يرى المتزمتون الدينيون الأقل تزمتاً نسبياً من النموذج السابق، في كل من لا تضع الحجاب عاهرة، فتعرية الرأس نوع من العهر.

3 : يرى المتزمتون الدينيون الحداثيون (لباسهم كباقي لباس الجميع)، في غير المتدينة عاهرة.. طبعاً هذا أمر لا يحتاج للنقاش ! بل يرون في كل من لا تطيع الأب أو الأم في كل أمر عاهرة، حتى لو كان الوالدان لا تتجاوز قدرتاهما العقلية المعوذتين وحديثا غير صحيح.

4 : يرى المتزمتون الدينيون الأكثر تطرفاً (كداعش والقاعدة وبوكو حرام الخ).. هؤلاء لا يرون!!

5 : يرى المتحزبون السياسيون، في كل من تصوت لصالح الحزب المعارض عاهرة، لأنه تم شراؤها أو لربما تمارس الجنس مع أحد أفراد الحزب المعارض.

5 : يرى الأب المجتمعي، في كل انثى ترفض ابنه عاهرة (خطبة زواج)، فطبعا لن ترفض ابنه الرائع سوى العاهرة! كذلك الأم طالما تتبع سلطة الأب.

6 : ترى الأم المجتمعية، في كل من لا تجيد الطبخ عاهرة، فالعاهرة هي التي لا تجيد الطبخ لأن سنوات مراهقتها قضتها في العهر والشارع وليس في البيت!

7 : يرى “الإنسان الحمار”، في كل انثى تمتلك قواما جميلا أو أنوثة بارزة عاهرة، لأن العاهرة تبرز أنوثتها نتيجة احترافها العهر، لا تعلم هذه النوعية أن الأمر له علاقة بالهرمونات وأسلوب عيش كل انثى (التغذية، الرياضة الخ).

8 : يرى البطالي الغير متعلم (من لم يتلق تكوينا معرفيا أو تقنيا)، في المرأة العاملة عاهرة، لأنها حصلت على وظيفة نتيجة ممارستها العهر مع المدير، وليس لمؤهلاتها العلمية التي يفتقدها هو !

9 : يرى المتأزّم عاطفيا، في كل انثى لديها أصدقاء من كلا الجنسين عاهرة، فالعاهرة هي من تعرف رجال، أما الباقي فيجب ألا يعرفن رجلا غيره !

10 : ترى المرأة في كل انثى يقع في حبها الشخص الذي تحبه هي (سواء كان يبادلها هي المشاعر أو لا) عاهرة، لأن العاهرة هي فقط من يغري الرجل ليتركها (أي ليترك امرأة أخرى)، حتى لو كان الرجل يفضل واحدة على اخرى، تظل المفضلة عاهرة في عين الغير مفضلة عنده.

أما المهووسون الجنسيون فيرون في كل مؤخرة بارزة تتحرك عاهرة!

تختلف صورة الرجل بالمجتمع عن صورة المرأة، طالما أن هذه الأخيرة محمّلة بالشرف والأسرة والسمعة وتقييد الحركة، أما الرجل فله حرية الممارسات الاجتماعية دون قيد بما فيها المحظورات الأخلاقية كالسُّكر وتدخين الممنوعات والرقص والغناء بالشارع أو حتى الصراخ بما في ذلك معاكسة النساء والتعدي على حريتهم الوجودية كحق في مساحة ذاتية وعدم المساس بملابسهن أو جسدهن. ومن ضمن ذلك ما دفع الكاتب علي شريعتي ليقول : “أشفق على الفتاة حين تسوء سمعتها؛ فهي لا تستطيع تربية لحيتها، لتمحو تلك الصورة”. فكل تصرف غير محسوب يسقط سمعة المرأة، أما الرجل فيكفي ألا يكون مثلي الجنس (“شاذ جنسي” بالتعبير الشعبي) وأسوء ما يقوم به يهون ساعتها؛ بل حتى لو كان مثلي الجنس، فيكفي أن لا يُبرز ذلك كثيراً كي لا يشبّهه الناس بالعاهرات.

إن العاهرات كائن أسطوري، خلقته المفاهيم المشوّهة. فمن هي العاهرة إذا كان البشر لا تمر لديهم خمس دقائق كاملة إلا وتقع فكرة جنسية في أدمغتهم؟ بل إن غالبية سهوهم يكون سهوا بالتفكير في الجنس كترتيب لسيناريوهات.

أخبَرني مرة أحدهم، عن امرأة وهي شخصية بارزة اجتماعيا، وُضعت لها صورة بالجريدة من ضمن أهم الشخصيات الناجحة اقتصاديا، فوجد تفسيرا لثروتها بأنها عاهرة تقيم جلسات عهر مع شخصيات خليجية، وكنقطة أثارت نفسها هنا، فإن العديد من الناس يعتقدون أن الخلجيين كلهم أغنياء! فالاعتقاد بأن الخليجيين أغنياء، مثل الاعتقاد بأن الأفارقة عداؤون كلهم وبأن المسلمين جهاديين كلهم، وبأن الأوروبيين شعر أشقر كلهم!! أخبرت ذلك المعتوه ساعتها أن ثروة تلك “العاهرة” التي تحدث عنها جاءت عن طريق إرث عائلي ثم امتدت بإدارة أعمال ناجحة، واستثمارات خارجية لربما تجد خليجيين يشتغلون عندها.

الغريب في كل هذا، تجد شخصا ينعت امرأة ما بالعاهرة كصفة أمامك، وفي الغذ تجده يغازلها ويطاردها كالكلب (وهو أمر واقعي يحدث يوميا). فهل هو تمرين ذهني لإسقاط من قيمة الأنثى خوفا من عدم تحقيق سيطرة أو سلطة عليها ؟ أم ذلك نوع من التلاعب النفسي كتصنيف للأنثى في خانة الرفض والنبذ حتى تهرع لأول من يمد يده نحوها لانتشالها وحمايتها ؟ بل إن أسوء ما في الأمر هو عندما تتلطخ سمعة الأنثى (بما في هذا المفهوم من فراغ وتلبّس عقلي) فإنها غير معنية بتصحيح صورتها أو تغيير صفتها، بل ذلك يعود للرجل، وتدخله في هذا الشأن الخاص، كشرط لإعادة السمعة والكرامة.

حينما يفهم الرجل المرأة، ستنتهي معاناته نحوها. وفهم المرأة هو التوقف عن اعتبارها خصما للرجل. فأسوء اعتقاد بُلينا به في التاريخ الحضاري للجنس البشري، هو اعتبار النساء منافسين وخصوم للرجال لا يجب أن يتفوقوا عليهم، هكذا دخل الجنس الغبي في لعبة!

مرة وأنا أمر قمت بتحية شخص أعرفه، أو هو قام بتحيتي، فأعدت التحية متلفظا إسمه “جواد”، فرد بطريقة ساخرة وحزينة كأنه سيبكي : “بل جوادة، أنا لست رجلا بل صرت امرأة”، ولولا نسبة الاحترام المتولدة بيننا لكان سيقول “بل صرت عاهرة”. لم أفهم كيف ربط بؤسه الاقتصادي في ذلك الظرف (الزماني/ المكاني) بالعاهرة ! الغريب في الأمر أن المومسات يهتممن بأنفسهن وباقتصادهن. حتى أعرف بعض الرجال الذين يفتخرون بصورتهم الاجتماعية ك“سبع البرمبة”، يقومون بالاستدان من مومسات أو نادلات المقاهي في الخفاء !! فمن هي “العاهرة” هنا ؟!!