
… إنّني إنّما التقيت بتفسير الأحلام في خلال هذه المباحث التّحليليّة النّفسيّة. ذلك أنّ مرضاي، بعد أن أستعهد منهم الإفضاء إليّ بكلّ فكرة أو خاطر يعنّ لهم، كانوا يقصّون عليّ أحلامهم ضمن ما يقصّون، وهكذا تعلّمت منهم أنّ الحلم يمكن إدراجه في السّلسلة النّفسيّة التي يجب اقتفاء أثرها في الذّاكرة ابتداء من الفكرة المرضيّة. ومن هذا إلى أن يعامل الحلم نفسه معاملة العرض وأن يطبّق عليه ذات المنهج التّفسيريّ الذي أحكم تدبيره للأعراض- لم يكن أمد بعيد.
وهذا العمل يقضي بعض الإعداد السّيكولوجيّ للمريض. فنحن نهدف معه إلى أمرين : زيادة انتباهه إلى مدركاته النّفسيّة، وتعليق ملكة النّقد التي اعتاد أن ينخل بها ما ينبعث من أفكاره. ولكي يتمكّن المريض من تركيز انتباهه في الملاحظة الذّاتيّة، فمن الخير له أن يستلقي في وضع هادئ ويغمض عينيه، وعلينا أن نطلب منه صراحة الإقلاع عن كلّ نقد للأفكار التي يدركها، ونخبره أيضا أنّ نجاح التّحليل مرتهن بملاحظته كلّ ما يدور برأسه وروايته إيّاه دون أن ينقاد إلى قمع هذا الخاطر من خواطره لأنّه يبدو غير معقول. فعليه أن يقف تجاه خواطره جميعا موقف الحياد التّامّ، لأنّه إذا كان لا يوفّق عادة إلى الإيضاح المنشود للحلم أو الفكرة القهريّة أو ما إليهما، فالإخفاق مردّه هذا الموقف النّقديّ على التّحديد.
تفسير الأحلام لفرويد، ترجمة مصطفى صفوان.