حين يصير وجه المدينة سوق خردة…

“بوسعك أن تضع وجهك جانبا وتمضي.. ربّما لم تعد تحتاجه بعد هذا اليوم”.. مجهول..

لا تخلو أيّ مدينة من سوق للخردة : ممّا يتبقى فيها بعد استعمال طويل. ممّا خرج عن دائرة الحياة فيها. من المهمل والسائب والذي لا أحد يرغب فيه. من المهمّش والمقصي والذي لا ينتمي. ممّا سقط من دائرة الملكية ومن فعل الكينونة معا. لكن أن تعود الخردة إلى قلب المدينة لتصير وجهها الخاصّ : ذاك أمر لا يحدث الاّ نادرا. الهامش ههنا يسطو على المركز ويخترق تجاعيده اليومية. فالخردة هنا تصبح أحيانا وجوها بشرية بل هي مجموع السكّان في مدينة لم تعد تصلح إلاّ للخردة. لكنّ الخردة بشرية أيضا في مدينة لم تعد تفصل بين السلع المكدّسة على قارعة الطريق والقامات البشرية السائبة التي تتيه بين ركام البضائع المثيرة للغثيان. كل شيء في حالة انتصاب فوضوي:الأسواق و القمامة و البشر.. المدن والساسة وروّاد المساجد يوم الجمعة حيث تكتظّ مساجدنا ويُضطرّ المصلّون إلى الصلاة خارجا : على الرصيف أحيانا أو حتى في قلب الطريق أو على الحدود مع مقهى لا يصلّي.. إنّ ما حدث بعد الحراك الثوري العربي هو تحوّل المدن إلى أسواق من الخردة بكلّ أشكالها : السياسية واللاهوتية والثقافية..لكن لكلّ منّا وجه خردته المفضّلة…حيثما ولّيت وجهك ثمّة وجه مغاير لخردة مغايرة..لشيء خرج عن دائرة الاستعمال لكنّ المدمنين عليه لازالوا يطمعون في إنعاشه..

ولكلّ منّا أن يرسم الوجه الذي يروق له في مخيّلته حتى لو لم يكن رسّاما. لكن حين تصبح رسّاما قد تغادر كل الوجوه البشرية بحثا عن نمط آخر من الوجوه، وذلك لا من أجل رسمه قصد الاحتفاء به، بل من أجل فضح مواقع التشويه التي حدثت له. لقد رسم الرسّامون التقليديون كل أشكال الوجوه : وجه الله في شخص المسيح، وجه المرأة الحبيبة “غالا”عند سلفادوردالي مثلا، وجه الجوكندا(1503-1506)في ابتسامتها الغامضة مع ليوناردفنشي (1452-1519)… وجه الملكة ووصيفاتها لدى فيلاسكاز(1656)… وجه الأعمى وذاكرته مع أنطوان كويبل(1694-1752)…لكنّ دولوز الفيلسوف الفرنسي المعاصر(1925-1995) أوصانا بأن نهزم الوجه نكاية في سياسات الوجهية والواجهة…أمّا الوجه بما هو صورة فقد كفّ عن أن يكون موضوع رسم منذ أن صار موضوع تصوير فوتوغرافي. هذا الوجه الفوتوغرافي هو آخر ما تبقى لنا من هويّة مدنية.. أمّا خارج وجوهنا تلك فما نحن ربّما غير “أيّ- كانيّون” فلانيوّن..أجساد سائبة مهملة كما هم اللاجؤون الذين يتيهون على حدود الدول الجاحدة التي لا أفق لها..حتى سماؤنا التي هي وجه الله فوقنا، لم تعد كما كانت..أمّا عن وجه المدينة العربية وهي تعيش زلازل سياسية لا أحد يعلم إلى أين ستؤدّي، فقد صار وجها قبيحا تنتثر القمامات هنا وهناك على سطحه.. وتغطّيه أوجه الخراب و الجثث التي ستظلّ ذنبا مخجلا في ذاكرة الجميع..

اللوحة الموالية في شكل تنصيب من تنصيبات الفنّان النيجري المعاصر ديلمبريزوليك وهو رسّام ونحات اشتهر بفنّ التنصيب..وهو فنّ جعله يجوب المدينة كأنّه برباش قمامة بحثا عن ملابس قديمة ومعادن وسيّارات خردة.. فتراه يرسكل ما يعثر عليه من أشياء خرجت عن حيّز الاستعمال فصارت زائدة عن اللزوم ملفوظة على قارعة القمامات..انّه يشتغل على الأشياء المتروكة من أجل تحويلها إلى أعمال فنّية..هذا الفنّان وُلد بنيجيريا سنة 1960 وهو متحصّل على الأستاذية في الفنون الجميلة ومؤسس لمتحف “الأشياء الغريبة”.

وجه المدينة عنوان لأحد أهمّ تنصيباته وهو عبارة عن كمّ هائل من الخردة :

لقد جمّع هذا الفنّان أكثر من ثلاثين قطعة خردة و ألّف بينها في شكل وجه سمّاه وجه المدينة.. وهو تنصيب تحتشد فيه كل وجوه المدينة النيجرية المعاصرة..هذه الوجوه هي ما تبقى من الكائن البشري في نيجيريا في عصر مابعد الكولونيالي.. كائنات تعامل بشكل سيّء متروكة لحالها مهمّشة كما لو وقع إلقاؤها في سوق الخردة. إنّ الفنّان هنا يفضح من خلال تنصيباته وبخاصة “وجه المدينة” مساوئ النموّ السريع للمدينة الإفريقية المابعد كولونيالية..وهو يفضح بوجه خاصّ لاغوس مدينة إقامته..وهي مدينة حدودية صحراوية توحي بالتوحّش والفوضى وتحضن في صحرائها أكثر من 17 مليون ساكن وتُعدّ بمثابة العاصمة الاقتصادية لنيجيريا. وقد وقع اعتبار مدينة لاغوس عاصمة الفنّ النيجيري المعاصر..ههنا يقع تنصيب غابة عمرانية في قلب مدينة صحراوية تكتظّ بالبشر الذين صاروا أشبه بالخردة..في مدينة أوضاعها البيئية متردّية جدّا مع قيم الاستهلاك المشطّ وأزمة أخلاقية ناتجة عن التعصّب الديني. الفنان يفضح من وراء تنصيباته وجه المدينة المعاصرة لكائنات مكدّسة في مساحات غير قابلة للسكن. إن الفنان يدعونا إذن إلى التحديق مليّا في هذا الركام من الخردة البشرية حيث لا شيء غير وجوه البؤس والاغتراب للإنسان الإفريقي في عقر وطنه الخاص.

هذا النوع من التنصيب يدعونا أيضا إلى إعادة النظر إلى أنفسنا.. بوسعنا أن نجد هويّاتنا أيضا في المدينة التي إليها ننتمي..نحن نكون أنفسنا بقدر ما نشبه “وجه المدينة. الفنّ يحررنا هنا من هوية التاريخ كي ينثرنا في تضاريس الجغرافيا.. الجغرافيا السكّانية.. نمط الإقامة الذي يفرضه علينا وجه المدينة.. سنكفّ إذن هذه المرّة عن اختزال ذواتنا في هوياتنا الدينية أو العرقية أو القومية.

لم يعد الفنّان اذن مستعدّا لتزيين جدران المنازل أو واجهات الكنائس بل صار مشغولا بفنّ أكثر إثارة للتفكير.. إنّ فنّا لا يفكّر هو فنّ أبله لا يصلح إلاّ لتزيين الواجهة انّه فنّ متواطئ مع العالم. ذاك هو شعار هذا الفنان النيجيري المعاصر الذي كان يشتغل على الوجه الآخر للواقع ضدّ الرسم النخبوي. شعاره في ذلك هو حاجة ملحّة إلى فنّ يحمل كمّية من التشاؤم الخلاّق يحرّرنا من ضحكة الأبله الفارغة ومن ابتسامة المكر السياسي المسمومة.

اختيار الوقوف من جهة الهامش : ذاك هو قرار فنّان نيجيريا الذي تجرّأ على توقيع عمل فنّي يشوّه صورة مدينته بل يفضح وجهها الحقيقي .وقد وقع التشهير به بسبب هذا التنصيب سنة 2002 و وقع اتهامه بالجنون.

إنّ الجنون ههنا هو ثمن فضح الحقيقة في جنونها الفظيع. لذلك يقرّر الفنّان ديلمبريز وليك أن يغادر الجمعيات والمؤسسات التي تعرقل الخلق الفني قائلا :”إنّي أكره كل ما يمكن أن يكرهني على القول مثل الآخرين، فقط من أجل اكتساب اعتراف صغير. إنّي أسخر من اعترافاتهم جميعا وأفضّل رفض كل ما حطّمته نُخبتنا العزيزة وكل ما تواصل تحطيمه“. هذا الفنان يعيش حاليا في ألمانيا ويعرض في بلدان أوروبية كثيرة وقد أقام متحفه الخاص وسمّاه”متحف الأشياء الغريبة”.