يبدو أنّ القوم لم يعتبروا بعد في الجزائر التي اكتوت…

 

يبدو أنّ القوم لم يعتبروا بعد في الجزائر التي اكتوت بنار التطرف الإسلاموي ودفعت الثمن غاليا طيلة عشرية عنف كاملة، وما زلنا نرى الداعشية تطلّ برأسها من حين لآخر بدعم من القومجية وتخرج من جحرها لتؤلّب ضدّ مواطنين جزائريين حداثيين يطالبون بفصل الدين عن السياسة، أو مثقفين مستقلّين أو فنّانين لا يريدون أن يكون التديّن الكاذب مرجعا لهم، وغيرهم من المغضوب عليهم من لدن أولئك الذين نصّبوا أنفسهم وكلاء على الدين الإسلامي في الجزائر.

وكالعادة يخرج أحدهم وله سوابق تكفيريّة عديدة طالت حتى وزراء ورؤساء أحزاب ليكفّر الكاتب الشابّ كمال داود. ومع ذلك لم تحرّك السلطات ساكنا أمام هذا الخرق المشين للقوانين والدعوة الصريحة للكراهية والقتل. لا أريد ذكر اسم هذا السلفيّ المنحرف الذي كفّر وطالب بقطع رأس صاحب رأس أجمل فكرة أدبية على الإطلاق في روايته الرائعة الصادرة أخيرا في كلّ من الجزائر وفرنسا “مورسو، التحقيق المضادّ” وهو ردّ أدبيّ فنّي ذكيّ على رواية ألبير كامو “الغريب” وتشريح عميق للواقع الجزائري ما بعد الاستقلال. وليس من الغريب أن يحارب هؤلاء الإبداع عموما والرواية على وجه أخص لأنها بطبيعتها ديمقراطية متعددة الأصوات، يعبّر فيها كلّ اتجاه عن ذاته وهم يريدون خنق كل صوت لا يجاري أوهامهم. 

ولئن كنّا قد اعتدنا على غباوات الإسلامويين وانغلاقهم وعنفهم، فقد تأكّد تحالفهم مع القومجيين ضدّ كلّ ما هو عقلانيّ وحداثي في الجزائر وهو ما يحدث بشكل آخر في العراق الشقيق في ذلك التحالف الغريب بين داعش والصداميين البعثيين. ومما هو غريب أن العروبيين حينما تكون السلطة بيدهم فهم يدّعون معاداة التطرّف الديني ويقمعون الإسلاميين ولكن بمجرد خروجهم أو بالأحرى طردهم من الحكم يتحولون توّا إلى حلفاء وأصدقاء لهؤلاء الإسلاميين الدمويين. يلتقي التياران اليوم في محاربة رواية، يتهمها الأصوليون ظلما بمعاداة الإسلام والمسلمين، ويتهمها القوميون العروبيون ظلما بمعاداة اللغة العربية والعرب! وفي الحقيقة يتواجد الطرفان في دواليب السلطة والمعارضة على حد سواء ويتفقان ويتوزعان الأدوار لعرقلة كل توق جزائري إلى التحرر من ربقة التقوقع والتخلف ويحاربان التعدد الثقافي واللغوي في الجزائر بكل الوسائل.. “عدوّ عدوّي هو صديقي” ذلك هو شعارهما، فالأصوليون يستخدمون العروبيين لإضفاء مسحة ثقافية وفكرية على أطروحاتهم المتخلفة ويستخدم العروبيون من جهتهم الأصوليين كذراع مسلح بالنيابة لتخويف وترويع من يطلقان عليه معا عدوّ العروبة والإسلام والذي هو بالأحرى كل من يريد أن يحافظ على هوية الجزائر الحقيقية دون إقصاء أيّ مكوّن من مكوّناتها! 

وقد بدا واضحا اليوم أن مستقبل الجزائر لا يكون إلا باستئصال الورمين معا ولا يتأتى ذلك إلا بإرساء دولة القانون وحقوق الإنسان الأساسية التي لا تزال حلما في الجزائر. 

كلنا كمال داود…