
ليس الإنسان صفحة بيضاء فارغة لا شيء مكتوب فيها. إنه يحمل في كيانه جملة صور ومفاهيم، وعن طريق هذا الزاد المعرفي يسعى المرء إلى حل مشكلاته اليومية. فقد يحدث، مع ذلك، أن تختلط الأحكام الصادرة عن الإسقاطات المختلفة. فبمقدور الإنسان أن يفكر بأدوات موروثة من الثقافة التي ينتسب إليها أو بمعونة أدوات جديدة كل الجدة. في العالم العربي هناك أناس اقتصرت مرجعيتهم حصرا على أعمال مونتسكيو، فولتير، هيغل أو ماركس. والعكس صحيح، فحينما يتكلم سيد قطب، يبدو لنا كما لو أنه يعيش في زمن القرن الرابع الهجري أو بالأحرى صحابي من أصحاب الرسول! لذلك أعتقد أنه من الأفضل، لمعالجة هذه الإسقاطات والمفارقات، أن نكون على وعي بمشكلاتنا كما هي بادية للعيان، وعلى معرفة تحليلها مع السعي إلى إيجاد حلول ناجعة تمكننا من المضي قدما إلى الأمام.
من الملاحظ أننا لسنا الوحيدين من يقوم بإصدار أحكام إسقاطية على العصر. فعلال الفاسي مثلا، العارف بالقرآن، عثر في معانيه على مفهوم الشورى مستعملا إياه كما لو أنه رديف للديمقراطية. وكما نعلم فإن هذه الأخيرة، سبق أن مورست في أثينا لأول مرة في التاريخ. لكن الديمقراطية الأثينية كانت بعيدة عن تجسيد نموذج مثالي: العبيد، الأكثر عددا، كانوا مقصيين من حياة المدينة، وكذا الأجانب والنساء. في الحقيقة كانت الديمقراطية حكرا على عدد قليل من الناس ذوي الحظوة والقيمين على تدبير شؤون حكم المدينة. فحينما نتكلم عن الديمقراطية فإننا نقوم إذن بإصدار أحكام إسقاطية. ومع ذلك، تكون الدراسات المقارنة للمؤسسات الغربية والإسلامية نافعة وضرورية، إذا لم تشمل فقط القيام بإصدار أحكام إسقاطية.
إن الأمر لا يتعلق بمسألة تعارك من أجل الكلمات. ففكرة الديمقراطية اعتبرت مثالا تلونت بأشكال مختلفة عبر مسار التاريخ الغربي، كما أن الشورى عرفت كيفيات مختلفة حاول الفقهاء تدوينها. إن الديمقراطية المعاصرة بعيدة عن الاكتمال. والغرب عرف الديمقراطية العمالية وباسمها دافع عن مصالحه الاقتصادية. غير أن المسألة بالنسبة لنا تهدف إلى محاولة تأسيس مفهوم يجسد هذا المثال في فضاء عربي- مسلم، والذي ندعوه بالديمقراطية أو الشورى. فإلى حدود الآن لم نخرج من المماحكات السياسية الكائنة بين السلفيين المنشدين لمفهوم الشورى والحداثيين ذوي المرجعية الغربية المتشبثين بالنموذج الديمقراطي. كيف يمكن الوصول إلى شيء ما يراعى فيه السياق التاريخي والثقافي ويعزز مبدأ الحرية؟!
لا أنسى أن فرنسا الديمقراطية قد سبق أن أعلنت في سنة 1960، أن الجزائر جزء لا يتجزأ من التراب الفرنسي، وأن مليون جزائري قتلوا تحت ذريعة تمرد الثوار ضد شرعيتها الوطنية. للأسف، نجد أن مسار حياة الشعوب شيد دوما على النفاق بشتى أنواعه. وبما أني مؤرخ، سأكون بالأخص أكثر حذرا، لأن الوهم القابع في التاريخ كبحر بلا قعر. كل هذه الأمور، تدعونا إلى نوع من الرجحان.
إننا لن نجازف في الكلام إلى حد اعتبار الشورى هي الديمقراطية، فلم يسبق لها أن كانت كذلك، ولأنها فعلا لم يكتب لها الوجود ضمن جملة أمور أخرى أبدا، لجهل هذه الحضارة بأسلوب الاقتراع: بطاقات الناخب، معازل التصويت، وفرز الأصوات. إلا أنه يوجد، بالرغم من ذلك، في الفكر الإنساني بعض المفاهيم الأساسية كالعدالة. إنها قيمة روحية خالدة، قيمة مجردة تشكلت عبر أشكال التأقلم والتحيين التي عرفتها عبر التاريخ. فالشورى، في ماهيتها، تعتبر إحدى قيمها الأخلاقية الأساسية المنغرسة في نفوسنا، حيث يقود نبذها إلى سلطة استبدادية تعسفية. بهذا المعنى، تدعونا إلى ممارسة السلطة مع العلم بطلب المشورة قصد بلوغ توافق ما، سواء أكان في هرم السلطة السياسية أو في جبهة ما، أو حتى في حضن العائلة. إنها لا تصل إلى حد التماهي مع الديمقراطية و التي تدل على سلطة الشعب، لكن نتلمس فيها فكرة التشاور الذي يسعى الإسلام إلى تعزيزها. إن الشورى التي وجدت سلفا قبل النبي، قد اتخذت كافة الأشكال عبر مسارها التاريخي. في مكة مثلا وجدت، قبل الوحي، دار يجتمع فيها شيوخ القبائل بمختلف مشاربهم قصد التشاور في أحوال دنياهم و أخذ المشورة بعضهم البعض. في تونس قبل صدر الإسلام،كانت القبائل البربرية تسمح لجموعها بالتشاور. أما فيما يخص القرآن، فإنه يدعونا بكيفية واضحة ودامغة إلى التشاور حول أحوال الأمة. لكن دون أن يصير وثيقة دستورية. لأن في حالة اعتباره كذلك، ستنتهي صلاحية استعماله على عجل. مثلما وقع لدساتير وأنظمة سياسية عديدة، ومثلما سيقع حتما تجاوز لأنظمتنا الراهنة فالقرآن إذن ترك للأمة مرونة تنظيم المشاورة وفق اختيارات المؤسسات. ذلك، أن مبدأ التشاور هو من طبيعة أخلاقية. فهو يحث الإنسان من حيث هو كائن موهوب بالعقل، لكن يبقى الأمر متروكا في كل عصر وفي كل جيل وحتى في كل مجتمع، حسب الظروف، بتنظيم أحواله وفق أسلوب أنسب؛ باستعمال الوسائل الملائمة بغرض تجنب العسف وكل ما يخلف الظلم والقيد. في الوقت الراهن يبدو أن الطريق السليم للوصول إلى مبدأ المشاورة هي الديمقراطية الغربية. صحيح أن ما لا يجب نسيانه، مع ذلك، أن فكرة ديمقراطية استطاعت أن تجد غطاء لأفظع الديكتاتوريات. لهذا،كان لزاما أن نخلع عن صورتها تلك الهالة من القداسة، كيلا تحجب عنا الديمقراطية الحقيقية، وإن كانت هذه الأخيرة، ليست أيضا ترياقا سحريا صالحا لكل العصور وفي كل الأحوال. فمن أدرانا ما سيقوله المؤرخون عن الديمقراطية بعد ألف سنة. هكذا، فإذا كنا قادرين، في هذه اللحظة من تاريخنا، أن نحقق مثالا أخلاقيا للشورى عن طريق الديمقراطية، سيكون عملا جيدا. وإذا كانت الديمقراطية عديمة الأثر في التاريخ الإسلامي فيجب ألا ننسى أن هذا الأمر كان ساريا كذلك على النظام السياسي في الغرب منذ سنين مديدة، أي هناك أنظمة سياسية ملكية كانت تستمد مشروعيتها من الحق الإلهي.
فلنترك التاريخ للتاريخ. المهم،هو أننا لا نعثر لا في القرآن ولا في السنة ما يعارض الديمقراطية. بل نجد بالأحرى دعوة إيجابية لاحتضانها. هذا ما دفع عدد كبير من الإصلاحيين مثل المصلح التونسي خير الدين إلى تسليط الضوء عليه، وإنه لمن باب الصدفة أن يكون أول دستور معاصر في العالم العربي الإسلامي هو الدستور التونسي سنة 1861 الصادر في وقته.