
من دراما الاستعادات إلى محنة العثرات
“الويل لمن تأتي العثرات على يده”،
العهد الجديد، الإنجيل كما دوّنه متّى:18،
في هذا السّياق الّذي تمتدّ فيه دراما “الاستعادات” من مجال الرّسم إلى ممالك الحكاية يمكننا أن نطرح الأسئلة التّالية: ما الّذي يجمع بين أحذية فان غوغ، ومداس الطّنبوريّ؟ وبين الحقيقة في الرّسم والحقيقة في الحكاية؟ ما الّذي يجمع بين أحذيةٍ كانت موضوع أثر فنّيّ، ومداسٍ كان موضوعَ أثر قصصيّ؟ هل كان الجامع بين هذين الموضوعين (أحذية فان غوغ، ومداس الطّنبوريّ) أنّهما قد مُثّلا بشيئين مختلفين هما الرّسم والحكاية؟ علينا أن نقرّ من البداية أن لا شيء تقريبا يجمع بين الأحذية والمداس سوى أنّ الموضوع في الحقيقتين، في الرّسم أو في الحكاية، كان يتعلّق بأشياء منفصلة، بأشياء عن الجسم منقطعة، كأذن فان غوغ المقطوعة في بعض ما رسم. هذه الأحذية الّتي انحلّت عراها وروابطها، فانخلعت وصارت مخلوعة خليعة، بعيدة عن الأقدام الّتي كانت تندسّ فيها وتنزلق، ليست هبة don من الهبات، ولا أُضحية sacrifice من الأضاحي، وإنّما هي أحذية قد ساهمت، بهُجرانها abandon وتخلّيها عن القدمين اللّتين كانت تحملانها، في جعل السّير عسيرا متعثّرا، كثير الكبوات والعثرات. ومن العثرات كانت الحكاية، حكاية الطّنبوريّ، وهي تقتصّ أثر مداس لم يعد سيره مستقيما، يسير على غير هدى، في ضلالة وتيه. فالحكاية تقصّ سيرة رجل من غمار النّاس، قد صار “صاحب نوادر وحكايات” من جرّاء خروج مداسه عن سواء السّبيل، وتقتصّ آثار سيْره المتعثّر المرتبك كسير الأعرج أو الأعمى.
ينبغي أن نذكّر بأنّ “العثرات” قد ارتبطت في الخطاب الدّيني تارة بعوائق السّير وعقباته كحجر العثرة، وطورا بالحرج الّذي ينبغي رفعه لا فضحه. ففي العهد القديم سمّيت “العقبة” بنتيجتها “العثرة” على سبيل الكناية أو المجاز المرسل. وقد نُهي بصريح العبارة على وضع العقبات “في طريق” من لا يحسن السّير بسبب عاهته، كالأعمى. “لا تشتم الأصمّ، ولا تضع عثرة في طريق الأعمى، بل اتّق الله، فأنا الرّبّ.” (كتاب اللاّويّين:14،19). وفي القرآن نجد الأعرج إلى جانب الأعمى، كلاهما يجد عنتا في السّير وعسرا. إلاّ أنّ سياق الحديث عنهما قد ارتبط بالحرج: “لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (…)” (النّور24، الآية 61) وكذلك (الفتح 48، الآية17). فالحرج قد نُفي وأُبطل ورُفع على من لا يُحسن السّير إن كان أعمى أو أعرج أو مريضا. فنَفْيُ الحرج لا يوازنه شيء سوى بطلان التّكليف، وتعطيل كلّ ما ينجرّ عن سوء السّير من سوء في السّيرة. فإذا ساءت السّيرة بسبب سوء السَّير تعطّلت الأحكام، لأنّه لا جُناح على الأعرج والأعمى. فلا حساب ولا جزاء، ولا عقاب ولا مكافأة لمن لا يملك أمره ولا يستطيع إتيان شيء إلاّ بغيره. وبزوال الحرج بَطُلت الفضيحة الّتي تشهّر بكلّ زلل في السّير. فمن وسائل معاقبة الزّلل في السّير فضحُه بالقلب أو باللّسان أو باليد. فكلّ من زلّت قدمه فُضح أمره. ولا يتعطّل عمل الفضح أبدا لأنّ “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.” (الزّلزلة 99،7-8). وهو لا يتعطّل إلاّ حين يُرفع الحرج على بعض الأفراد ممّن كان سيرهم عسيرا بسبب ما يعترض سبيلهم من العثرات والعقبات.
تسمّى العثرة في اللّسان الإغريقيّ (Σκάνδαλον-Skandalon)، أي عقبة obstacle. بيد أنّ العبارة ليست بالبعيدة عن معنى الفضيحة في اللّسان الفرنسي Scandale. فبين العثرة والفضيحة تواشج عجيب كتواشج العمل وخطابه. فالعمل لا تنفتح دلالته إلاّ بخطاب ينتج معناه. ولمّا كانت العثرة عملا يشي بسوء السَّيْر لعِلّةٍ من العلل صار الخطاب طريقة في عرض ذلك العمل بالفضح وإظهار ما فيه من عيب، وشذوذ أو خروج عن القاعدة. فالعثرة لا تكون عثرة بمجرّد وجود عقبة تمنع السَّيْر السّويّ، وإنّما تكون بخطاب يحاكمها ويعرضها على نحو فاضح، فيصنع من العثرة فضيحة، ومن الفضيحة قصّة سيرة سيّئة لا يُعتبر بها، لأنّها لا تعين على العبورِ، من مكانٍ إلى آخر، أو من معنى إلى معنى آخر. فالقصّة الّتي يمكن استخلاص العبرة منها للاعتبار هي القصّة الّتي تجعلنا نقتصّ الأثر اقتصاصا يقودنا إلى السّبل المؤدّية إلى سواء السّبيل. فلا يُعتبر إلاّ بالقصص الّتي حَسُنت سيرةُ أصحابها بسبب سَيْرهم السّويّ.
ولقد وُجد في الثّقافة العربيّة شكل من الخطاب تُسجّل فيه أعمال النّاس العظام ممّن كان سيرهم سويّا، هو شكل “السّيرة”. إلاّ أنّه شكل من أشكال الـ «fama »أي هو شكل لا يعتني إلاّ بسِيَر “النّبلاء” من الملوك والأنبياء والأمراء وخاصّة النّاس. وهو شكل خطابيّ يشتغل بالإقصاء، لأنّه لا يصلح لعامّة النّاس وصغارهم، طالما أنّ السّيرة، في التّصوّر القديم على الأقلّ، لا تُكتب إلاّ إذا كان لصاحب السّيرة “كمّ” من الفضائل جدير بالحديث عنها. وليست الفضيلة سوى فعل نبيل لا يكتسب ألقاب نبله titres de noblesse إلاّ بالخطاب الّذي يُنشِئه. ولمّا كانت الممارسة الخطابيّة هي في جوهرها شكل من أشكال ممارسة السّلطان pouvoir، أضحت السّيرة شكلا نبيلا لا يجد عند العوامّ الكمَّ الضّروريّ الّذي يجعل شكل السّيرة الخطابيّ ممكنا إجراؤه على من كان من العامّة. فهؤلاء لا سيرة لهم، أي لا أفعال لهم تلفت الانتباه إليها، وتكون جديرة بأن يُكتب عنها أو تُروى، فتذيع حتّى تكون جديرة بالاعتبار.
وليس الاعتبارُ في منطق السّيرة سوى طريقة في العبور العكسيّ من الخطاب إلى الفعل، أو من كون العلامات إلى كون الأعمال، بخلاف السّيرة الّتي تنطلق من كون الأعمال لتحوّلها، في كون الخطاب وبالخطاب، إلى مآثر وأفعال نبيلة. فالسّيرة، وهي العمل السّرديّ الّذي تنقلب فيه الأعمال إلى مآثر وفضائل، تعرض قاعدة السَّيْر السّويّ وقد ارتبطت بسيرة بعض النّبلاء من خاصّة النّاس وساداتهم. ولكن حين يكون السَّيْر غير سويٍّ فإنّ ما يعرضه الخطاب ليس قاعدةً توجب الاعتبار بها ليحسن العبورُ من القول إلى الفعل. فحين تغيب القاعدة ويبطل الاعتبار بغيابها، يُضحي ما يعرض في الخطاب فضيحة. وما يُفضح لا يعتبر به، أي لا يمكن أن يكون قاعدة سيْر سويّ. فهو طريقة في تعطيل القاعدة حتّى لا يُقاس عليها شيء. فالفضيحة خطاب يشهّر بفعل لا ينقاس عليه شيء incommensurable، ولا ينبغي أن يُقاس عليه شيء بسبب شذوذه. وما شذّ وخرج لا يناسبه سوى خطابٍ يعتني بما شذّ من كلام الجمهور (النّوادر)، أو خرج من الأفعال عن إجماع الأمّة (الحكايات). وليست الحكاية محاكاة لفعل أو قول، وإنّما هي طريقة في التّشهير كالإشاعة تشتغل بآلية القيل والقال ليذيع الخبر، فتنتشر الحكاية في الآفاق كانتشار الرّائحة النّتنة. ولمّا كان الحرج قد ارتبط في الخطاب القرآنيّ بأعمال الأعمى والأعرج والمريض، أي بالّذين لا يقوون على السّيْر بيُسر، ودون صعوبة، صار فضْح الحرج، لا رفعه، كما في القرآن والعهد القديم، رهانَ الحكاية. فالحكاية في تصوّر الأدباء القدامى لا تقصّ أعمال النّبلاء من النّاس وعليتهم، وإنّما تقصّ بؤس صغار النّاس على سبيل اللّهو واللّعب.
وكلّ ما قيل عن العوامّ إنّما هي أعمال لفتت انتباه السّلطان إليها، واستدعت تدخّله السّريع بطرق شتّى. في بعض المناسبات القليلة فحسب، اُعْتُني بأعمال هؤلاء العوامّ بوصفها أشكال مضادّة من الـ«fama». وهي أعمال متفرّقة مشتّتة متلاشية خلّدتها بعض الأخبار أو الحكايات أو المقامات على وجه الصّدفة، إمّا لغرابتها، أو بسبب خروجها العجيب عن رقابة السّلطان. إنّ حيل اللّصوص والسّرّاق والبخلاء والمتطفّلين والمكدّين والنّساء، إنّما هي صور من اليوميّ، أو من الحوادث اليوميّة الخارجة عن العرف والقانون والشّرع ورقابة السّلطان. وهي في الجملة حوادث لا تُروَى خَبَرًا ليُمحى الإثم منها كما يمحى في خطاب الاعتراف، وإنّما تُنقل عَبْر الحكاية للزّج بالعوامّ في سجن رذائلهم. فالخبر هو قصّة من قصص أناس بلا مجد، وهو بذلك شكل مضادّ من الـ«fama ». فأبطال الحكايات والأخبار لا يوجدون إلاّ بالصّدفة، ولا يُتحدّث عنهم إلاّ لذكر أسباب زوالهم من التّاريخ. فلا يبقى من هؤلاء إلاّ أثر مرور عابر ما كان ليبقى لو لم تسجّله ذاكرةُ الأخبار والحكايات وبعض المقامات. ولعلّه قد كتب على هذه الذّاكرة أن تظلّ إلى الأبد معطّلة لو لم يحفّزها انفجار الأهواء الجماعيّ اليوميّ، بحيث غدا في كلّ يوم من الحوادث والوقائع والصّدف العجيبة ما هو جدير بالقصّ. لكأنّ في قاع المدينة الإسلاميّة على مرّ العصور، ما يدعو إلى صناعة خطاب من ارتعاشات هذه الآلام الصّغيرة وفجائعها وفضائحها. فصارت الأسرار الخفيّة وحكايات البؤس تجذب أسماع الرّواة، فتتحوّل إلى خطاب مبذول لرقابة السّلطان. ففي مجرى العادة كان الجدير بالنّقل والرّواية هو أعمال عِلْية النّاس وأنبائهم. فنُبل الدّم وشرفُ النّسب والعِرْض المجيد هي العناصر الضّروريّة الّتي تفتح للخاصّة، وللخاصّة فحسب، أبواب التّاريخ، ومدوّنة “الأخبار الطّوال”. وقلّما يطرق صغارُ النّاس هذه الأبواب الموصدة عليهم إلاّ بفعل قد خرق العادة وبلغ من القداسة والبطولة مبلغا يفرض على القاعدة بعض الاستثناء. ولكن أن يحدث في مجرى الأيّام الرّتيبة شيء كسرٍّ قد انفضح، أو شيءٍ عرضيّ قد أضحى لأمر مّا ذا شأن، إنّما هي وقائع قد ظلّت دهرا طويلا لا تُثير الاهتمام حتّى حطّت على هذه الاضطرابات الصّغيرة “عين السّلطان البيضاء” حسب عبارة فوكو الرّشيقة. وليست الاضطرابات الصّغيرة سوى هذا البؤس الّذي تصنعه الصّدف، فتغيّر من مجرى الأعمال المعتاد، وتجعله يجري على نحو يغري بتتبّعه وقصّه وتقصّيه و“تقصيصه” في حكاية من الحكايات.