
“الحقيقة في الحكاية”، أو حين يعود المداس إلى قدميه…
“إنّي أنا ربُّك، فاخلع نعليك، إنّك بالواد المقدّس طوى.”، سورة طه، الآية 12،
لننصت إلى هذه الحكاية
“حُكِيَ أنّه كان ببغداد شخص يعرف بأبي القاسم الطّنبوريّ، صاحب نوادر وحكايات، وله مداس له مدّة سنين، كلّما انقطع منه موضع جعل عليه رقعة، إلى أن صار في غاية الثّقل، وصار يضرب به المثل، فيقال: أثقل من مداس أبي القاسم الطنبوريّ. فاتّفق أنّه دخل سوق الزّجاج فقال له سمسار: يا أبا القاسم قد وصل تاجر من حلب، ومعه زجاج مذهب قد كسد، فابتعه منه وأنا أبيعه لك بعد مدّة بمكسب المثل مثلين. فابتاعه بستين ديناراً. ثمّ دخل سوق العطارين، فقال سمسار آخر: قد ورد تاجر نصيبين بما ورد في غاية الحسن والرّخص، ابتعه منه، وأنا أبيعه لك بفائدة كثيرة. فابتاعه بستين ديناراً أخرى، ثمّ جعله في الزّجاج المذهب، ووضعه على رفّ في صدر البيت. ثمّ دخل الحمّام بفَلْس، فقال له بعض أصدقائه: يا أبا القاسم: أشتهي أن تغيّر مداسك، فإنّه في غاية الوحاشة، وأنت ذو مال، فقال: السّمع والطّاعة. ولمّا خرج من الحمّام ولبس ثيابه وجد إلى جانب مداسه مداساً جديداً، فلبسه ومضى إلى بيته. وكان القاضي دخل الحمّام يغتسل، ففقد مداسه. فقال الّذي لبس مداسي ما ترك عوضه شيئا؟ فوجدوا مداس أبي القاسم، فإنّه معروف. فكبسوا بيته، فوجدوا مداس القاضي عنده. فأُخِذ منه وضُرب أبو القاسم، وحُبس وغرم جملة مال، حتّى خرج من الحبس. فأخذ المداس، وألقاه في الدِّجلة، فغاص في الماء. فرمى بعضُ الصّيّادين شبكته، فطلع فيها المداس، فقال: هذا مداس أبي القاسم، والظّاهر أنّه سقط منه. فحمله إلى بيت أبي القاسم، فلم يجده فرماه من الطّاق إلى بيته، فسقط على الرّفّ الّذي عليه الزّجاج، فتبدّد ماءُ الورد وأنكسر الزّجاج. فلمّا رأى أبو القاسم ذلك، لطم على وجهه وصاح: وافقراه ! أفقرني هذا المداس. ثمّ قام يحفر له في اللّيل حفرة، فسمع الجيران حسَّ الحفرة، فظنّوا أنه نَقْب، فشكَوْه إلى الوالي، فأرسل إليه من اعتقله، وقال له: تَنْقُبُ على النّاس حائطَهم، اسجنوه. ففعلوا فلم يخرج من السّجن إلى أن غرم جملة مال. فأخذ المداس ورماه في مستراح الخان، فسدّ قصبة المستراح، وفاض، فكشف الصناّع ذلك، حتّى وقفوا على موضع السّدّ فوجدوا مداس أبي القاسم، فحملوه إلى الوالي ،وحكوا له ما وقع. فقال: غرّموه المصروف جملة، فقال: ما بقيت أفارق هذا المداس وغسله وجعله على السطح حتى يجفّ. فرآه كلب ظنّه رمّة فحمله وعبر به إلى سطح آخر، فسقط على امرأة حامل، فارتجفت، وأسقطت ولدا ذكراً، فنظروا ما السبب، فإذا مداس أبي القاسم. فرُفع إلى الحاكم، فقال: يجب عليه غرّة [أي الدّيّة]، فابتاع لهم غلاماً، وخرج وقد افتقر، ولم يبق معه شيء، فأخذ المداس وجاء به إلى القاضي، وحكى له جميع ما اتّفق له فيه. وقال: أشتهي أن يكتب مولانا القاضي، بيني وبين هذا المداس مُبارأَة بأنّه ليس منّي، ولست منه، وإنّي بريء منه، ومهما فعله يؤاخذ به ويلزمه، فقد أفقرني. فضحك القاضي ووصله بشيء ومضى وانتهى.”.
*
تبدأ الحكاية بسلسلة من الاختصارات الزّمنيّة اختزلت في بضعِ جُمل من خطاب الحكاية سنوات وسنوات من علاقة الطّنبوريّ بمداسه: “حُكِيَ أنّه كان ببغداد شخص يعرف بأبي القاسم الطّنبوريّ، صاحب نوادر وحكايات، وله مداس له مدّة سنين…”. وهي مدّة، على طولها، لم تتزلزل فيها ثقة الطّنبوريّ بمداسه، بل كلّما وهنت الرّوابط الّتي تشدّ الحذاء إلى القدمين، فتمزّقت مواضع منه وانقطعت، سارع صاحب المداس إلى جعل رقعة في موضع الخرق “كلّما انقطع منه موضع جعل عليه رقعة” حتّى ذهب المداس أو كاد وبقيت الرّقع، كأنّه بذاك الصّنيع يجدّد مواثيق ثقته بمداسه، ويبرم مع كلّ رقعة عقدا آخر يطيل فيه من أمد الاستعمال. فإن كانت الرّقع المتتالية المتكاثرة مع الأيّام والسّنوات تدلّ من ناحية على تمتّع مفرط بالمداس قد تجاوز أمده حتّى بَلِيَ، فإنّها من ناحية أخرى تترجم تجربة، يسمّيها دريدا تجربة الموثوقيّة expérience de fiabilité، وهي تنهض في واقع الأمر على ضرب من العقود والعهود هي عقود الائتمان les contrats fiduciaires، أو عهود الأمانة fiducie الّتي لا تحتاج إلى شاهد لتبرم. وهي متحكّمة في العلاقات التّذاوتيّة intersubjective بين الشّخصيّات من جهة، وبين الشّخصيات والأشياء من جهة أخرى. فحكاية الطّنبوريّ، كما سنرى، تقصّ علينا، بوجه من الوجوه، توتّر أبنية القصّة الائتمانيّة والعهديّة structures fiduciaires et testamentaires على نحو عنيف، انتهى في آخر الحكاية بقطع أواصر النّسبة بين المداس وصاحبه، حتّى أضحت عبارة “مداس الطّنبوريّ” قولا لا يصدُق على شيء، لأنّه فَقَدَ قيمة الحقيقة valeur de vérité كما يقول المناطقة، تلك القيمة الّتي كانت تجعل إضافة المداس إلى الطّنبوريّ تصدق على حال ما من أحوال الأشياء. هذا التّحوّل في قيمة الحقيقة كان بسبب وَهَنِ عَقْدِ الائتمان المبرم بين المداس وصاحبه. وهو وهنٌ قد بدأ يصيب مادّة المداس ذاتها من فرط السّير وكثرة المشي. ورغم الرّقع الكثيرة الّتي تشهد على أنّ الثّقة في المداس لم تنقطع طوال سنوات مديدة، فإنّها لم تعد كافية لإطالة أمد العقد. ذلك أنّ الإفراط في التّرقيع قد قلب المداس إلى شيء خرج عن طراز prototype الأحذية من ثقله المفرط حتّى “صار في غاية الثّقل، وصار يضرب به المثل، فيقال: أثقل من مداس أبي القاسم الطنبوريّ.”. وهو بهذا الإفراط في الوزن قد فرّط في شكله، ففارق هيئة المداس الأولى بسبب قبحه، فبات “في غاية الوحاشة”. وهذا الوصف بليغ، لأنّه يعرب عن هذا الخروج في الهيئة والوزن بلفظ “الوحاشة” القريب من لفظ الوحشة والوحشيّ. فـ“كلّ شيء يَسْتَوْحِشُ عن النّاس فهو وَحْشِيّ. وكلّ شيء لا يَسْتَأْنس بالناس وَحْشِيٌّ”. ومن معاني الوحشة أيضا الوحدة. فحين فَقَدَ المداسُ حجمَه من فرط ثقله، فرّط أيضا في هيئته الأولى تفريطا جعله “في غاية الوحاشة”، فصار وحيدا فريدا “يضرب به المثل، فيقال: أثقل من مداس أبي القاسم الطنبوريّ.”. فأن يغدو المداس مضرب الأمثال في الثّقل والوحاشة فتلك لعمري طريقة في إفراد المداس وجعله فريداsingulier ذا فرادة singularité قد أقصته بالضّرورة من دورة الاستعمال، فقلبته إلى مجرّد شيء غير نافع inutile. وبانقلاب المداس إلى شيء غير نافع لا يمكن استعماله انتقض العقد الّذي كان يشدّ القدمين إلى الحذاء، وانقلب من شيء موضوع objet للُّبْسِ، إلى شيء مرذول abject “رَذيل خَسيس … وَسِخ رديء”، قد بلغ “الدُّون في مَنْظَره وحالاته” (لسان العرب)، مقعّرٍ مجوّفٍ، قد توحّش جوفه “وتوَحَّشَ جوفُه خَلا…” (لسان العرب)، لأنّه قد خلا من القدم الّتي كانت تأويه، وتسكنه وتحلّ فيه. وبتوحّش المداس، وتحوّله إلى شيء غير نافع فاقد لكلّ قيمة أمسى خلعُه ضروريّا، لأنّ أرض المدينة مقدّسة. وحتّى تظلّ مقدّسة وجب أن تَخلع كلَّ ما هو مرذول. فقداسة الأرض لا تكون إلاّ بخلع كلّ رذيل، والارتباط بالمقدّس لا يكون إلاّ بعمل تمثّل في طقس خلع النّعلين “إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، إِنَّكَ بِاَلْوَادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوَى.”، (سورة طه، الآية 12) ( ). بيد أنّ خلع المداس لم يكن لأسباب دينيّة تخصّ قداسة الأرض وطهارتها، وإنّما لأسباب أخرى تخصّ متانة الحذاء وتماسكه. فلم يعد من الممكن الثّقة فيه والتّعويل عليه في المشي على الأرض، والضّرب به في سبل المدينة. فحين تَلبس القدمان مداسا “في غاية الثّقل” و“في غاية الوحاشة” كما وصف في الحكاية فإنّ طريقة السَّير ستكون عسيرة، بطيئة بسبب ثقل ما تحمله القدمان، غريبة بسبب شكل المداس المزري. “قل لي ما شكل حذائك أقل لك كيف تسير”، بل “قل لي كيف تسير أقل لك من أنت”. وبهذا الثّقل صار المشي ثقيلا بطيئا يعطّل القدم، ويعسِّر السّير. وإذا عسُر المشي صار السَّيْر شبيها بسيْر الأعرج والأعمى. وكلاهما لا يُحْسن السَّيْر. فثِقل الحذاء قد انجرّ عنه عسرٌ في المشي، وجعل من الطّنبوريّ شخصا ذا سيرة سيّئة و“صاحب نوادر وحكايات”. فالحكاية تَروي وقائع سيرة سيّئة بسبب سوء السّير تماما كسيرة أوديب التّراجيديّة، ذاك الّذي يشي اسمه، ومعناه “صاحب القدم المتورّمة”، بعسر في السّير. فالطّنبوريّ هو “صاحب نوادر وحكايات” لأنّه صاحب عثرات. كلّما تعثّر في السّير ساءت سيرته وخرجت عن معهود السَّيْر والسِّيَر. وإذا كانت النّوادر هي كلّ ما شذّ وخرج وسقط فإنّ نوادر الكلام خطاب يناسب تمام المناسبة غرضيّة thématique العثرات. وهي غرضيّة قد تشكّلت في الحكاية بتحوّل المداس إلى عثرة، أو حجر عثرة، قد جعل السَّيْر به كارثيّا من كثرة ما اقترف من الجنايات. وقد تجلّت الجنايات في اطّراد سقوط المداس على الثّروات “فسقط على الرّفّ الّذي عليه الزّجاج، فتبدّد ماءُ الورد وأنكسر الزّجاج” والأرواح “فسقط على امرأة حامل، فارتجفت، وأسقطت ولدا ذكراً”.
هذا السّقوط كارثيّ بالمعنى الإغريقيّ للفظ كارثة “catastrophe”. فهو يعني في أصله الإغريقي جولة (strophế) إلى الأسفل (katá). وليس الأسفل في سياق هذه الحكاية سوى الأرض، أو عالم الحكاية السّفليّ. فحين يصبح هذا الشّيء تحت الأرض، بعد أن كان فوقها، فإنّ هذا الشّيء يعود على نحو غريب في كينونة مختلفة، يمكن تسميتها الكينونة تحت l’être-dessous. أغرق المداس في مياه النّهر “فأخذ المداس، وألقاه في الدِّجلة، فغاص في الماء” فعاد ليدوس ثروة صاحبه. ودفن تحت الأرض مرّتين في “حفرة” و“في مستراح الخان” فخرج منها ليسكن في أعاليها على السّطوح، فلم يبرحها حتّى سقط على امرأة حامل، فأسقطت حملها. ومن كلّ هذه الصّدف العجيبة كان المداس يعود ليجني على صاحبه ويعاقبه، تارة بالضّرب ودخول “السّجن”، وطورا بـ“غرم جملة مال” إلى أن افتقر “وافقراه ! أفقرني هذا المداس”.
تُعرب كلّ عودة عن إبعاد انجرّ عنه فقدان، هو فقدان الأرض الّتي كان يسير عليها المداس مرحا. فبذلك الفقدان صار سير المداس تائها بعد أن هجرته القدمان. وبهذا الهجران عُلّقت كلّ تجربة مع الأرض. ففي التيه يفقد الحذاء جهته وأرضه الّتي يقتضي المشيُ وجودَها. يفقد المداسُ ذاك الكائنَ المنتصب المتمتّع بقدميه، فيضحي بلا مَوْجِد، أو مكان الوجود، بفقدان صلابة الأرض. إنّه تحت الماء، وفوق الأرض أو تحتها، لكنّه لا يسير عليها. وعندما يفقد الشيءُ أرضه لا يعوّض ذاك الفقدان شيء سوى خطاب النّسبة. لمن هذا المداسُ؟ بأيّ قدمين كان يدوس الأرض؟ ذلك أنّه كلّما أخطأ المداس أرضه عاد إلى صاحبه، إلى قدميه.
إنّ أشكال نكران المداس هي استعارة ملحّة لفقدان الأرض الّتي كانت القدمان تدوسانها. فالمداس هو هذا الشّيء الّذي ليس من الطّنبوريّ وليس من الأرض الّتي يسير فوقها، إنّما هو بينهما. فهو كائن بين اثنين بين الأرض والقدمين. وعندما يفقد الحذاء، أو المداس، هذا الما بين، يصبح فوق الأرض أو تحتها، مقطوع الصّلة عنها، كأنّه يحلّق فوق ما كانت تحمله، قد خلع، وأُسلم إلى كينونته المخلوعة son être-délacé. حينها تضحي كلّ تجربة مع الأرض منقطعة، طالما أنّ الأرض تفترض وجود المشي والسّير، وتمتّع ذات بقدميها. فحكاية المداس إنّما هي قصّة هذا الشّوق لاستعادة القدمين فوق أرض التّجربة نفسها.
ويبدو أنّ أحداث الحكاية لم تبدأ في التّأزّم إلاّ حين دبّ في صُلب هذه النّسبة الوهنُ، وأخذت الرّوابط والنّصائح الّتي كانت تشدّ القدمين إلى المداس تتراخى وتتفكّك. فالمداس، في الأصل، شيء منفصل عن الجسم، وكلّ ما ينفصل لا يُهدى ولا يُنذر ولكنّه يُرْمى كنفاية déchet. فالمنفصل هو ما يُبعد، هو هذا البعيد الذي يبعد. وما يُبعد لا يستعمل، فيُلقى بعيدا، ويهجر. وهو بالهجران abandon لا يصلح أن يكون هديّة أو هبة don. لأنّ ما يُهدى يقوّي الوثائق والعرى. أمّا ما لا يهدى فيُبعد، فيغدو بقيّة un reste، أو بقيّة باقية un résidu. ولكنّها بقيّة تأبى الخروج من الحكاية، طالما أنّه فُرض على القاصّ أن يقتصّ آثار عودتها. فكلّما أُلْقي المداسُ بعيدا عاد إلى القدمين، أو عاد إلى الحكاية لأنّ في الحكاية ما يُقتَصّ، أو بقيّة باقية لم تُقصّ. ولكن ليس ما يُقصّ في الحكاية ما بَقِي أو اُسْتُبْقِي، وإنّما ما أُبعد. وبالابتعاد يتغيّر الاتّجاهُ أو مكان الانتماء. فهذا المُبعدl’éloigné خارج الحكاية مافتئ يعود على نحو ملحّ، مكرّرا في كلّ مرّة يعود فيها عثرته الأولى الّتي تدعو الحكاية إلى فضحها. أمّا ما كان يُفضح فهو سَيْرُ الحذاء، وهو يدوس كلّ ما يقع عليه. فصار المداس، لمّا خُلع من قدميه، لا يمشي بل يدوس، فحين يتغيّر الطوبوسtopos يتغيّر المشي. وحين تتعطّل وظيفة المشي تُعوّض بعد تعطّلها بأعمال أخرى غير نافعة، فيصبح هذا الشيء المَداس مُضرّا لا يُحسن السّير. بيد أنّ الحكاية تُخبرنا بأنّ المشي في الأسواق “دخل سوق الزّجاج … ثمّ دخل سوق العطارين…” قد تعطّل بمجرّد انفصال القدمين عن مداسهما. فالخَطْوُ ها هنا غائب، أو قل هو حاضر، ولكن بطريقة مختلفة في المشي، هي الدَّوْسُ. وهو مشي مختلف لأنّ نصائح المداس قد انفكّت من القدمين. فصار بخلع القدمين منه شيئا عاريا، لا شيء يضاف إليه ولا قدم تلبسه. فهو مجرّد زيادة supplément. ولكن ما الزّيادة؟ نقول باختصار إنّها، عند دريدا، مجرّد دالّ مضاعف، دالّ الدّالّ signifiant du signifiant. فهي كالكتابة، في التّصوّر الميتافيزيقيّ، مجرّدُ دالّ يمثّل الدّالّ الصّوتيّ ويسدّ مسدّه. وهو لا يمثّله بمعنى يحاكيه، فيكون كأنّه هو، حتّى يكاد يساويه، وإنّما هو دالّ يعوّض بحضوره غياب الدّال ّالآخر. فالزّيادة هي أقرب إلى المثول présence منها إلى التّمثيل représentation. وهي باختصار تعمل لحسابها الخاصّ، وتغيّر من طريقة عملها كلّما تغيّرت ماهية الزّيادة (خطّ، مرآة، صورة، ثياب، حذاء…). لقد كان المداس هذه الزّيادة، لأنّه ينوب القدمين ويقيهما من العثرات وكبوات الطّريق، فهو ثوبهما وجلدهما الثّاني الّذي يُجعل على جلدة القدم. غير أنّه في القصّة لم يعد تلك الزّيادة، لأنّه صار زيادة محضة لا تنوب قدما ولا تدوس أرضا. بل هو زيادة خالصة، قد تخلّص من كلّ ما يجعله مفيدا نافعا، وانقلب بالإبعاد إلى جزء لعين une part maudite مطرود لا يصلح أن يكون هديّة ولا أُضحية. إنّه زيادة قد بقيت. ولأنّ المداس صار بقيّةً فَقَدْ أُبعد. فهو بالإبعاد فقط صار بقيّة باقية. فما يبقى خارج الاستعمال يُلقى بعيدا، ويطرح وينتزع ويخلع ويترك، فيصبح عاريا من قدميه لا يُجْدي نفعا. ولكن هل البقيّة شيء عارٍ؟ هل الزّيادة هاهنا، في الحكاية، بقيّة باقية وشيء عار في الآن نفسه؟ هل الزّيادة المحضة هي هذه البقيّة العارية؟ هل هذا الباقي هو (المداس، الحذاء، النّعل، الخفاف، الأحذية الطّويلة…) المخلوع أم القدم العارية؟ لنترك هذه الأسئلة معلّقة إلى حين لأنّ الأجوبة عنها تقتضي أن نستقرئ من ناحية حكايات الأحذية الكثيرة من حكايات بيرو Perrault الشّهيرة كـ“سندرلاّ”Cendrillon ، إلى القطّ المحتذي «Le chat botté »وعقلة الإصبع « Le petit poucet »، دون أن نُغفل قصّة بلزاكBalzac “الرّائعة الفنّيّة المجهولة”، «Le chef d’œuvre inconnu» ، ونتتبّع من ناحية أخرى آثار الأقدام المعطوبة أو الموصومة stigmatisé بجرحها.
ليس العري، في سياق هذه الحكاية على الأقلّ، سوى تخلّص المداس من كلّ فائدة. فهو لا يُجدي ولا ينفع. فالشيء العاري هو بضاعة أو متاع، ولكنّه متاع لا يُسْتمتع به. فهو متاع قد انتزعت منه كلّ متعة jouissance بعد أن أُفرط في التّمتّع به. ولكنّه بذاك الانتزاع والتّفريط فيه قد انقلب إلى بقيّة وجزء لعين انقاد إلى متعة أخرى خارج حدود القانون والنّافع. ولعلّ هذا يحملنا على التّفكير في الباقي، على نحو مغاير، لا بوصفه هذا الشّيء العاري من كلّ نفع، وإنّما التّفكير على نحو خاصّ في الشّيء بما هو بقية باقية خارج كلّ عري. فالمداس، خارج عريه، قد اتّخذ شكلا جديدا هو ما تسعى القصّة إلى اقتصاص أثره.
لنذكّر قليلا بالوقائع: تحدّثنا الحكاية في بدايتها، وعلى نحو وجيز، عن تاريخ هذا الاستعمال المفرط “له مداس له مدّة سنين، كلّما انقطع منه موضع جعل عليه رقعة، إلى أن صار في غاية الثّقل، وصار يضرب به المثل”، بل هي تبدأ لمّا بلغ الاستعمال المفرط الغاية القصوى الّتي ما بعدها غاية، حين أصبح المداس يضرب به المثل في الثّقل من فرط الرّقع الّتي جعلت عليه. ولا تنقل الحكايةُ قصّةَ المداس، وإنّما تروي حكاية هذه البقيّة الّتي بقيت وأطيل أمد بقائها. فالجزء الأوّل من حكاية المداس يوجز حكاية الإفراط الّتي من جرّائها أضحى المداسُ بقيّة باقية. غير أنّ الجزء الباقي من الحكاية يقصّ علينا حكاية التّفريط في هذه البقية، الّتي أضحى الخلاص منها كالتّبرّؤ من الجزء اللّعين من الثّروة. وهذا التّفريط في هذه البقيّة قد جعل المداس في القصّة ينقلب إلى شيء آخر يتجاوز مجرّد مداس يصلح للسّير. فبفقدان قيمة الاستعمال لم يعد المداس شيئا، لأنّه صار، بانفصاله عن القدم، بطلَ الحكاية، وموضوع أثر قصصيّ، ما فتئ الرّاوي الخفيّ يقتصّ أثره كلّما ظهر أو اختفى. فالمداس يظهر ويختفي. إنّه يلعب لعبة الظهور والاختفاء، لعبة الفورت – دا Fort-Da كما سمّاها فرويد في بعض ما كتب. وهي في النّهاية لعبة إرسال jeu d’envoi، تذكّر بالرّسائل الضّائعة كلّما امتدّ مسيرها، وطال أمد وصولها «en souffrance» تعْثُر دائما على اتّجاهها وتبلغ مقصدها مثلما أكّد لاكان Lacan في ندوة الرّسالة المسروقة. وكما أنّ الرّسائل تبلغ مقصدها فكذلك الأحذية تعثر على اتّجاهها وتبلغ مقصدها وإن طال أمد وصولها. وقس على ذلك مسيرة المداس، كلّما تاه وطال أمد التّيه يعود دوما إلى قدميه. وهو لا يختفي ويظهر إلاّ بسبب عريه وفقدان القدمين اللّتين كانتا تقودان سيره. وحين يفقد المداسُ قدميه ينقلب إلى لعبة تلوح وتختفي، كلّما أطيلت مدّة اللّعب طالت القصّة، وصارت من النّوادر والحكايات. ولكنّها بخلاف الحكايات والخرافات القديمة الّتي كانت تبدأ بافتقار manque مثلما لاحظ بروب في مورفولوجيا الحكاية، بدأت حكاية “مداس الطّنبوريّ” بعمل إخطاء un acte manqué، لمّا اضطربت أحداثُها بلَبْسٍ في لُبْسِ المداس. وليس الإخطاء سوى طريقة ملتبسة، لا تخلو من تخليط، في وصف اجتماع القدمين بالمداس.
تُخبرنا الحكايةُ أنّ الطّنبوريّ قد “لبس” مداسا جديدا مثلما تلبس الثّياب “ولمّا خرج من الحمّام ولبس ثيابه وجد إلى جانب مداسه مداساً جديداً، فلبسه”. وبين اللُّبْس واللَّبْس اشتراك عجيب. فـ“اللُّبْسُ بالضّمّ مصدر قولك لَبِسْتُ الثوبَ أَلْبَس واللَّبْس بالفتح مصدر قولك لَبَسْت عليه الأَمر أَلْبِسُ خَلَطْت (…) واللَّبْسُ واللَّبَسُ اختلاط الأَمر لبَسَ عليه الأَمرَ يَلْبِسُه لَبْساً فالْتَبَسَ إِذا خَلَطَه عليه حتى لا يعرِف جِهَتَه (…) ويقال للمجنون مُخالَط والْتَبَسَ عليه الأَمر أَي اختلَطَ واشْتَبَه والتَّلْبيسُ كالتَّدْليس والتَّخليط شُدِّد للمبالغة”. تبدأ عثرة الطّنبوريّ الكبرى في لُبسه حذاء غير حذائه، فكان لُبسه لَبْسا فيه اشتباه وتخليط. وبهذا اللَّبس لم تتجرّد القدمان من مداسهما، وإنّما تعرّى المداس من قدميه، فأصبح شيئا عاريا لا يصلح لتغطية أيّ شيء، قد فقد قيمة الاستعمال. فكما أنّ القدمين تغدوان عاريتين بمجرّد خلع الحذاء، فكذلك الحذاء يغدو شيئا عاريا بمجرّد خلع القدمين منه. وقد انجرّ عن هذا اللَّبس خطأ، ومن الخطأ نشأ صدع لم يكن بالإمكان رأبه برقعة من الرّقع، لأنّه من ذلك الإخطاء وكثرة الأخطاء كانت الحكاية.
بدأ الاضطراب في حكاية أبي القاسم الطّنبوريّ واشتدّ توتّر وقائعها بخطإ كلّما حاول بطل الحكاية إصلاحه أخطأ، فلم يعرف كيف يصلحه إلاّ بارتكاب أخطاء أخرى. وفي الإفراط في الخطإ والإخطاء متعة مفرطة تجلّت في التّفريط في الثّروة بتبديدها حدّ الفقر. فالبطل كائن المتعة المفرطة، يُفرط في استعمال الأشياء واستبقائها إلى أن تُصبح من طول الاستعمال والاستبقاء قبيحة. فمداس الطّنبوريّ قد فقد وزنه من فرط الثّقل، وفقد شكله الأوّل من فرط الرّقع، فصار “في غاية الوحاشة”، أي في مرتبة الأشياء البائنات monstrueuses الّتي لم تفقد وظيفة استعمالها، ولكنّها فقدت وظيفة التّبادل. فما لا يبادل لا قيمة له. لأنّه صار خارج كلّ قيمة وكلّ تبادل. وبفقدان قيمة التّبادل valeur d’échange، أي مبادلة ما لا يبادل، صار المداس نفاية يمكن الاستغناء عنه والتّخلّص منه. بيد أنّ ما تقصّه علينا الحكاية وتحاول استحضاره بحكايته هو عسر هذا التّخلّص ممّا لا يبادل بالبيع ولا بالشّراء. فقصّة المداس تروي حكاية انفصال عسير بين الأشياء وأصحابها من فرط التّعلّق بها. هذا الانفصال قد جرى على صعيد الواقع بتغيير الحذاء القديم بآخر جديد من غير مبادلة. وبانعدام المبادلة كان الخطأ الأوّل والإخطاء الّذي جعل المتعة المفرطة تصطدم بالقانون. وقد تجلّى الإخطاء في تلك الأحداث الصّادمة بين المتعة المفرطة والقانون الّذي مافتئ يحدّ من إفراطها. فكلّما اصطدم المداس بشيء مّا من الأشياء المتنفِّسة (كالولد) أو غير المتنفِّسة (كالزّجاج) بدّده أو عطبه أو قتله. وبذلك الاصطدام يتدخّل القانون ممثّلا في شخص القاضي ليحدّ من إفراط المتعة الّتي اشتغلت في القصّة بالتّفريط في الثّروة.
كلّ الأشياء المجوّفة المقعّرة تحدّد شكل ما كان فيها ومَنْ كان فيها. وما كان فيها قدمان انفصلتا عن مداسهما أو حذائهما بسبب نصيحة أو “شهوة” بعض الأصدقاء “فقال له بعض أصدقائه: يا أبا القاسم: أشتهي أن تغيّر مداسك، فإنّه في غاية الوحاشة، وأنت ذو مال، فقال: السّمع والطّاعة.”. فالشّهوة، وهي صوت الآخر، صوت الجماعة والمدينة، تتضمّن طلب تغيير المداس، أي التّخلّص من النّصائح الّتي شدّت القدم إلى المداس شدّا طال عهده حتّى صار المداس كالثّوب الخليع “وثوب خَلِيعٌ خلَقٌ” (لسان العرب)، “في غاية الوحاشة”. فنصيحة الصّديق هي نفي لكلّ النّصائح، أي لكلّ الرّوابط والمواثيق، حتّى ينخلع المداس من قدميه. فالمداس الّذي تقصّ الحكاية أثره إنّما هو مداس كان يأبى الخلع، ومفارقة القدمين. ولأجل ذلك احتيج إلى القاضي في آخر القصّة حتّى يقضي على هذه الرّوابط الرّمزيّة، ويكون شاهدا على الخلع بالبراءة أو التّبرّؤ. فالخلع لا ينجز بانفصال المداس عن قدميه فحسب، وإنّما بقطع أواصر النّسبة إلى صاحب القدمين. ولذلك وقع فعل التّبرّؤ على النّسبة فقط مثلما أنّ الخلع قد جرى على النّعلين فحسب. وسواء أكان المخلوع شيئا أم شخصا، فإنّ الخلع لا يتحقّق إلاّ بقطع العقد الرّمزيّ الّذي يجعل الشّيء منتسبا إلى قدمين، والشّخص منتميا إلى الجماعة. فقصّة المداس تبدأ بخلعه من القدمين. وبانفصاله عنهما اقترف من الجنايات المفرطة ما جعل الخلع عملا عسيرا. ومن آيات عسره أنّه كلّما أطرد المداس عاد إلى قدميه مقترفا من الجنايات ما دعا إلى البراءة منه، وقطع كلّ النّصائح الّتي تجعل صاحب القدمين مقترنا بمداسه على نحو رمزيّ، بواسطة النّسبة، “مداس الطّنبوريّ”.
تحملنا عودة المداس في الحكاية أو الأحذية في الرّسم إلى إعادة التّفكير في منطق هذه العودة نفسها. فهي محكومة بمنطق آخر غير منطق القطيعة. فالنّصائح لا تقطع أبدا، وإنّما يخفّ شدّها في المداس أو في الأحذية بما يمكّن القدمين من الدّخول فالخروج، أو من الخروج فالعودة. فالمداس أو الأحذية تشبه السّيور الّتي تلتفّ أو تتراخى بالقدمين، فتضحي بنيتها مثل قبضة أو ضمّة أو شدّة، أو مثل شكل مبنيّ قريب ممّا يسمّيه دريدا بلفظ « stricture » يضمّ الجوّانيّ والبرّانيّ والأعلى والأسفل. فمداس الطّنبوريّ شأنه شأن أحذية فان غوغ ليس ملتفّا بالقدمين وليس مخلوعا، وليس ممتلئا بهما ولا فارغا. فلقبضة « stricture » المداس والأحذية بنية الإكراه المزدوج double bind ، بحيث يكون الأسفل منشدّا إلى الأعلى، وفي الآن نفسه يكون الجوّانيّ قد ضمّ إليه البرّاني. ولعلّ هذه البنية هي الّتي تجعل كلّ الأشياء الّتي تنفصل عن أصحابها تعود إليهم بتجديد النّسبة والتّعرّف إلى ملكيّة تعرّفا يذكّر بتلك الممارسة الّتي كانت تقوم على الرّمز حين يلتقي المنفصلان: الشيء ومالكه أو الشيء ونسبته، فالمداس كالأحذية يحتفظ بالاسم، أمّا المسمّى (الطّنبوريّ أو فان غوغ) فيحتفظ بالشّيء. والسؤال ليس لمن هذا المداس أو الأحذية، وإنّما لمن هي القدمان اللّتان كانتا في ذلك المداس أو تلك الأحذية؟ تجيب كلّ حكاية بأسلوب مختلف. فإن كان الحذاء في حكاية سندرلاّ على اختلاف صيغها قد عُرف بالقدم فإنّه في حكاية الطّنبوريّ قد عرف بالشّخص. فالمداس في الحكاية عُرف بالشّخص لا بالقدم؟ فالقدمان تمثّلان الشّخص وتستحضرانه. ولعلّ في ذلك ما يفسّر بأنّ الأشياء، في نظامها القديم على الأقلّ، لم تكن منفصلة عن أصحابها، فلم تكن تنسب إلى من يستعملها، بل إلى من يمتلكها.