
وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه وفضيلته على غيره ثم أصف فضل شرابك على سائر الأشربة كما أصف فضل النبيذ على سائر الأنبذة لأن النبيذ إذا تمشى في عظامك والتبس بأجزائك ودب في جنانك منحك صدق الحس وفراغ النفس وجعلك رخي البال خلي الذرع قليل الشواغل قرير العين واسع الصدر فسيح الهمم حسن الظن.
ثم سد عليك أبواب التهم وحسن دونك الظن وخواطر الفهم وكفاك مئونة الحراسة وألم الشفقة وخوف الحدثان وذل الطمع وكد الطلب وكل ما اعترض على السرور وأفسد اللذة وقاسم الشهوة وأخل بالنعمة. وهو الذي يرد الشيوخ في طبائع الشبان ويرد الشبان في نشاط الصبيان وليس يخاف شاربه إلا مجاوزة السرور إلى الأشر ومجاوزة الأشر إلى البطر. ولو لم يكن من أياديه ومننه ومن جميل آلائه ونعمه إلا أنك ما دمت تمزجه بروحك وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه وحبب إليك المزاح والفكاهة وبغض إليك الاستقصاء والمحاولة وأزال عنك تعقد الحشمة وكد المروءة وصار يومه جمالاً لأيام الفكرة وتسهيلاً لمعاودة الروية لكان في ذلك ما يوجب الشكر ويطيب الذكر. مع أن جميع ما وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم وأقل الثمن.
ثم يعطيك في السفر ما يعطيك في الحضر وسواء عليك البساتين والجنان. ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار ويطيب في الصحو كما يطيب بالدجن ويلذ في الصيف كما يلذ في الشتاء ويجري مع كل حال. وكل شيء سواه فإنما يصلح في بعض الأحوال. ويدفع مضرة الخمار كما يجلب منفعة السرور. إن كنت جذلاً كان باراً بك وإن كنت ذا هم نفاه عنك. وما الغيث في الحرث بأنفع منه في البدن وما الريش السخام بأدفأ منه للمقرور. ويستمرأ به الغذاء ويدفع به ثقل الماء ويعالج به الأدواء ويحمر به الوجنتان ويعدل به قضاء الدين. إن انفردت به ألهاك وإن نادمت به سواك. ثم هو أصنع للسرور من زلزل وأشد إطراباً من مخارق وقدر احتياجهما إليه كقدر استغنائه عنهما لأنه أصل اللذات وهي فرعه وأول السرور ونتاجه.
ولله در أول من عمله وصنعه وسقياً لمن استنبطه وأظهره.