في التَّقويم الدّاخليِّ للمناظرة ومآلها

وأمّا ما يتّصل بالضبط المنطقي للمناظرة، فقد سطّر المختصون جملة من القواعد تتجسّد في إبراز وظائف السّائل (المعترض) والمعلّل (المدعي)، وما يترتب عنها من أحكام تسري عليهما جميعا بوصفهما مشاركين في بناء المعرفة واقتناص ما صحّ منها.

 

من مفترضات الأصالة ألّا يعزب عن الذّهن بأنّ حقوق الاعتراض وواجبات الردّ عليه مادّة منطقيّة تفرّد بها الفكر الإسلامي القديم في حلقته الأصوليّة وليس في حلقته الفلسفيّة(1). ولا غرو أن يعترض المانع بكلّ الطّرق المشروعة (أو كما يقال في اصطلاح أهل المناظرة الطرق المسموعة أو الموجهة)، وأن يجتهد العارض في ردّ هذه الاعتراضات والانتقادات بكلّ الطرق المسموعة أملا في إظهار الصواب بأقرب السبل الممكنة.



وعلى هذا، يسهم الاعتراض بقسط وافر في تنقية الأحكام من شوائب الخطأ بأنواعه، والّذي يدل على صحة المعارضة ما قاله الله في أكثر من موضع “فأتوا بسورة من مثله”(البقرة 23)، إذ دعاهم إلى المعارضة، ولو لم تكن الأخيرة صحيحة في إفساد ما يدعى من الأدلّة لم تقم المعجزة دلالة على صحّة الرسالة، لأنّ أحد أركان المعجزة الصحيحة أن تتعذر معها المعارضة “حتّى إذا لم يتعذر علم أنّها مخرقة غير دلالة !” (2).

 

يمكن التّمييز في الأفعال التناظريّة للمانع بين أربعة أساسيّة على ضوئها تتحدّد وظائف المجيب باعتبارها ردّية محكومة بما يقوم به السّائل.

أ- وظيفـة السائـل:

فصّل الدارسون في الاعتراض المنطقي بين اقتران الدّعوى بدليل أو عدم اقترانها به، وبذلك ينحصر المنع في:

– منع الدعوى المجرّدة عن الدليل: المنع المجرّد من غير محاولة تبرير الاعتراض، ومن صيغه “لا أسلّم لك هذه الدعوى”(3)، إذا طرح المعلّل دعواه عرية عن الدليل فإنّ للسّائل الحقّ في اللّجوء إلى هذه الوظيفة، فيمنع الدّعوى دافعا خصمه إلى الإتيان بالدليل الّذي يسندها.

 

منع مقدمة الدليل: المناقصة أو النقض التّفصيلي ينصرف هذا المنع إلى المقدمة الكبرى أو الصغرى (أمنع صغرى دليلك أو كبراه). ومن صيغه أن يقول السّائل لصاحبه “لو جاز كذا لجاز كذا”(4) أو “إذا جوزت كذا أو قلت بكذا، فهلا قلت كذا”؟(5). وغالبا ما يورد السّائل في منعه هذا سندا كشاهد أو مسوغ يبرّر به ما قام به. ومن أنواعه السّند بالإمكان المخالف (أمنع هذا الأمر، لم لا يجوز أن يكون كذا ؟)، السند بالقطع (أمنع هذا الأمر وأرى أن الوضع خلاف ذلك، كذا وكذا). السّند بالحلّ أي بالكشف عمّا يظنّه السّائل غلطا في دعوى خصمه (يصحّ ما ذكرت لو كان الأمر كذا)(6)، جدير بالإشارة إلى أنّ لجوء السّائل إلى إقامة دليل على فساد مقدمة دليل مناظره يعتبر غصبا في اصطلاح أهل المناظرة، بحيث تجعله يأخذ دور المعلّل ويحرمه من تدليل دعواه، أي تتقلب الوظائف بين المتناظرين (النشر والخبط، بحيث ينقل نفسه من مكان السّائل إلى مكان المسؤول حتّى يصير مسؤولا فيما هو سائل فيه، وذلك خطأ في حكم الجدل) (7).

 

– المنع المدلّل الإجماليُّ أو النقض الكليُّ، يتضمّن نقض الدّليل في مجمله دون نظر تفصيليٍّ في مقدماته. ويقترن بالسّند ضرورة وإلّا صار مكابرة (منع الدّليل دون تقديم السّند) وأدى إلى انحباس المناظرة وانقطاعها. يتّجه الناقض إلى تهفيت دليل المدّعي بصورتين، بيان غياب اللّزوم بين الدّليل والمدلول (الدّليل لا يستلزم الدّعوى)، أو بيان استلزام الدّليل المحال من تسلسل أو دور أو غيرهما من صور المحالات(8).



المعارضة: وهي منع الدّعوى المدلّلة ذاتها بدليل آخر مناقض، وبذلك فثبوت هذه الدعوى المناقضة يستوجب اضطرارا بطلان دعوى العارض (اجتماع النقيضين يخرق قوانين العقل)، ومتى أنكر المعترض دعوى مدلّلة بدون تعليل سقط في المكابرة. وتنقسم المعارضة بحسب المكوّن الذي تنصرف إليه (معارضة في الدّعوى أو معارضة في الدّليل)، وبحسب كيفيّة إجرائها (معارضة بالقلب: قلب السّائل الدّليل على المدّعي باعتماد دليله للدّفاع عن نقيض دعواه. معارضة بالمثل: المحافظة على صورة دليل المعلّل وتعديله مضمونا. معارضة بالغير. المغايرة في الدّليل شكلا ومضمونا) (9).

 

ب- وظيفة المعلّل: يتفاعل دوره في المناظرة مع أفعال السّائل تفاعلا تامًّا.



– التّدليل على الدّعوى غير المدلّلة: من واجب المدّعي الاستجابة لطلب المعترض بإقامة الدّليل على دعواه المجرّدة عن الحجّة.                                                                              

– إثبات المقدّمة الممنوعة من الدّعوى المدلّلة ردًّا على النقض التفصيليِّ بالتّنبيه عليها إن كانت من البديهيات أو بالاستدلال عليها أو بإبطال السند(10).

– إبطال المدعي السّند الّذي أقام عليه السّائل منعه: يكون المعلّل بحسب صورة النّقض الإجمالي أمام سبيلين: الاعتراض على تخلّف الدّعوى عن الدّليل أو الاعتراض على استلزامها المحال “وقد يتمّ له دفع النّقض بتعيين مواده من الدّعوى أو مراده من الدّليل، كما يحقّ له أن يدفعه بإثبات دعواه بدليل آخر”(11).

– التّعرض لدليل المعارض، ذلك أنّ المعلّل يجد نفسه هنا أشبه بوضع السّائل، فهو أمام دعوى مدللة معارضة لدعواه، ولذلك أمامه إمّا استخدام النّقض التّفصيليِّ أو الإجماليِّ بنفس المقتضيات الخاصّة بوظيفة السّائل الّذي تحوّل إلى معلّل لحفظ دعواه.

 

تفيدنا هذه الضوابط الصّارمة حقيقة كبرى وهي أنّ المعرفة نتاج ما أبدعته العقول الكثيرة وقلبته الفهوم العديدة، أمّا زمان الأفذاذ والعباقرة فقد أفلّ ولا طمع في عودته وانبعاثه من جديد.



إذا كانت المدافعة الجدليّة عند فلاسفة الإسلام تنتهي بإبطال الوضع (مقام التّبكيت) أو بحفظه (مقام العناد)، فإنّ التّفاعل المناظرتيَّ يؤول إلى أحد وجهين: الإفحام أو الإلزام. وقبل كشف ذلك نرى من المناسب التّعريج على بعض معوقات العمليّة التفاكريّة. فقد يفشل الحوار لأسباب منها طبيعة الموضوع المتناظر فيه لاشتباهه وعدم تحديده، وقد يكون هذا الفشل مردّه إلى عدم تصور أحد المتناظرين محاوره على ما هو عليه حقيقة، ذلك أنّ نجاح الخطاب أو فشله رهين بالمسافة الفاصلة بين المخاطب الواقعي والمتخيّل، وإذا كانت المسافة كبيرة، فإنّ مآل مشروع الإقناع هو الفشل(12)، أضف إلى ذلك ما يسمى بحالات اللاّمناسباتيّة وعدم الملاءمة كالإساءة في الإخبار والإعلام أو الإنجاز والتنفيذ(13).

 

غاية المناظرة أن يتعيّن فيها الصّواب ويحقّ الحقّ، ولذا لابدّ لها من مآل. وطبقا لشروط تخليقها وتقنينها، فإنّ الإخلال بقواعدها الأدبيّة يوجب قطعها، يقول الجويني “وعلى كلّ واحد منهما أن يقبل على خصمه الّذي يكلّمه بوجهه في خطابه، المتكلّم في كلامه والمستمع في استماعه، فإن التفت أو أعرض عنه في الاستماع أو الخطاب، وعظه، فإن لم يقبل قطع مناظرته”(14). أمّا الإخلال بوظائف السّائل والمدّعي فيعجل بالانقطاع. ويكون المناظر منقطعا لأنّه “لم يتمكّن من الوفاء بإتّمام ما لزمه إتّمامه”(15)، ولأنّه “عجز عن بلوغ الغرض المقصود”(16). إنّ الانقطاع هو العجز عن نصرة ما يدّعي المجادل نصرته، ويكون بأمور منها:

 

* الانقطاع بالسكوت (الإعراض بالسكوت) (17).

* الانقطاع بالانتقال إلى مسألة أخرى غير متعلّقة بموضوع التّناظر، فالمدّعي يكون منقطعا إن هو استدلّ بدليل تمّ هجره إلى آخر، سواء أكان ذلك قبل قدح السّائل فيه أو بعده(18). أمّا السائل فيعتبر منقطعا إن هو طالب خصمه بما لا يجوز المطالبة به في حكم النظر(19).

* الانقطاع بالخروج إلى الباطل، ولهذا الخروج تحقّقات منها:

* الخروج إلى المحال “كالخروج إلى ما يدفعه حسّ أو بديهة”(20).

* الخروج إلى التّهافت مثل “الخروج إلى ما لا يصحّ العلم به لما فيه من تدافع البعض بالبعض”(21).

* الخروج إلى الفحش، وهو الانتهاء إلى “ما تستسخفه قلوب أهل الشريعة”(22)، ومن الانقطاع الفاحش “أن ينتقل ممّا هو فيه من الاستدلال أو الانفصال إلى الشغب والتردّد بالصياح والغلبة”(23)، وأفحش من الشغب “أن يصيرا أو أحدهما إلى المسابة”(24).

 

وإذا جاز لنا تسمية الانقطاع في حقّ السّائل إلزاما، وفي حقّ المجيب إفحاما، أمكن لنا القول إنّ المناظرة يجب أن “تؤول إلى إلزام المانع أو إفحام المدّعي، يلزم المانع إذا عجز عن متابعة التّعرض لدعوى المدّعي بإحدى وظائفه مع اعتبار عدم قوله أو فعله لأي شيء يؤدي إلى الانقطاع. ويفحم المدّعي إذا عجز عن إقامة الدّليل على دعوى من دعاويه المعترض عليها مع اعتبار عدم قوله أو فعله لأي شيء يؤدي إلى الانقطاع”(25).

 

تأسيسا على ما تقدّم يتبيّن لنا أنّ المناظرة ممارسة حواريّة تروم ضبط المتّفق عليه والمختلف بشأنه، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بترسيخ مقتضيات الحوار النّقدي في كلّ مناحي الحياة النظريّة والعمليّة. وقبل ذلك يلزم أن يخضع التّناظر لضوابط تقعد للتّفاعلات بين المخاطبين ضدّ كلّ أشكال التّسلط والإكراه وادعاء امتلاك الحقيقة والمعرفة. فإلى أيّ حدّ تقيّد النظار المسلمون بما وضعوه شروطا للمحاورة والمباحثة ؟

 

المراجع:

1- حمو النقاري، منطق الكلام من المنطق الجدلي الفلسفي إلى المنطق الحجاجي الأصولي، منشورات الاختلاف، طبعة الدار العربية للعلوم ناشرون، الأولى، 1431هـ، 2010م ، ص: 498.

2- الجويني، الكافية في الجدل وضع هوامشه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م.، ص: 250.

3- طه عبد الرحمان، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، 2007.ص: 79.

4- الجويني، الكافية في الجدل، م.س، ص: 245.  

5- نفسه، ص: 245.

6 – طه عبد الرحمان، في أصول الحوار، م.س، ص: 80.

7 – الجويني، الكافية في الجدل، مرجع سابق، ص: 84.

8 – حمو النقاري، منطق الكلام، مرجع سابق، ص: 441.

9 – حمو النقاري، منطق الكلام، مرجع سابق، ص ص: 442-443.

10- طه عبد الرحمان، في أصول الحوار، م.س. ص: 80.

11- المرجع نفسه، ص: 81.  

 12- حسن المودن، “دور المخاطب في إنتاج الخطاب الحجاجي”، مجلد الحجاج، دراسات نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة، إعداد وتقديم د.حافظ إسماعيلي علوي، عالم الكتب الحديث إربد، الأردن، 2010. الجزء الأول، الحجاج: حدود وتعريفات، ص: 236.

13- حسان الباهي، الحوار ومنهجية التفكير النقدي، إفريقيا الشرق، 2004.ص: 37.

14- الجويني، الكافية في الجدل، م.س، ص: 321.        

 15 – نفسه، ص: 335.  

 16- نفسه، ص: 335.

17- نفسه، ص: 333.

18- نفسه، ص: 333.

19- نفسه، ص: 333.

20 – الجويني، الكافية في الجدل، م.س، ص: 334.

21 – نفسه، ص: 334.

22- نفسه، ص: 335.

23- نفسه، ص: 335.

24- نفسه، ص: 336.

25- طه عبد الرحمان، في أصول الحوار، م.س، ص: 78.