
باب ذكر المأثور عن المتقدمين في ذّم البخل والباخلين
– أخبرنا أبو القاسم عبيد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عثمان الصيرفي، حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بْن أَحْمَد بْن يعقوب المقرئ، حَدَّثَنَا أبو بكر بْن أبي الثلج الكاتب، حَدَّثَنَا علي بْن عبدة، حَدَّثَنَا الأصمعي، عن المبارك بْن سعيد أخي سفيان الثّوري، عن أبي حمزة الثمالي، قَالَ: سمعت شيخا أدرك النّاس، وهو يقول: “ثلاث هن أحسن شيء فيمن كن فيه: نصب لغير دنيا، وجود لغير ثواب، وتواضع في غير ذل.
وخمس هن أقبح شيء فيمن كن فيه: الحرص في العالم، والفسق في الشّيخ، والبخل في الغني، والكذب في ذي الحسب، والحدّة في السلطان”.
– أخبرني أبو مُحَمَّد يحيى بْن الحسن بْن علي بْن المنذر القاضي، أنبأنا أبو القاسم إسماعيل بْن سعيد بْن سويد المعدل، أنبأنا مُحَمَّد بْن الحسن بْن دريد، أنبأنا عبد الرحمن يعني: ابن أخي الأصمعي، عن عمه، قَالَ: سمعت أعرابيا، يقول: «الحسد ماحق للحسنات، والزهو جالب لمقت اللَّه عز وجل ومقت الصالحين، والعجب صارف عن الازدياد من العلم، داع إلى التخمط والجهل، والبخل أسوأ الأخلاق وأجلبها لسوء الأحدوثة»
– أخبرنا أبو تغلب عبد الوهاب بْن علي بْن الحسن المؤدب، حَدَّثَنَا القاضي أبو الفرج المعافى بْن زكريا الجريري، قَالَ: أنشدنا مُحَمَّد بْن القاسم الأنباري، قَالَ: أنشدنا عبد اللَّه بْن عمر بْن لقيط، من السريع: « ما أحسن الجود مع العسر … وأقبح البخل مع اليسر
ليس يواسي النّاس من ماله … من حدثته النفس بالفقر».
– أخبرنا الحسن بْن علي الجوهري، حَدَّثَنَا أبو عمر مُحَمَّد بْن العباس بْن مُحَمَّد بْن زكريا بْن حيويه الخزاز، حَدَّثَنَا أبو بكر مُحَمَّد بْن القاسم الأنباري، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يحيى النحوي، حَدَّثَنَا حماد بْن إسحاق بْن إبراهيم الموصلي، حدّثني أبي، قَالَ أبو بكر: وحدّثني أبي، حَدَّثَنَا أبو عكرمة الضّبي عامر بْن عمران، حَدَّثَنَا إسحاق بْن إبراهيم الموصلي، واللّفظ في الروايتين مختلط، قَالَ: دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: يا أبا إسحاق، أنشدني شيئا من شعرك.
فأنشدته، من الطويل:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري … فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى النّاس خلان الجواد ولا أرى … بخيلا له في العالمين خليل
وإنّي رأيت البخل يزري بأهله … فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
من خير حالات الفتى لو علمته … إذا نال شيئا أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرما … ومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى … ورأي أمير المؤمنين جميل
فقال الرشيد: لا، كيف إن شاء اللَّه تعالى، يا فضل، أعطه مئة ألف درهم.
ثم قَالَ: لله در أبيات تأتينا بها يا إسحاق، ما أجود أصولها، وأحسن فصولها.
فقلت: يا أمير المؤمنين، كلامك أحسن من شعري.
فقال: يا فضل، أعطه مئة ألف أخرى”.
فكان ذلك أوّل مال أعتقدته
– أخبرنا علي، عن مُحَمَّد بْن عبد اللَّه المعدل، أخبرنا الحسين بْن صفوان البرذعي، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أبي الدنيا، حدّثني الحارث بْن مُحَمَّد القمي، عن أبي الحسن القرشي، قَالَ: قَالَ رجل من العباد: «صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه، كان يرد السائل ويبخل النائل».
– أخبرنا الحسن بْن الحسين النعالي، أنبأنا أَحْمَد بْن نصر بْن عبد اللَّه الذارع، حَدَّثَنَا صدقة بْن موسى، حَدَّثَنَا الأصمعي، قَالَ: سمعت أعرابيا وقد وصف رجلا، فقال: «لقد صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه، وكأنما يرى بالسائل إذا رآه ملك الموت إذا أتاه».
– أخبرنا علي بْن المحسن التّنوخي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن العباس الخزاز، وأخبرني أبو منصور يوسف بْن هلال بْن بية صاحب التميمي، أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد اللَّه بْن الحسين القطيعي، قَالَ: أنشدنا أبو بكر مُحَمَّد بْن القاسم الأنباري، قَالَ: أنشدني أبي من المنسرح:
لما رأيت السؤال قد كثروا … والمال قوت يمسك الرمقا
خيرت نفسي بين الخصاصة … والبخل فقالت نصيحة شفقا
البخل عار يبقى ولا عار … للفقر وشر العيوب ما لصقا
فاختارت الفقر من تكرمها … وقالت البخل شر ما خلقا
– أخبرني أبو الحسن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن رزقويه، حَدَّثَنَا أبو علي مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الحسن الصواف، قَالَ: حدثني أبو العباس أَحْمَد بْن المغلس الحماني، إملاء، قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن سماعة، يقول: سمعت أبا يوسف، يقول: سمعت أبا حنيفة، يقول: “لا أرى أن أعدل بخيلا.
فقيل له: وكيف؟ قَالَ: يحمله البخل على التقصي، فيأخذ فوق حقه مخافة أن يغبن، فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة”.
– وَأَخْبَرَنَا ابْنُ رَزْقَوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُغَلِّسِ الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مَلِيحُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ، يَقُولُ، وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ ذَمُّ الْبَخِيلِ وَإِسْقَاطُ شَهَادَتِهِ: مَنْ أَيْنَ قُلْتَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ رَبَاحٍ، يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: “وَاللَّهِ مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ”.
– أخبرنا الحسن بْن علي الجوهري، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن العبّاس، حَدَّثَنَا أبو بكر مُحَمَّد بْن القاسم الأنباري، إملاء، قَالَ: أنشدنا أَحْمَد بْن يحيى، وأبي، واللفظ في الروايتين مختلط، وأحدهما يزيد وينقص من الطويل:
وعاذلة هبت علي تلومني … ولم يغتمزني قبل ذاك عذول
تقول اتئد لا يدعك الناس مملقا … وتزر بمن يا ابن الكرام تعول
فقلت أبت نفسي على كريمة … وطارق ليل غير ذاك يقول
ألم تعلمي يا عمرك اللَّه أنني … كريم على حين الكرام قليل
وإني لا أخزي إذا قيل مملق … سخي وأخزي أن يقال بخيل
– وأخبرني الجوهري، أنبأنا أبو عبيد اللَّه مُحَمَّد بْن عمران بْن موسى المرزباني، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عيسى المكي، قَالَ: قَالَ أبو العيناء: حضرت بعض إخواني من الأدباء وهو يجود بنفسه يردّد شعرا حتّى مات:
يرى الحر أحيانا إذا قل ماله … من الجود ساعات فلا يستطيعها
وما ذاك عن بخل ولكن وجده … يقصر عنها والبخيل يضيعها
– أخبرنا أبو الفتح هلال بْن مُحَمَّد بْن جعفر الحفّار، حَدَّثَنَا أبو جعفر مُحَمَّد بْن عمرو البحتري الرزاز، إملاءا، أخبرنا إسحاق بْن إبراهيم بْن سفيان، قَالَ: أنشدني مُحَمَّد بْن عبد اللَّه المؤذن، قَالَ: هذه لأبي العتاهية، من الكامل:
من عف خف على الصديق لقاؤه … وأخو الحوائج وجهه مملول
وأخوك من وفرت ما في كيسه … فإذا عبثت به فأنت ثقيل
يلقاك بالتعظيم ما لم ترزه … فإذا رزأت أخا فأنت ذليل
والموت أروح من سؤالك باخلا … فتوق لا يمنن عليك بخيل
هبة البخيل شبيهة بطباعه … فهو القليل وما ينيل قليل
والعز في حسن المطامع كلها … فإن استطعت فمت وأنت نبيل
– أخبرنا علي بْن مُحَمَّد بْن عبد اللَّه المعدل، أخبرنا أبو الحسين إسحاق بْن أَحْمَد الكاذي، قَالَ: أنشدنا أَحْمَد بْن يحيى ثعلب لأبي العتاهية، من مجزوء الكامل:
من لم يكن لك منصفا … في الود فابغ به بديلا
وعليك نفسك فارعها … وأكسب لها حملا ثقيلا
ومن استخف بنفسه … كسبت له قالا وقيلا
أصرف بطرفك حيث شئت … فلا ترى إلا بخيلا
ولربما سئل البخيل … الشيء لا يسوى فتيلا
فيقول لا أجد السبيل … إليه أكره أن أنيلا
– حَدَّثَنَا أبو عبد اللَّه الحسين بْن مُحَمَّد بْن جعفر الصيرفي الأصم بلفظه، قَالَ: حدّثني أبو الفرج أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن موسى الحافظ صاحب أبي بكر بْن مجاهد ويعرف بالصامت ويعرف بالصامت، قَالَ: حَدَّثَنَا يموت بْن المزرع بْن يموت أبو بكر، قَالَ: سمعت خالي أبا عثمان عمرو بْن بحر الجاحظ، يقول: “ما بقي من اللذات إلا ثلاث: ذمّ البخلاء، وأكل القديد، وحك الجرب”.
– أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْمُعَدَّلُ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو الشِّيعِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ، يَقُولُ: «الْبَخِيلُ لا غِيبَةَ لَهُ» .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَبَخِيلٌ» .
وَمُدِحَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: صَوَّامَةٌ، قَوَّامَةٌ، إِلا أَنَّ فِيهَا بُخْلا.
قَالَ: “فَمَا خَيْرًا إِذًا؟
– أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَزَّازُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ، أَنَّهُ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً صَوَّامَةً، قَوَّامَةً مُصَلِّيَةً، امْرَأَةَ صِدْقٍ، غَيْرَ أَنَّهَا بَخِيلَةٌ.
فَقَالَ: «فَمَا خَيْرُهَا إِذًا».
– وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ ذَرِيحٍ، حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ:” ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مُتَعَبِّدَةٌ، فَقِيلَ: إِنَّهَا بَخِيلَةٌ.
قَالَ: «فَمَا خَيْرًا إِذًا».
– أخبرنا أبو الحسين بْن بشران، وأبو الحسن العبّاس بْن عمر بْن العبّاس، قالا: حَدَّثَنَا عثمان بْن أَحْمَد بْن عبد اللَّه الدقاق، حَدَّثَنَا الحسن بْن عمرو الشيعي، وقال العباس: السبيعي ثمّ اتّفقا، قَالَ: سمعت بشر بْن الحارث، يقول: «صاحب زيغ سخي أخف علي قلبي من عابد بخيل» .
زاد ابن بشران: والنظر إلى البخيل يقسي القلب.