
تبّا للحلازين. تبّا للأخبار.
كدت أنعزل وأعلن غرفتي جزيرة مطلقة. لكن هذا الحلزون الملتصق التصاقا مبهما بالمدرج السفليّ لمكتبتي المستندة إلى الحائط المحاذي لي بينما أنا ممدّد كعصا بغرفتي المغلقة منذ ستّة أيّام، أفسد كلّ شيء. فقدت التّوازن أو الأصحّ: رحل توازني ساحبا حقيبته ذات الأربع عجلات. كدت أقتنع قناعة نهائيّة أنّ لا مخلوق غيري في هذا العالم بعد ستّة أيّام من الانغلاق المطلق. كيف تمكّن هذا الكائن الطريّ الأعمى من التسرّب إلى جزيرتي وعلى ظهره هذه القوقعة البنيّة السّاخرة؟
بكلّ بساطة، جزيرتي وهميّة وجزيرته حقيقة محمولة وملموسة فوق كاهله.
بدا الحلزون أكثر من مجرّد رخاوة في قوقعة خرقاء، بدا لي رسالة هازئة نزلت عليّ من السّماء نزول الصّاعقة. أيعقل أن تكون السّماء بكلّ هذه القسوة فترسل كلماتها اللّزجة على متن حلزون؟
الحلزون حاسّة لمس مطلقة. أنا حواسّ معطّبة.
زحفتُ من فراشي الأرضيِّ نحوه أسفل المكتبة ومددتُ سبّابة يدي اليُسرى ، ثمّ دفعت القوقعة لتسقط على ظهرها بلا جهد يُذكر. اللَّعنة، إنَّها مُحكمة الغلق بسدّادة بيضاء أشدّ بياضا من حيطان غرفتي الشّبيهة بتلك الحيطان الَّتي نشاهدها في شرائط الأخبار المتحدثة عن القصف العشوائي موضة هذه الأيّام. ما أكثر الحيطان المخرّبة.
أيُّها الحلزون اللَّعين، أيُّها القصف العشوائيُّ السّماويُّ، إنَّك تحسن الانغلاق بينما أفشل فيه كم مرّة وبعد أيّام معدودة. أعود للبحث على العالم حتَّى وإن كان خربا.
أهذه رسالتك أيّتها السّماء؟ هل بعثت نبيّك اللَّزج هذا ليُثبت لا جدوى عزلتي؟ لا جدواي؟ حسنا، أفهمك ولي أن أكفر بمقصدك.
فكرت في الوقوف بعد أيّام تمدّدي السِّتّة، لم أبرح خلالها الفراش إلَّا من أجل لقمة على عجل أو دخول معدود إلى الحمّام.
الاستواء بعد ستّة أيَّام والدّوْس على القوقعة البنيّة لأعرّي الرسالة وأنظر فيها مباشرة بينما هي تتمطّى في تكاسل انطلاقة جيّدة وخروج لا معهود من أزمات فقدان التَّوازن.
ما قولك أيّتها السّماء؟.
لم أكن قويّا بما يكفي. اكتفيت بإزاحة السَّدّادة المخاطية الأصل والَّتي تحوّلت إلى ما يشبه المادّة الورقيّة أو الجلدة البيضاء. آسف على هزّ نومك أيّتها الرسالة القاسية. أيّها القربان السَّماويّ، باستطاعتي أن أفرمك بين كفيّ المتوتّرتين، وأن ألقي بك مع الأوراق الَّتي تملأ سلَّتي كدليل على فشلي الذريع في ملء ولو صفحة واحدة بما يتزاحم فيَّ من أشياء الغضب والحزن والفشل.
إنِّي واقف الآن. ألقي نظرة متدحرجة على رجليّ الرّاعشتين، ونظرة أخرى على لزوجة الحلزون المتحرّكة في اطمئنان. أبدو كقرد الشمبانزي النّازل لتوّه من شجرة نفذت أوراقُها وها هو بصدد تجريب أولى وقفاته على رجليه الخلفيتين من أجل ترصّد وحوش ممكنة بين الأعشاب الكثيفة.
الحلزون هو كلّ الخطورة. لا أعشاب. وحش في قوقعة. عليّ أن أتفاداه وأسراب الأفكار الَّتي تنبعث من قوقعته الصمّاء.
أضع القوقعة على الطَّاولة وأفتح الراديو. غناء، “راب”، كلام كثير متلاصق بعبث، تلاعب بقشور لغويّة بذيئة، بذاءة مختزلة بأشياء النصف الأسفل، كأنَّ لا بذاءة بالأعلى. غناء شبيه بعراك حامي الوطيس في إحدى الأسواق. بعد الغناء، ضحكات متحدثين في كلّ شيء ولا شيء. يشبه الأمر حديثا في إحدى المقاهي أو البارات أو المطابخ. العالم كالعادة إذن. ضحك بلا معاني مضحكة. لا شيء جديد سوى هذا الحلزون. ألقيت نظرة على الكتب المرصوفة أفقيًّا في المكتبة. عناوين لا توحي بخير. الدبُّ البني الصغير مائل الرأس يستند إلى رحلات ابن بطوطة بوجه أبله. كرة من الشَّمع الورديّة وبها حفرة كفوهة بركان في الصور الكرتونيّة. شمع لا يشتعل إلّا عند مضاجعاتنا العديدة، يطفئها لهاثها في كلّ مرّة. لم تشتعل كرة الشَّمع منذ زحفت عجلات الحقيبة مغادرة. بقعة التصاق الحلزون اللاّمعة أسفل المكتبة. الحلزون؟.
أين أنت؟.
اتّبعت آثاره اللّزجة البرّاقة فوق طاولة “البلنز” الواقعة مباشرة تحت مصباح متدلّ من السّقف الَّذي لم أطفئه طوال الأيَّام السِّتّة. كان قد مرَّ فوق الورقة الَّتي لم أكتب فيها أكثر من سطرين غير مترابطين: “أتقدّم في السّواد وأزرع رموزا” / “منعزل تخرج حاسّة بصره للتَّمشّي في العالم”. آثار الحلزون تشقّ ما بين السَّطرين في لمعان، نهر ينساب في هدوء وثقة بينهما. جملتان هما كلّ ما ظفرت به طوال الأيّام الستّة المزبدة والفاشلة. هما كلّ ما نجا من سلّة المهملات الشّبيهة بالبطن الجهنّمي الَّذي لا يمكن أن يُملأ والشَّدق المفتوح في سخرية من أجل المزيد من كبب ورقيّة للفشل. كان الحلزون قد تفادى القلم الممدّد على طول الورقة وهو يزحف كما أتفاداه بدوري منذ وقت طويل. أخاف القلم، هو يشبهني في كلّ شيء. ممدّد بحبر قادر على قلب العالم رأسا على عقب. تشبه سوائل الحلزون منيّي المتيبّس في كلِّ أنحاء اللِّحاف مع فارق في اللَّمعان. منيّ مطفأ يلقى به ببرود سخيّ في العراء. ييبس شعب من مشاريع الأطفال والنطف الميّتة على الفراش الَّذي كان عامرا بصرخاتها وقصصها وذيلها الثُّعبانيّ. الاستمناء ملجأ المهجور. غادرت الفراش ذا المكان والنصف هروبا من صدى صرخاتها لأنام بالأسفل على فراش أرضيّ ضيّق. تفوح المنازل المهجورة برائحة المنيّ. هو ملجأ الفاشل أيضا، وخصوصا الفاشل في الكتابة وفي انجاز عمل فنيّ. الأير قلم لا يحتاج رؤية واضحة من أجل الكتابة. لا يحتاج دور النَّشر. كلّ ما عليه: قذف حبره الشفّاف جزافا.
أعثر على الحلزون منحدرا في ثبات بطيء مع انحدار ساق الطاولة الخشبيّة البنيّة دون أن يكفّ عن قذف أثر لزج وراءه، اشتريتها صحبتها، “هالة الفويفرا” نصف الأفعى نصف الملاك من سوق الملاسين في تخوم العاصمة التُّونسيَّة، حيٌّ في حفرة، “سوق ليبيا” الخالية من اللّيبيين، المليئة بقبائل“أولاد عيّار” و“جلاص” وبآخرين ممّن لا يعلنون أصولهم خصوصا أولئك الَّذين يبيعون “العلك اللّيبي” فوق كراتين بيضاء مخصّصة في الأصل لاحتواء الموز الَّذي لا أحد منهم يتذكّر طعمه. بعت العلك اللِّيبيّ أنا أيضا ضمن الألف مهنة الَّتي مارستها لتأسيس عشّنا ما إن نجحنا بالباكالوريا وقدمنا إلى العاصمة ساحبين حقيبتين بعجلات. كلّ ما في البيت يدلّ عليها، ترتيب الأثاث، الستارات الأرجوانيّة، شجرة التوت ذات الفرعين المنطلقين من جذعها في النَّاحية الخلفيّة للمنزل، وركان خشبيّان مشرعان على السَّماء، أنا بأزمتي الغامضة: ممدّد أزلي أفرغ جسدي في استمناءات متكررة. قالت لي بخبث أنثويّ خالص يومها ونحن نبني عشّنا كلقلق “سيدي الميرغني” الوليّ الصالح الَّذي يعترضك بمدخل مدينة الرُّوحيّة بشمال غرب تونس ….“لنشتر هذه الطاولة، أظنّها ستصمد تحت ضرباتك على الورق وعلى كتل الطين والسيراميك وعليّ، أحبّ المضاجعة على المكاتب والطاولات ومغسلة الصحون أيّها الجنديّ”، أضرب الورقة أو كتلة الطين صارخا: انطقي أيّتها المومس! لم أناقش البائع ذي الأذنين العجيبتين، كانتا كبيرتين كصحنين معلقيْن على جانبي رأسه. اشترينا الطَّاولة وعدنا من أجل تجريبها. كتب أيري ما كتب يومها. كانت الكتابة لا مرئيّة. كتابة مسموعة في صرخات أطفأت كرة الشّمع الورديّة رغم بعدها.
تزداد سوائل الحلزون لمعانا فوق الطَّاولة، يزداد تقدّما نحو الأرضيّة. هذا السَّائل يتحوّل إلى غذاء لهذا الكائن اللَّزج الَّذي ينغلق خلف سدَّادة بيضاء في الأيَّام العجاف. أنا ومن أجلي انزوائي الأخير ـ خلال هذه الأيّام العجاف ـ تجهزت بشراء عشرة خبزات وأربع علب سردين وعلبتي تن وحليب وعشرين علبة سجائر. لا نبيذ. كلّث ما اشتريته كان بوعد تسديده آخر الشَّهر. مفلس أخاك لا بطل يا رياض. جملة بدت مقنعة لرياض صاحب الدّكان الواقع أمام منزلي مباشرة بإحدى الأحياء نصف الرّاقية بالعاصمة التُّونسيَّة. “أمورك لا تعجب منذ رحلت، إه”. ويبتسم رياض مادّا ما أطلب في حركات واسعة وبطيئة.
يمكن لهذا المخلوق الرّخو الزّاحف في الطريق الَّتي تتحسّسها عيناه المعلّقتان بخيطي رأسه أن يعيش في الصحراء والقحط إن اقتضى الأمر محتميا خلف ستارته البيضاء المتينة، متنعّما بالبرودة ومنغمسا في امتصاص سوائله الخاصّة في انتظار المطر. لا أنتظر مطرا. لا أنتظر أحدا. “هالة الفويفرا” مفقودة، تركتني ومضت إلى حيث ينبغي أن تكون. الحلزون ليس بالحمق الَّذي أنا عليه ليلتجئ لـ“رياض” بائع المواد الغذائيّة، المتحدّث عن أيّام السِّجن في كلّ مناسبة، بينما لا يكفّ تلفازه عن بثّ القرآن من شاشة تعرض حلولا للأيور القصيرة وعقم النِّساء. رياض المنحرف الَّذي هداه الله ليصبح تقيًّا يؤدّي كلَّ الصلوات في أوقاتها، “مغلق للصَّلاة”، تكفي لأتخيّل وشم الأفعى بذراعه اليمنى وهي تتوجّه نحو السّماء متضرّعة، رياض مشلوط اليدين كدليل بيّن على أيَّام الانحراف الماضية. لا يحتاج هذا الحلزون سوى لهذا البصاق المتعدّد المهام، بما في ذلك مهمّة الدليل عليه. ولا دليل عليّ سوى سطريّ المتباعدين. وها إن نهرا لامعا يزيدهما تباعد الآن.
الآن أفهم رسالتك أيّتها السّماء.
كان عليّ أن أكون حلزونا مكتفيا بشخصه وقوقعته وسوائله حتّى أنجح في صنع جزيرتي. أن أصنع سدّادة حقيقية لا بابا وهميّا لم أكفّ عن النَّظر إليه، بابا يمكن أن يفتح في أيّة لحظة. أن أكون مثله ذكرا على أنثى منتشيين.
الأخبار: “بدأ التّوتر بملاحظة”سيكلوبين “غريبين دميمي الوجه يملكان عينا واحدة تتوسَّط جبينها وهما يحملان حقيبتين، جلبا انتباه السّمسار بمحطَّة سيارات النقل العمومي بمعتمدية الروحيّة من ولاية سليانة في حين هناك من يرجّح عملية الشَّك إلى سائق سيارة الأجرة الَّذي طلب من السيكلوبين وضع حقيبتيهما في الصندوق الخلفيِّ للسَّيارة إلَّا أنَّهما رفضا ذلك قطعيًّا ووقع إعلام الأمن. وحسب بعض المصادر فإنَّ نقطة مراقبة تابعة للأمن التُّونسيِّ اعترضت سيّارة ذات لوحة منجميّة تونسيّة ..ونتيجة لتبادل الطلق النّاري بين السيكلوبات والأمن التُّونسيِّ على مستوى”الحبلان“فقد وقع عدد من القتلى من بينهم إطار سام بالجيش التُّونسيِّ وجنديان. ويبدو أنَّ هناك علاقة بين السيكلوبات القادمة من ليبيا الَّتي ألقى عليها الجيش الوطنيُّ القبض بالجنوب التُّونسيِّ ومجموعة السيكلوبات الَّتي كانت وراء أحداث الروحيّة.”
التهمت علبتي ياغورت وخبزة يابسة رغم ضرسيّ المثقوبين من الجهتين وأنا أنظر في الرّاديو المدندن بأغنية للشّيخ إمام مباشرة بعد عرض الأخبار السَّيئة. “إذا الشَّمس غرقت”، أغان كنّا نتبادلها خلسة في أشرطة نلصق عليها صورا لمادونا أو لمايكل جاكسون. ها هي اليوم كأيِّ أغان تُمرّر دون أن ينتبه أحد “للشَّمس [الحقيقيّة] الغارقة في بحر الظَّلام”. لا أثر للحلزون، هكذا قالت السّماء كلمتها ومضت. لا غير ما تركت من أثر منويّ لامع يمتدّ نحو العتبة. سيعثر النَّبيّ اللَّزج على مكانه وزمانه سريعا. وأنا؟.
اللَّعنة…
إنّي ذاهب لأنقذ قوقعتي.
الفصل الأوّل من رواية تحمل نفس العنوان (حبلان)، تنشر قريبا.
الهامش:
1- الفويفرا: كلمة مشتقة حرفيا من vouivre الفرنسية التي هي امرأة من الأساطير الفرنسية ذات ذيل أفعى، تتحول إلى وحش دميم في حال سرقة جوهرتها وأثوابها وهي تغتسل بالأودية.
2ـ مدينة تونسية تقع بشمال غرب البلاد شهدت أحداثا ارهابية يوم 18 ماي 2011. تعتبر منطلق الأعمال الارهابية التي تتالت بعد ذلك في مناطق أخرى من تونس.
3- سيكلوب أو سايكلوب cyclopes وحوش من الأساطير اليونانية ذوو عين واحدة، مهرة في صنع الصواعق وأسلحة الآلهة.