جديد الموسم الثَّقافيِّ الفرنسيِّ

لكن لنعد إلى موضوعنا:

يقول مارسيل غوشيه إنَّ المفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي هو الَّذي بلور الأصوليَّة الحاليَّة في الثلاثينات من القرن الماضي. وقد أثَّرت أفكاره على حركة الاخوان المسلمين من سنَّة وشيعة. فسيّد قطب متأثِّر به وكذلك الخميني. لقد قدم المودودي تصوُّرا توتاليتاريًّا عن الاسلام. وقال بأنَّه يشمل كلَّ جوانب الحياة ولا تفلت منه أيُّ شاردة أو واردة. فهو على عكس المسيحيَّة ليس  دينا فقط وإنَّما هو دين ودنيا. إنَّه نظام متكامل يشمل كلَّ جوانب الحياة. والشَّريعة تقع في القلب منه. فهي تهيمن على كلِّ مناحي التَّنظيم الجماعيِّ للنَّاس. إنَّها تتحكَّم بالعلاقات العائليَّة وقانون الأحوال الشخصيَّة، كما تتحكَّم بالقضايا الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والادارة العامَّة للدَّولة. وهي الَّتي تحدِّد أيضا حقوق المواطنين وواجباتهم، وكذلك النِّظام القضائي، وقوانين الحرب والسِّلم، وأخيرا العلاقات الدوليَّة. كلُّ شيء ينبغي أن يخضع للشَّريعة الَّتي كانت قد بلورت قبل ألف سنة. وهذا يعني القضاء على التَّاريخيَّة أو لجم التَّطور التَّاريخي وإيقافه وتجميده. من هنا سبَّب تخلُّف المجتمعات الاسلاميَّة قياسا إلى المجتمعات الغربيَّة الَّتي تحررَّت من القانون الكنسيِّ المقدَّس واللاَّهوت القديم بكلِّ إكراهاته وقيوده وفتاواه الَّتي عفى عليها الزَّمن. إضافة إلى ذلك فإنَّ المودودي يرفض الديمقراطيَّة رفضا قاطعا لأنَّها تنزل المشروعيَّة من السَّماء إلى الأرض، ومن الله إلى الشعب. وهذا لا يجوز بأيِّ حال من الأحوال. فالحاكميَّة لله، ولله وحده. ولكن يعترف للشَّعب بالحقِّ في اختيار حكامه.

وأخيرا فإنَّ المودودي هو الَّذي نظَر للجهاد العالميِّ الَّذي تتَّبعه الحركات التَّكفيريَّة الحاليَّة عندما قال بأنَّ الجهاد لن ينتهي قبل أن يشمل الإسلام الأرض المعمورة كلَّها. وهذا يعني ضمنيًّا تكفير جميع الأديان الأخرى قاطبة. وينبغي الاعتراف بأنَّ هذه هي العقليَّة المهيمنة على جمهور المسلمين حتَّى اللَّحظة. فلا يوجد مسلم واحد يعتقد بأنَّ للأديان الأخرى قيمة أو معنى. ما قيمة المسيحيَّة؟ إنَّها محرفة مزورة. ما قيمة البوذيَّة أو الهندوسيَّة أو سواهما من أديان الشَّرق الأقصى؟ إنَّها ديانات وثنيَّة مشركة، إلخ.. ولكنَّ مشكلة المودودي والخميني وسيِّد قطب وكلُّ الأصوليين هي أنَّهم يجهلون أنَّ المسيحيَّة كانت أيضا دينا ودنيا طيلة القرون الوسطى قبل انتصار الحداثة. كانت أيضا نظاما شموليًّا يتحكَّم بكلِّ مناحي الحياة. لماذا كلُّ هذا الجهل؟ لأنَّ العقل الأصوليَّ عقل غيبيٌّ لا تاريخي لا يعرف معنى المقارنة بين الأديان. بل ولا يعترف بوجود أيِّ تطور في التَّاريخ لأنَّ هناك مبادئ ثابتة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها. فقطع يد السَّارق أمر إلهي لا يمكن أن يتغيَّر. وقل الأمر ذاته عن الرجم والجلد وبقيَّة العقوبات البدنيَّة. والتَّكفير أمر إلهيٌّ أيضا وبالتَّالي فكيف يمكن التَّراجع عنه؟

هنا يكمن الانسداد التَّاريخيُّ الأعظم في الإسلام. وهو انسداد لا يمكن الخروج منه في المدى المنظور. ولن ينحلَّ قبل أن تهتزَّ الأرض ومن عليها. سوف تجري أنهار من الدَّم قبل تفكيك لاهوت القرون الوسطى الإرهابي والانتقال إلى لاهوت الحداثة التَّحريري. وبالتَّالي فاللَّحظة الأصوليَّة هي مرض إجباري يرافق بالضرورة عمليَّة الانتقال الحداثيِّ: أي الانتقال من المجتمع التُّراثيِّ إلى المجتمع الحديث. وهو انتقال عسير ومرير. إنَّه قطيعة مرعبة تكاد تتقطَّع لها نياط القلوب. من هنا سر الاختلاجات الهائجة الَّتي يعيشها العالم الاسلامي اليوم. فهو يدرك أنَّ هذا القطيعة آتية لا ريب فيها. ولذلك يقاومها بأيِّ شكل فينقبض وينكمش ويتشنَّج ويزداد ارتباطا بالجذور القديمة والأصول. إنَّه لا يريد أن يفترق عنها بأيِّ حال. بل ويفضل أن يموت على أن ينفصل عنها. ولكن حركة العولمة الكونيَّة الزَّاحفة سوف تجبر المسلمين على الدُّخول في الحداثة كبقيَّة شعوب الأرض. وسوف تؤدي إلى تفكيك أنماط الحياة التَّقليديَّة الَّتي كانت سائدة منذ مئات السنين. وكلّ الفتاوى اللاَّهوتيَّة التَّكفيريَّة الرَّاسخة منذ ألف سنة سوف تنهار كقصر من كرتون. وهذا شيء يموت الأصوليون ولا يقبلون به. على هذا المستوى من العمق ينبغي أن نموضع الاشكاليَّة لكي نفهم اللَّحظة الأصوليَّة الدَّاعشيَّة العارمة .