
” كيف لا أحسُّ (…) بأنّ هذه الحميميّة مع ذاتي الَّتي تحميني وتحدِّدني، هي عائق نهائيٌّ أمام كلِّ تواصل مع الغير؟ فقبل قليل، كنت بالكاد موجودا وسط الآخرين. والآن اكتشفت فرحة الإحساس بأنَّني أحيا، إلاَّ أنَّني وحيد في الانتشاء بفرحي. إنَّ روحي ملك لي فعلا، غير أنَّني سجين داخلها، ولا يمكن للآخرين اختراق وعي، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم، حتَّى ولو تمنيت ذلك بكلِّ صدق (…) إنَّ نجاحي الظاهريُّ يخفي هزيمة شاملة: فالتَّجربة الذَّاتية وحدها هي الوجود الحقيقيُّ، وهي تجربة تظلُّ غير قابلة، اعتبارا لجوهرها، لتكون موضوع نقل أو إخبار.
فأنا أعيش وحيدا محاطا بسور، وأشعر بالعزلة أكثر من شعوري بالوحدة، وعالمي السِّري سجن منيع. وأكتشف في نفس الوقت، أنَّ أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي وعالمهم منغلق بقدر انغلاق عالمي أمامهم. إنَّ ألم الغير، يكشف لي بمرارة انفصالنا الجذريِّ عن بعضنا البعض، انفصالا لا يقبل بتاتا الإختزال. فعندما يتألَّم صديقي يمكنني بكلِّ تأكيد مساعدته بفعاليَّة، ومواساته بكلامي، و محاولة تعويض الألم الَّذي يمزقه بلطف. غير أنَّ ألمه يبقى رغم ذلك ألما برانيًّا بالنِّسبة لذاتي.
فتجربة الألم تظلُّ تجربته الشَّخصيَّة هو وليست تجربتي أنا. إنِّي أتعذَّب بقدر ما يتعذَّب، وربَّما أكثر منه، لكن دائما بشكل مغاير تماما عنه. فأنا لا أكون أبدا “معه” بشكل كليٍّ (…) هكذا هو الإنسان، سجين في آلامه، ومنعزل في ذاته ووحيد في موته (…) محكوم عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التَّواصل، والَّتي لن يتخلى عنها أبدا”.
المصدر:
غاستون بيرجي G Berger: “من القريب إلى الشبيه”، حضور الغير، عمل جماعي، 1957، ص 88-89.