جوليا كريستيفا: من هو الغريب؟!

‏ليس الغريب، الَّذي هو اسم مستعار للحقد وللآخر… هو ذلك الدَّخيل المسؤول عن شرور المدينة كلّها… ولا ذلك العدوّالَّذي يتعيَّن القضاء عليه لإعادة السّلم إلى الجماعة. إنَّ الغريب يسكننا على نحو غريب. إنَّه القوَّة الخفيَّة لهويتنا، والفضاء الَّذي ينسف بيتنا، والزَّمان الَّذي يتبدأ فيه وفاقنا وتعاطفنا . ونحن إذ نتعرَّف على الغريب فينا نوفّر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته. إنَّ الغريب، بوصفه عرضا دالا يجعل النَّحن» إشكاليًّا وربَّما مستحيلا، يبدأ عندما ينشأ لدي الوعيّ باختلافي، وينتهي عندما نتعرَّف على أنفسنا جميعا على أنَّنا غرباء متمردون على الرَّوابط والجماعات (…)

‏كيف يكون الإنسان غريبا؟

‏نادرا ما يخطر على بالنا هذا السُّؤال، لشدَّة اقتناعنا بكوننا مواطنين بصورة طبيعيَّة…أو أنَّنا إن انقدنا إلى طرحه طرحا سطحيًّا، فلكي نحطَّ، على الفور، في جهة من يتمتعون بالحقوق الوطنيَّة، ونقصي إلى خارجيَّة خرقاء، من ينتمون إلى بلد آخر لم يعرفوا كيف يحرصون على الإنتماء إليه ولم يعد ملكا خاصًّا لهم. حقًّا إنَّ لفكرة الغريب اليوم، دلالة حقوقيَّة، فهي تدلُّ على من لا يتمتعَّ بمواطنة البلد الَّذي يقطنه. ومن المؤكَّد أنَّ هذا الضَّبط من شأنه تهدئة الخواطر وإتاحة إخضاع الأهواء الشَّائكة للقوانين، كلّ الأهواء الَّتي سيثيرها تطفل الآخر وانحصاره داخل انسجام أسرة أو جماعة بشريَّة. غير أنَّه يسكت عن ضروب القلق والإنزعاج الَّتي تتَّصل بهذه الوضعيَّة الشَّاذة، الَّتي تتمثَّل في أن يتَّخذ الإنسان وضعيَّة المختلف ‏داخل جماعة بشريَّة تنفلق، بالتَّعريف، على نفسها مقصية عنها المخالفين .

المصدر: جوليا كريستيفا، الغريب بداخلنا (بالفرنسيَّة) دار النَّشر فايارد 1988.

.Julia Kristeva : Etrangers à nous-mêmes, Fayard, 1988

نقلا عن الكتاب المدرسي لمادَّة الفلسفة وزارة التَّربية الوطنيَّة (الجزائر) – الطبعة الأولى 1996-1997.