حنَّا أرندت: الإنسان والعمل الآليُّ

« لعلَّ الفرق الحاسم بين الأدوات والآلات يجد أحسن تجسيد له في النّقاش الَّذي لا تبدو له نهاية حول ما إذا كان على الإنسان أن يتكيَّف مع الآلة أم أنَّ الآلة هي الَّتي عليها أن تتكيَّف مع “طبيعة” الإنسان. فإذا كانت وضعيَّة الإنسان تقوم على كونه كائنا مشروطا، كائنا يغدو كلّ شيء بالنّسبة إليه – سواء أكان معطى أو مصنوعا – شرطا لوجوده اللاَّحق. فإن الإنسان “قد تكيَّف” مع وسط من الآلات منذ لحظة اختراعه لها، ومن المؤكَّد أنَّ هذه الأخيرة قد أصبحت تشكّل شرطا من شروط وجودنا، شرطا لا محيد عنه، مثلما كانت الأدوات في العصور السَّابقة.

إنَّ أهميَّة النّقاش ترجع إذن في نظرنا، بدلا من كلّ ذلك، إلى كون المسألة أصبحت قابلة للطرح. فلم يسبق لنا أن تساءلنا حول ما إذا كان الإنسان متكيّفا أو كان في حاجة لأن يتكيَّف مع الأدوات الَّتي كان يستعملها. فهذا التَّساؤل إن حصل، سيكون من قبيل البحث عن تكيُّف الإنسان مع يديه. أمَّا الآلات فهي حالة مختلفة تمام الاختلاف: فبينما كانت الأدوات الحرفيَّة في مختلف مراحل العمل المنتج تظلُّ في خدمة اليد، نجد أنَّ الآلات تقتضي من العامل أن يكون في خدمتها، وأن يكيّف الإيقاع الطبيعيَّ لجسمه مع حركتها الميكانيكيَّة، ولا يعني هذا أنَّ البشر، من حيث هم كذلك، يتكيَّفون مع آلاتهم أو يخضعون لها، وإنَّما يعني بالضَّبط أنَّ سيرورة العمل الميكانيكيّ خلال المدَّة الكاملة الَّتي يستغرقها العامل صحبة الآلة هي الَّتي تحلُّ محلَّ إيقاع الجسم البشريّ.

إنَّ الأداة الأكثر دقَّة تظلُّ في خدمة اليد، ولا يمكنها أن تقود هذه الأخيرة أو توجّهها أو تحلُّ محلَّها. أمَّا الآلة الأكثر بدائيَّة فإنَّها تقود العمل الجسدي، بل قد يحدث أن تحلَّ محله تماما».

H.Arendt: condition de l’homme moderne, éd. Calman-Lévy, 1961, p.1965.

نقلا عن: مقرر “منار الفلسفة”، السَّنة الأولى بكالوريا، مسلك الآداب والعلوم الإنسانيَّة، طبعة 2007، ص: 88.