“الأريكة التحليلنفسية والمقعد الفلسفي داخل الدار العربية للنفسانيات والفكر الاجتماعي والصحة الحضارية”



صدر الجزء الرابع من منشورات “الأريكة العربية في التحليل النفسي وفضائه الفلسفي” بعنوان “الأريكة التحليلنفسية والمقعد الفلسفي داخل الدار العربية للنفسانيات والفكر الاجتماعي والصحة الحضارية”، من إعداد كل من الدكتور علي زيعور والدكتور محمد رضوان حسن. صدر الكتاب عن دار “الانتشار العربي” في بيروت، لوحة الغلاف للفنانة اللبنانية عايدة سلوم. يضم الكتاب مجموعة أبحاث ودراسات تتناول نتاج الدكتور علي زيعور في ميدان الفلسفة والتحليل النفسي.



يوضح زيعور في تقديمه للكتاب أهداف المدرسة العربية بالقول :“لسنا نعطي نظرية فلسفية، أو نفسانية، تكون مغلقة، اي تكون محددة التخوم كما المحتوى والشكل. وليس النسق العام، وأجهزة الإنتاج كما التفسير والمحاكمة، قضية قطعية أو نهائية، ومحصورة أو مسبقة. إن التفاهمية العربية الودادية كما التعاضدية في الفلسفات والنفسانيات والأريكة المحلية للتحليل النفسي، مستقلة وإيجابية، إسهامية ومنفتحة وضرامية. وعلى ذلك، فهي لا تقصي النظريات اللاعبة على الساحة، ولا ترجم أو تهمش، ولا تبخس او تطفف. ومعنى هذا هو أن تلك المدرسة تحاور وتستوعب، وتقدسن المدنيات أو شتى الحقوق والقيم المنظمة والفاعلة الموجهة داخل الدار العالمية، وداخل علم المقارنة المسكوني البعد والعقل والمنهج… ويغذي ويهذب، في تلك الدار العالمية، خطاب النظريات الفلسفية، او العقل عند العرب وعبر مجالهم الأوسع بأبعاده وأجهزته، أجنحته وعالمينيته الواقعية والتاريخية كافة” (ص 12).

 

في فصل بعنوان “التحاور النقداني والقراءة الطبيبية والسلبيجابية لأعلام الفلسفة العربسلامية”، يتناول الدكتور محمد رضوان حسن تحليل زيعور النفسي لعدد من الفلاسفة . يقرأ زيعور الفيلسوف ابن رشد في وصفه قمة شاهقة في الفلسفة، لكنه قلق ومضطرب. شخصيته تتسم بسمات متنوعة ومختلفة، فهو رث الثياب بما يوحي بإهمال الاعتناء بالثوب، وهي ظاهرة تدل على نكران الذات والتماهي مع لا وعي الجماعة والذوبان المصلحي في العام والنافع للجميع. كما كان ابن رشيد بعيدًا عن الاهتمام بما يقوله الناس عنه. ويروى أن شخصيته كانت حذرة وخجولة وهلعة، فيما الحياء والخوف هما تعبير عن ارتباك في الشخصية. كما أن ابن رشد كان يتصف بالجنوح في سلوكه، وهو جنوح يعود الى تجربة صادمة في حياته منذ طفولته. هذه الإشكالات في شخصية ابن رشد لم تمنعه من أن يقف على قمة الفلسفة في العصر الوسيط، “فانطوائيته جعلته لا ينقطع عن المطالعة، ونكرانه الذات وتواضعه وخجله وصلابته ورفضه المرونة هي التي سددت خطاه لتجعل منه الفيلسوف الأكبر في عصره، وفيلسوفاً إنسانوياً في مفهوم عصرنا الحاضر” (ص21).

 

يقدم زيعور قراءة، في ضوء التحليل النفسي، لعالم الاجتماع العربي ابن خلدون. عاش ابن خلدوون مرحلة مضطربة في حياته، كما كان يعاني قلقاً واضطراباً ازداد بعد فقدانه لأسرته. لكن زيعور يرى، من جانب آخر، أن ابن خلدون نرجسي في شخصيته، يتجلى ذلك في تقديمه لنفسه بأنه “أثير المحل نابه الرتبة، عريض الجاه، منوه المجلس عند السلطان” (ص26). هذه النرجسية قد تعود إلى أن فيلسوفنا كان يرى نفسه رجلاً فذًا، كثير الخبرة واسع المعرفة في العلوم التربوية والعلوم الدقيقة أو الموضوعية، كما أنه كان متضلعاً في قطاعات السحر والتنجيم والكهانة. ما هدف إليه زيعور هو اكتشاف الواقع النفسي لابن خلدون، أزماته الداخلية، لذا اعتمد على السيرة الذاتية للرجل، وهي سيرة مشكوك في صحتها. فابن خلدون تحطم وانهار بعد حادثة غرق ولديه وزوجته، “أي أن الشخصية جرحت جرحاً عميقاً، فقدان الأهل لم يكن سوى متفجرة دفعته إلى الزهد وترك المنصب” (ص31). لكن هذه الشخصية الخلدونية التي عاشت في مرحلة مضطربة، عكست حالة الاضطراب هذه في فلسفتها السياسية والاجتماعية. فابن خلدون هو تعبير عن أزمة في مسار التاريخ الإسلامي، كما أنه هو نفسه تعبير عن أزمة الدولة ، عن الدولة المتأزمة المحكومة بأعمار ومراحل وتطورات مأسوية تنتهي بالعودة إلى البدء. ذلك أن مفهوم ابن خلدون للدولة والعمران والتاريخ، هو “فهم عضوي وعضواني”، حيث يتصور المجتمع والتاريخ والدولة كتصوره لجسد حي.

 

في قراءته التحليلنفسية لشخصية الشيخ محمد عبده، يتناول زيعور هذه الدراسة من جوانب ثلاثة : الطفولة والمراهقة، الزواج والاهتداء إلى التصوف، ثم الخروج من التصوف للانضمام إلى الحركة الإصلاحية الأفغانية والما بعد أفغانية. في تفسير الإهتداء إلى التصوف، يشير الباحث إلى أن منها “ما يكون بفعل تفكير بطيء مديد. وهذا التفكير قد يجري بوعي وبغير وعي، ومنها أيضاً ما يكون بفعل الحنين إلى الرحم المفقود أو النكوص إلى الفردوسي والعدني ومرحلة ما قبل عقدة أوديب، كما ومنها ما يكون بفعل رغبة لاواعية بهدم الذات وانتقاماً منها لأنها خرجت عن سلطة الأنا الأعلى. كما ومنها أيضاً بفعل بروز النزعة الكهلانية التي تتوضح مع التقدم في العمر الثاني وبتأثير المخاوف والحذر من النجاح والفشل” (ص41).

 

من المعروف أن الشيخ عبده ترك التصوف وانخرط في العمل السياسي الثوري سعياً إلى الخلاص من الحكم الأجنبي البريطاني. لكن زيعور يشكك في مصداقية الشيخ عبده في حركته الإصلاحية الثورية، بل حتى في حركته الإصلاحية الهادئة. يرى زيعور أن علاقة معتمة بين الشيخ عبده والحكم البريطاني، “وفي قيعان هذه العلاقة نوع من التعاون اللامتمايز والمتحرك – داخل العقل الاجتهادي – بأوالية تغطية الحقل، وحجب الجارح، والذكريات الصدمية، والمخاوف من القاهر على النحناوية والمصير، بل أيضاً على الأمل بالاحتماء والإطمئنان وإشباع الحاجات الحضارية والدوافع الأساسية” (ص43). لكن الوقائع تشير إلى أن الشيخ لم يتوقف يوماً عن رفع صوته مهاجماً الحكم البريطاني بعنف أو بلطف حتى بعد أن عاد إلى مصر وعدل عن السياسة من أجل العمل الإصلاحي الهاديء. قد يكون الشيخ لجأ إلى العمل الإصلاحي بالتربية والتعليم باعتبارهما “ملاذًا وهمياً ولفظياً وكأداة سيطرة دفاعية على الانجراح والعجز وعقدة الخصاء”. لكن زيعور يقر بأن الشيخ “في عقله النفسي والتربوي، ينقل مسبب الانجراح الحضاري الممثل بالقواهر والعواهر المستبدة البريطانية إلى مكان آخر، إلى ساحة مختلفة وعدو داخلي يقر الجميع بوجوده ويسقطون عليه آثامهم ومشاعر المرارة وفشل استراتيجيات الجهاد التنويراني” (ص 43-44).

 

يدرس الدكتور زيعور الفلسفة الوسيطية وعصريْ الإصلاح والنهضة، يرى أن دراسة هذه الفلسفة محفوفة بالمخاطر والصعاب. فمثل هذه الدراسة “تتطلب معرفة باللاهوت المسيحي وبتاريخ الكنيسة وبالآبائية معرفة بالفلسفة اليونانية، بالإضافة الى الفلسفة العربية وانتقال الفكر العربي وكيفية انتقاله إلى اوروبا اللاتينية” (ص 61). كما أن إحدى الصعوبات في دراستها تتصل بالحساسيات، ذلك أن ارتكازها على الدين يبعث تخوفا من الانزلاق أو اللانحياز. لكن تدريسها يؤدي خدمات في مضمارها من حيث تقديمها للشرق وعرضها كفكر يغني سائر الأديان ويغني الثقافة العربية. يرى زيعور أن منهج هذه الفلسفة كان منهجاً توفيقياً بين متناقضين هما العقل والإيمان. لكن طبيعة هذا المنهج قادت هذه الفلسفة إلى الغرق في مشكلات عقيمة، لكن ذلك كان بمثابة ضرورة لنشوء العقل الأوروبي الحديث ولتطور المباحث المنطقية ولتعويد الفكر على منهج التحليل الواضح في دراسته. في المقابل، كانت هذه الفلسفة فلسفة عملية، هدفت الى إنقاذ الإنسان من الخطيئة، أي أن الفلسفة الوسيطية كانت غايتها خدمة الإنسان. يحاول زيعور أن يضع هذه الفلسفة في إطار الفلسفة الإسلامية، فالفلسفة الإسلامية هي فلسفة وسيطية أيضاً. يحاول زيعور توضيح العلائقية بين الفلسفة المسيحية والفلسفة الإسلامية، وهو يفرق بين المسيحية كدين والمسيحية في صورتها التطبيقية داخل أوروبا، أي المسيحية التاريخية، فيرى أن المسيحية التاريخية أوقعت الإنسان خارج العقلانية بالصور التي أعطتها عن الإسلام والتي هي صور تشنيعية.

 

ينظر زيعور بحذر إلى حوار الأديان، ويرى أن حوار الفلسفة هي نظرة أكثر انفتاحاً، لذلك يؤكد على الحوار بين الفلسفة العربية الإسلامية والفلسفة المسيحية. “فهذا الحوار كان اندفاعاً جديدًا للتاريخ ، كان صناعة للتاريخ. تاريخ الفلسفة الوسيطية ليس سوى نمط فكري. فقد كان يمثل روح العصر. كان مرجعية أساسية بحيث أنه كان حاضرًا في اللاهوت المسيحي، كذلك في التصوف المسيحي” (ص65).

 

في فصل بعنوان “مذهب الوضعانية المحدثة في القيمة والجماليات والصحة الأخلاقية أو الروحية”، تتناول ضحى الخطيب قراءات لزيعور في هذا المجال وخصوصا منها كتابات زكي نجيب محمود. “فالوضعانية ارتياد مجال جديد في الفلسفة والعلم وفلسفة العلم، وهي تتحدى التراث الإسلامي المنطقي في مصادره الرئيسية وفي الشروح، وفي الشروح المتراكمة على الشروح، وهي أيضا طرحت طموحات في محاولتها جعل المنطق كل الفلسفة” (ص77). ويؤكد زكي نجيب محمود على أن مذهبه الفلسفي “هو فرع من فروع المذهب التجريبي، يمكن تسميته بالوضعية المنطقية، أو بالتجريبية المنطقية، أو بالتجريبية العلمية” (ص78). لا يوافق زيعور الانتقادات التي طالت الفلسفة الوضعية والتي جرى اتهامها بكونها تلفيقية وانتقائية، توفيقية وتبسيطية، ومن حيث كونها فلسفة ذات طابع غربي محض روحاً وشكلاً، تتناسب ومعطيات الغرب الاجتماعية، مما يعني عدم تبنيها بالمطلق. بل إن زيعور يرى أن معظم ما جاء في الثقافة العربية من تسفيل للفلسفة الوضعية العربية المحدثة إنما يعود إلى التأثر بالانجراح الحضاري والترسبات الاستعمارية حيال الغرب. لذا يعتبر أن زكي نجيب محمود قد أغنى النظر الفلسفي العربي وحقوله ومراميه، ومصطلحاته وفضائه الفكري العام. مما يوجب تناول أعماله في كونها ساهمت في تحليل وتغيير العياني والاجتماعي. كما كانت له مساهمات في مضمار التفكير الفلسفي المحض. هكذا يمكن القول “بأن زكي نجيب محمود مثّل ذلك المتمرد على الشائع والسائد والبالي في الفكر العربي الإسلامي الذي يقزم الفلسفة بحصرها بالدين والفلسفات المتدينة، وانتقد محاورًا التيارات العرفانية المقصد المسماة تارة وجدانية أو شخصانية، وصوفية جديدة عربية تارة أخرى. لقد سعى إلى هدم وبناء : هدم الهيكلية الفكرية العربية التقليدية القديمة، وإقامة بناء جديد لها” (ص81).

 

في التطرق الى القيمة والفن والصحة الأخلاقية كما الحضارية، يرى زيعور أن “الرفضانية للقيمة والفنيات والأخلاق تمر من رفض واقعية العالم الخارجي والميتافيزيقا إلى رفض القضايا الجمالية والقيمية. وفي الواقع لا يقر المذهب الوضعي بواقعية العالم الخارجي. وعلى هذا فإن الفلسفة الوضعية العربية تقف موقفاً عدائياً تجاه الأخلاق والمعايير والقيم لأنه لا يمكن التحقق منها في الواقع، وليست بيقينية، ولا يمكن البحث بيقينيتها ليس فقط لاستحالة ذلك، بل لأن اليقين، في تلك الفلسفة ليس مطلوبا بل هو غير مرغوب فيه، ويجب هدمه باستمرار. إن تحويل الفلسفة إلى تابع للعلم أو ملتقط لثمرات العلم كي يحللها قد أدى بالفلسفة الوضعية لدى زكي نجيب محمود إلى تقزم النظر المجرد. لذا ستبدو بأنها فلسفة قاصرة وعاجزة حيال ميدان أساسي في الفلسفة لأنها اختزلت القيم أو أعادتها إلى الأمبريقي، والمباشر والعلمي، ثم هي أيضاً ألغت العمق الكينوني والبعد المتعالي لمصلحة المحسوس والعياني، والمنطقي والتجريبي، والواحدي الأحادي” (ص 92). فقيمة الشيء في الفلسفة الوضعية “شعور ذاتي” وليست قيمة قائمة في ذلك الشيء أو كائنة فيه. أما نظرية الأخلاق في المذهب الوضعي فتجعل منطلقاته من المعطى الخارجي ومن التجربة، لذا يبدو المذهب الوضعاني قاصرًا عن تفسير الوعي الأخلاقي والقيم المتعالية. أما “فيما يخص الحرية والأخلاق والفن، يمكن القول أن زكي نجيب محمود، حافظ على فردانية الإنسان الذي لا يحد من فرديته كل ما يحيط به ليحتويه ويغمره. كما يحفظ للأخلاق ميداناً يكون أساسه أداء الواجب كما يفرضه الوحي أو يمليه الضمير. وبالنسبة إلى المجال الفني، فقد غدا في فلسفة محمود مرهوناً بفاعلية ذهنية تبلغ بنا عالم المطلق والمجرد، وليس مقصورًا على النشوة الناتجة من الانطباع المباشر على الحواس” (ص 99).

 

تحت عنوان “حسن حنفي والمدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والنفسانيات الفلسفية”، يقدم الباحث أحمد ماجد قراءة علي زيعور في هذا المجال. في كتابه “النظريات في فلسفة الوجود والعقل والخير”، يطرح زيعور سؤال الفلسفة، “ينطلق من رؤية فلسفية ترى الفلسفة عملية تراكمية، نشأت في أحضان الحضارة العربية – الإسلامية واستفادت من التراث الإنساني منفتحة على العقل اليوناني من جهة، والفلسفات الهندية والفارسية من جهة أخرى… فكانت صورة لعقل تعلمن، فكان معلماً، لم يقف عند تخوم حضارة معينة، فيعلن انتصاره وانغلاقه على مقولاته.. إنما كان منفتحا على الإنساني، لذلك وجد استجابة فاستمر فاعلاً حتى خارج حضارته التي نما فيها” (ص110). ويؤكد زيعور بأن نهضة فلسفية انطلقت مع التجربة التنويرية العربية الأولى التي وجدت في طروحات مدرسة الأفغاني أبرز تجلياتها. فسؤال النهضة التنويرية الأولى لم يخرج من الصدمة الحضارية، لكنه خرج من رحم تجربة الذات العربية، حين حاولت أن تعيد ترتيب عالم المفاهيم الخاص بها، وهذا الأمر نلحظه في أدبياتها. يصل زيعورالى نتيجة “أن الفلسفة في مدرستها العربية الراهنة، عقل شمولاني وكوني، واقعاني ومسكوني….. لذلك فقد لا تكون الفلسفة ذاتها، وفلسفة للعقل وبالعقل، إلا إن كانت علمانية، وحتى في مجال فلسفة التدين لأنه الممارس والمعيوش والواقعي، وتكون أيضاً متغذية بالعلم تقوده باسم الكينوني والأنسنة ومعنى الإنسان، لكنها لا تكون علماً ولا هي علموية، ولا هي وضعانية، أو مجرد فلسفة تحليل أو تحليل منطق لغوي” (ص112). وفي تقويمه لأعمال الكاتب المصري حسن حنفي، يصف زيعور حنفي بأنه بطل من أبطال الفكر الإسلامي المعاصر، وبطل الفلسفة المحضة ، اي إمام النظرانية في الدار العربية والإسلامية الراهنة.

 

تقدم نبيلة سالم قراءة “للتأسيسيات في مشروع التحليل النفسي والصحة الحضارية للأنا والنحناوية والأنتمية العربية” في بعض كتابات علي زيعور. فزيعور يرمي إلى استخدام علم النفس استخداماً عملياً في الكشف عن الرموز الشعبية، كما يهدف إلى تفسير رموز التصوف في ارتباطها بالتقاليد والقصص الشعبية والرموز العالمية. “من هذا المدخل حاول الدكتور زيعور أن يفسر رمزين شعبيين مرتبطين بمعتقدين شعبيين يسودان مجتمعاتنا العربية ، فالرمز الأول هو”الودع“الذي له صلة بالاعتقاد الشعبي في قدرة أشياء بعينها على الكشف عن الغيب، أما الرمز الثاني فهو النعل الذي يتصل بمعتقد شعبي آخر هو درء الحسد عن الشيء الذي يعلق به النعل أو الخرزة الزرقاء أو الكف ..” (ص126).

 

تحت عنوان “المشروع العربي في الفلسفة والفكر وفي النفسانيات والتحليل النفسي”، يقدم خالد غزال مراجعات لعدد من كتب علي زيعور في ميادين مختلفة من أعماله. ففي كتاب “العقل الصراطي في الفلسفة والأيديولوجيا والمدنيات”، يرى زيعور أن الصراطي هو “من يهتم بقضايا الديمقراطية ومشكلات الظلم الاجتماعي، والنظم السياسية المستبدة في البلاد العربية. وهو من يدرس الواقع السياسي وأمور السلطة أو وظائفها ومسارها وعلائقها” (ص154). في هذا المجال يقدم دراسة تحليلية ومقارنة نقدية وتاريخية للتيار العربي الأكثري في القرن العشرين، كما يرصد مسارات لفكر السوري القومي الاجتماعي والفكر الشيوعي والأيديولوجيات التقدمية وما أصابها من انتكاسات وتشققات، مستخدماً في ذلك منهج التحليل النفسي إضافة الى المنهج التاريخي والأدبي. لعل أبرز الصراطيين عند زيعور كان الكاتب اللبناني عمر فروخ الذي وصفه بأنه مدرسة فكرية قائمة بذاتها، يدل على ذلك ما تركه من تراث في تقديم أعمال الفلاسفة العرب بلغة يمكن استيعابها بعيدًا عن تعقيد المفهومات والمقولات. كما يعتبر زيعور الشيخ عبد الله العلايلي من المفكرين الصراطيين. يندرج العلايلي ضمن نموذج “المثقف العضوي” من خلال التزاماته وآرائه الجريئة وتمرده على الثقافة الدينية السائدة وما تمثله من انغلاق وتحجر، وإطلاقه آراء مناهضة كلفته صراعاً مع رجال الدين الذين لم يعتادوا الخروج على السياج المغلق لفتاوى وآراء فقهاء ينتمون إلى القرون الوسطى، ولا صلة لفتاويهم بواقعنا الراهن وبالتطورات التي طرأت على الحياة الفكرية والاجتماعية لمجتمعاتنا.

 

اخترقت تحليلات زيعور مختلف الشؤون التي تهم الإنسان وسلوكياته. فهو قد تجاوز المحلي إلى العربي العام في تحليل الذات العربية وتعيين معضلاتها، وقدم في الآن نفسه اقتراحات لمعالجة مشكلات التخلف العربي والعجز عن التقدم، وهي اقتراحات اندمج فيها علم النفس بسائر العلوم الإنسانية منها والتقنية. ولأن العامل الاقتصادي يشكل أحد العوامل المقررة في مجمل الحياة البشرية عموما، وفي سلوك الإنسان خصوصاً، ويترك أثره النفسي في الأوضاع الاجتماعية، فقد أعطاه زيعور الاهتمام الذي يستحق، ليس من زاوية تحليل الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية المرتبطة بها، بل من زاوية ملاحقة البعد النفسي لأثر العامل الاقنصادي في مجمل البنية الفكرية والمجتمعية وفي الشخصية الإنسانية، وذلك انطلاقا من لغة التحليل النفسي المتصلة بتحليل الأنا الأعلى أو الذات المثالية. تشعبت أبحاثه في هذا المجال، واخترقت آراؤه مجمل كتاباته، فتناول على سبيل المثال لا الحصر “فلسفة اللقمة”، ورصد بعين ثاقبة موضوعات تتصل بالاقتصاد مباشرة وذات انعكاسات سيكولوجية من قبيل الأرزاق والخيرات والإنفاق والغنى والفقر… وأولى اهتماما لقضية التنمية عموماً وللمدارس التي تناولتها، وناقش تشكل المجتمع المدني من رحم المجتمع الأهلي، كما توقف أمام معضلات الانتقال من الأهلي الى المدني.

 

في سياق انخراطه ضمن “المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والفكر”، أولى زيعور اهتماما خاصا للفلسفات العملية والنظرية في الهند والصين، لكون هذه الفلسفات تحتل موقع القيادة والبدايات المؤسسة لقضايا الوجود وأسئلته ومسائل المعرفة والخير والشر. شكل كتابه “الفلسفة العملية والنظرية في الهند والصين، خطاب العقل العربي في الفلسفات العربية والهندية والصينية” أبرز المراجع الرئيسية في قراءة وتحليل هذه الفلسفات، حيث يقول عنه :“يأتي هذا العمل بمثابة ممثل لميدان الفلسفة الهندية في داخل المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والفكر، وضمن مشروع الفلسفة في العالم والتاريخ والمستقبل، كما يأتي من جهة أخرى تتويجا لتحليلات وترجمات وضعت في ذلك الميدان نفسه” (ص 178). يرصد زيعور مقارنة بين الهندي والعربي وكذلك الغربي. فالله عند العربي والغربي يتحكم في مصير الإنسان، ويخضعه للثواب والعقاب خارج الزمن، أي في يوم الحساب، يوم الدينونة. والله يجعل هذا قبيحاً وذاك حسناً من الأعمال، وقد يغفر أو لا يغفر. أما في الفكر الهندي فلا إله يشابه إله المسلم والمسيحي، “فلا يؤمن الهندي بمعتقدات أخروية، ولا يطمع في الفوز بالحياة الأبدية. ولا يرتبط مصيره بإرادة الله، بل بأعمال وأفكار الشخص عينه. ليس الله مخلصاً، ولا واهباً حياة أبدية في فردوس هو من غير هذا العالم” (ص187).

 

كان علي زيعور قد انخرط منذ أكثر من خمسة عقود في مشروع فكري سياسي يتعلق بتحليل الذات العربية ومعضلاتها، محللاً انجراحاتها السلوكية والحضارية، مسلطاً الضوء على المفاصل الرئيسة في الإعاقة الحضارية للعربي، وهو مشروع قاده بحكم الضرورة إلى الكشف عن الكثير من جوانب السلوك السياسي للنخب العربية وللأنظمة السائدة. غار عميقا في تحليل النفس والذات العربية، وحذر من خطورة التهرب من قراءة التناقضات الداخلية وعقد النقص وما يتبعها من عجز عن مواجهة المعضلات البنيوية في المجتمعاتت العربية ، نحو رمي معضلاتنا ومشاكلنا عل الخارج، واختراع أعداء نلقي عليهم مسؤولية هزائمنا الداخلية والخارجية أمام العدو. على رغم الثروة الفكرية التي تركها زيعور في ميدان تحليل الذات العربية، إلا أنه ظل يحذر في الآن نفسه من تحويل “التحليلنفس إلى دين جديد، إلى مفسر لكل شيء ويمد يده إلى كل ظاهرة وحركة” (ص 188). ويمثل كتابه “التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها السلوكية والأسطورية” مساهمة أساسية في إضاءة مكنونات النفس العربية ومكنوناتها. وفي سياق تحليله لمكونات الذات العربية، أعطى زيعور موقعا أساسيا لمفهوم البطولة وتجسيدها في أبطال، وذلك في كتابه “قطاع البطولة والنرجسية والمستعليات في الذات العربية”. لا يقتصر تمجيد البطولة والأبطال على المجتمعات العربية، بل هي ظاهرة عالمية مرت بها جميع الشعوب، وإن كان تضخيمها أو تقلصها مرتبطا بمدى التطور الحضاري للمجتمع ومدى غلبة منطق المؤسسات على موقع الفرد.

 

يشكل كتاب زيعور “انجراحات السلوك والفكر في الذات العربية، في الصحة العقلية والبحث عن التكيف الخلاق”، استكمالاً وتواصلاً لما بدأه من مشروع في تحليل الذات العربية وتسليط الضوء على معضلاتها المتعددة الجوانب، من منظار علم النفس الشامل. وخلافا لكثير من مدارس التحليل النفسي، العربية والعالمية، التي تشدد على أحادية الجانب في قراءة الشخصية الإنسانية وتحليلها نفسياً، يتناول زيعور الإنسان العربي في شموليته وفي علاقته بالمجتمع من جميع جوانبه الاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية والدينية والاجتماعية، فيراها عناصر متضافرة، بل متكاملة في تحديد الشخصية العربية وتكوين ذاتها وتعيين أمراضها النفسية. من هنا تأتي قراءته النفسية بوصفها انعكاساً لهذه العوامل المجتمعة مما يجعل تحليلاته واستخلاصاته العلاجية بمثابة أجوبة تمس المشروع الحضاري العربي بمجمله. وفي هذا السياق، اعتمد زيعور دراسة التفسية الاجتماعية بالعينة للذات العربية، حيث يقول عن هذه الوجهة :“تأخذ الذات العربية زبونا في أزمة، هي أزمة تولدت من معقود أوضاع مع مساع حول الخروج من السبات والدخول إلى اليقظة ودنيا الإيجاد، والحب للمجتمع والثقة بالآخرين. وهي أزمة الانتقال من”اللاوعي“والغريزة والظلام واللامحدود إلى الوعي والعقل والنور والوضوح في الهدف والتوجه. وهي أزمة الانسلاخ من عالم الطفل، ودنيا القيود والقمع، ومن العملي والإكتفائي ، للدخول إلى عالم الراشد، والأنا المعقلن ، والمناطق المحرمة، والمعرفة الأقدر، والاستقرار الذي يتجاوز التقلبات والقلق والعلائق الاجتماعية الضاغطة والمكبلة..” (ص201 – 202 )

 

يولي زيعور المرأة اهتماماً، بحيث تخترق معظم كتاباته. يتناولها من مداخل متعددة، من موقعها الاجتماعي إلى دورها في تنظيم الأسرة، ومكانتها في الدراسات النفسية والأساطير والأحلام، وصولاً إلى المواقع السلطوية التي احتلتها في هذه الأساطير من خلال تأثيرها في الرجل، أو من خلال ما ترمز إليه في الحياة الجنسية. هكذا لا يكاد يخلو موضوع دراسي في كتاب من كتب زيعور إلا وكانت المراة حاضرة وقد احتلت فيه موقعاً أو دورًا، مباشرًا او غير مباشر، مما جعلها موضوعاً خصباً يستحيل أن يستقيم التحليل النفسي للظاهرة عنده من دون إظهار مكانة المرأة وأثرها في القضايا التي يعرض إلى تناولها. من ضمن العناوين التي يتطرق اليها في هذا المجال : في الخصوبة والعقم والأنوثة، في الحب والكراهية معا وفي الآن، المرأة والحجاب، الحرام والمرأة، في بعض السلوكيات والميول النفسية عند المرأة، المرأة في التراث الشعبي، والمرأة والبطولة.

 

يشكل كتاب زيعور “التحليل النفسي للخرافة والمتخيل والرمز” إحدى مساهمات “المدرسة العربية الراهنة في التحليل النفسي”، حيث يجري الإدماج بين التحليل النظري لهذه القضايا وإعطاء تعريفات وتحديدات في شأنها، ثم في المقابل إكساء التحليل النظري بأمثلة من واقع الحياة الاجتماعية العربية، بما يغني التعريفات ويبلور مضمونها، لتعود النظرية فتغني التفسيرات في شأن الخرافة والمتخيل والرمز والمقدس، وهي من الأمور التي ما تزال تحتل حيزًا واسعاً من المخيال الشعبي، وتتحكم أحياناً كثيرة في الحياة العملية للإنسان العربي.

تحت عنوان “غوريات وتلافيف او مقامات ومواقع في غضون المدرسة العربية في النفسانيات التحليلية والفلسفية وفي الجدارة الأخلاقية كما الحضارية”، يتطرق عدد من الباحثين إلى طروحات زيعور في هذا الميدان. في “تأسيس علم السيرة”، تتناول ضحى الخطيب دعوة زيعور لتشييد علم للسيرة الذاتية تتأسس على الجدة والجدية. يرى “أن علماً يتكرس لقطاع السيرة الذاتية، الذي أنتجه الفكر العربي المعاصر، يكون غنياً وخصباً، ناجحاً وذا اقتدار على تطوير الفكر وصوغ الميادين المعرفية وعلى فهم الكاتب ونصه والراوي شفهياً لسيرة حياته. إن ذلك العلم المخصص للسيرة الذاتية يتغاذى مع علم التاريخ، ومهنة المؤرخ، وينفتح على قطاع السيرة الشعبية والإناسة وعلم تفسير الأحلام وعلم المتخيل أو الخيلة والصورة والرواية” (ص267-268).

ي

تطرق عبد الرحمن العيسوي إلى مساهمات المدرسة العربية في الصحة العقلية والحضارية والتحليل النفسي، وخصوصاً منها كتاب زيعور “المدخل إلى التحليل النفسي والصحة العقلية”، حيث يقدم فيه زيعور تحليلات لمشكلات يومية غير فاقدة لرزانتها، والاستجابة لحاجات الإنسان العربي للإفادة من معارف العلوم الإنسانية. يحوي الكتاب أبحاثاً وردت تحت العناوين الآتية : محركات وأسس علم النفس في مدرسته العربية، مداخل في التحليل النفسي وتطبيقاته الميدانية والأدبية، الصحة العقلية والتوازن الانفعالي أو النضج العلائقي، الصحة النفسية في ميدان العمل والتبادلية والمؤسسات، الصحة النفسية للأطفال، الخطوط الكبرى للتشخيص والعلاج داخل مجال الصحة العقلية، محاولات في التحليل الذاتي، نظرة استرجاعية ملخصة، طروحات المدرسة العربية في التحليل النفسي والصحة العقلية وميادين نفسية مبتكرة، وقطاع الرموز والأحلام والتاويلات في الفلسفة العربية الإسلامية.

 

تناول حسن الموسوي قراءات زيعور في الذات العربية وتأسيسياتها اللاواعية والمحجوبة، من خلال كتاب “التحليل النفسي للذات العربية”، فيشير إلى ما تعانيه الذات العربية من عدم التوازن والخلل في صحتها الانفعالية، كما تعيش حالة عدم الشعور بالرضا من نفسها وعن المجتمع وعن الحضارة العالمية، حيث تقف هذه الذات أمام الحضارة العالمية موقف العدو، لأنها لا تأخذ منها إشباعاً لحاجاتها الحياتية، ولا لمشاعرها الأمنية ثم الثقة بالمستقبل. أما أحمد زين الدين فيناقش “النظري والعملي في الذات العربية على أريكة التحليل النفسي”، فيقول في هذا المجال :“كالعادة يمدد زيعور الزبون أو الصابر، كما يترجم المفردة الاجنبية، على أريكة المعالج النفسي. يستدرجه إلى المناطق المعتمة والمنسية من الذاكرة. وينقب في أغوار الذات الدفينة، ويتفحص سقطاته وتعبيراته وهفواته اللفظية، ويحيل ما يكتشفه من عوارض القلق والمخاوف، ومن طباع ومزاج إلى مرجعية فلسفية وعقلية، أو قل إلى تقنيات ونظريات العلاج النفسي، الراسية على قاعدة وأصول فلسفية وإناسية” (ص285).

 

في فصل بعنوان “ركائز وأساسيات تميز المدرسة العربية الراهنة في الفكر والفلسفة”، يعالج محمد عبد الرحمن مرحبا ميادين العقل العملي في الفلسفة الإسلامية الموسعة، حيث يشير إلى نظريات زيعور خصوصاً منها نظريته في “اللاوعي الثقافي العربي”، كذلك إلى نظرياته في لغة الجسد، وعلم الكرامة والأولياء وعلم المألوفيات، وعلم الرمز ، وعلم المقدس، وعلم المتخيل، ومقامات الفعل ومقامات الشخصية أو تقسيم الجهاز التنفسي… أما مهدي فضل الله، فيتطرق إلى الفلسفة في أوروبا الوسيطية وما قبل كنط فلسفة يونانية عربية لاتينية، فيشير إلى أن زيعور يبسط الدين المسيحي بحسب التصورات المسيحية التقريظية شديدة الإيمان. أما علي مقلد فيقول عن كتاب “الفلسفة في أوروبا وعصري النهضة والإصلاح” بأنه كتاب غني في حقوله “لما فيه من التصدي لموضوع حساس هو أثر الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي في حضارة الغرب والتاريخ. إن إبراز هذا الأثر طموح يحلم به الكثيرون من الأمم لما يتطلبه من اطلاع عميق على الفلسفات التي قامت حول شواطيء البحر المتوسط جميعا” (ص316).

 

تحت عنوان“المدرسة العربية الراهنة في فلسفة التصوف وعلم أحوال النفس ومقاماتها”، تناول باحثون مساهمات هذه المدرسة، ومن ضمنها أعمال زيعور. عالجت ضحى الخطيب مسألة التمايز والتفاعل بين تفسيرات الحلم والكرامة الصوفية واللاواعيات وفلسفات النبوة، فرأت أن “الحلميات قطاع يقوم على التحليل النفسي للأحلام، والرموز بعامة، وللمقدس والمتخيل. تحليلات الحلم موضوع غزير عند علي زيعور، وهو يقدم تفسير العديد من الأحلام ويعرض طرائق تفسيرها مشددًا على أنها تعبير عن جزء منا وعن قطاع مطمور وغير متمايز من الشخصية والفكر والأيديولوجيا، بل من الوعي والسلوك والتاريخ، أو من الرواية والأسطورة والتعبير” (ص327).

 

تتعدد المدارس العربية، فمنها المدرسة العربية في علم النفس، والمدرسة العربية في الإناسة، المدرسة العربية في الهنديات، والمدرسة العربية في الفلسفة وتياراتها. يرى كامل البكاري أن علم النفس عربياً لا وجود له، وهو يقول أن علي زيعور رافض أصلاً ل“علم نفس عربي” بل يؤكد على “المدرسة العربية في علم النفس”. أما حسين نصر الله، فيتطرق إلى الفلسفة الهندية والعلاج النفسي بالهنديات، حيث استعمل زيعور تلك الفلسفة من أجل العلاج النفسي القائم على الاسترخاء، وتخفيف اللهاث القاتل وراء الاقتناء والاستهلاك أو التنافس والضوضاء والإجهاد… “وفي هذا المجال العلاجي يقدم زيعور نظرة للحياة قد تمنح الاطمئنان والصفاء النفسي أو الهدوء، وتقليص التوترات والشدة الإكتئابية أو تأثيرات الأزمات والصراعات” (ص 356).

ا

حتلت فلسفة الأخلاق موقعا مهما في كتابات زيعور، ومعها أيضاً فلسفة الدين. يقول في هذا المجال :“كل تجربة دينية في التاريخ والعالم جديرة بالإحترام. والمحاكمة للتجربة الفكرية تطور الفلسفة والنفسانيات الحضارية والروحية. كل قول في الفكر الأخلاقي يضعه علماني مغال في علمانيته بعض دوافعه، بل غايته وأسبابه، قول أيديولوجي، جاهز أو مسبق. يصدق ذلك على العلموي والدهري. من هنا قد ينبع تساؤل أطرحه على نفسي : وهل الفكر العربي غير معني بالمذاهب الأخلاقية غير المتأسسة على الشريعة، أو الإيمان، اوالإلهي؟” (ص384).

 

كثيرة هي المواضيع والمعالجات التي يتناولها كتاب الأريكة التحليلنفسية، وهي مواضيع تستحق الاهتمام لاتصالها بحياتنا اليومية وبمشكلات عصرنا غيرالمحدودة. وكل سياحة فيها تبقى مقصرة عن الإلمام بمضمون الأبحاث والمناقشات الغنية بالأسئلة والإشكالات والافتراضات.